أخر الاخبار
Untitled Document
الحق الفلسطيني ثابت.. والأمر الواقع يتغير!
 ()
أحمد عبدالمعطي حجازي

 

رغم أن الحركة الصهيونية التي نشأت في أوروبا في نهايات القرن التاسع عشر لم تعد بالنسبة لنا حركة بعيدة أو جديدة، وأن مأساة الفلسطينيين بالتالي لم تبدأ اليوم وإنما بدأت منذ أكثر من مائة عام، عندما صدر وعد بلفور الذي تعهد فيه وزير خارجية انجلترا بمساعدة اليهود في انشاء وطن قومي لهم في فلسطين ـ رغم الأحداث التي توالت خلال العقود الماضية، والتجارب المريرة التي خضناها، والحروب التي دخلناها، والهزائم التي تجرعناها مازلنا نتعامل مع هذه القضية الخطيرة بعواطفنا وحدها، لا نفكر ولا نفهم ولا نكشف عن حقيقة مجهولة ولا نلقي بالا للظروف ولا نبادر بخطوة مؤثرة، بل نواجه ما يحدث بردود الفعل التي لا تعدو أن تكون كلاما معادا، كما فعلنا أخيرا في مواجهة القرار الذي اتخذه ترامب بنقل سفارة أمريكا إلى القدس، دون أي اعتبار لحقوق الفلسطينيين أو لقرارات المنظمات الدولية أو للحرج الشديد الذي سببه الرئيس الأمريكي بهذا القرار الفظ لحلفائه العرب. وإلا فما الذي كنا نتوقعه من الأمريكيين الذين سبقوا دول العالم كلها في الاعتراف بإسرائيل عندما أعلن عن قيامها منذ سبعين سنة؟!

 

وهل نعلم أن إسرائيل نسخة مصورة من الولايات المتحدة التي قامت على جثث الهنود الحمر من ناحية والأفارقة المستعبدين من ناحية أخرى؟!

 

وهل نعرف أن المهاجرين الأوائل وهم المتطهرون الذين انشقوا على كنيسة انجلترا ورحلوا في بدايات القرن السابع عشر إلى العالم الجديد شبهوا أنفسهم ببني إسرائيل الذين فروا كما تقول التوراة من ظلم فرعون الذي لعب دوره في التاريخ الأمريكى ملك انجلترا جيمس الأول وهربوا من مصر التي حلت انجلترا في هذه القصة محلها كما حلت أمريكا محل فلسطين وأصبح اسمها أورشليم الجديدة؟! لا تستغربوا إذن أن ينقل ترامب سفارته إلى أورشليم القديمة، فهو لم يخرج على تراثه الاستعماري الذي يتناقض مع ديموقراطية الأمريكيين الزائفة. وعلينا نحن أن نخرج من غفلتنا وأن نعيد النظر فيما نقوله في هذه القضية وفيما نفعله.

 

نحن حتى في حديثنا عن هذا الصراع الدائر على الدوام بين الفلسطينيين وأعدائهم نستخدم تعبيرات غير دقيقة نرضى بها عواطفنا ونطمئن بها أنفسنا، فنقول «الصراع العربي الإسرائيلي». وهو تعبير مضلل نتجاهل فيه الطرف الأول في هذا الصراع وهو «الفلسطينيون» ولا نسميهم باسمهم الذي يشخصهم ويحدد مكانهم في هذه الأحداث التي تتوالى عليهم ونلحقهم بغيرهم من العرب كأنهم ليسوا إلا قبيلة من قبائل المنطقة تستطيع أن تخيم بعيدا في الأردن أو في سوريا أو في سيناء وتترك فلسطين أو أرض الميعاد للطرف الآخر الذي نسميه فنقول «الإسرائيلي»، معترفين بأنه شعب له دولة وله جنسية، وهذا ما نضن به على الفلسطينيين الذين أشرنا لهم في هذا التعبير من بعيد وأعفيناهم بهذا من مسئوليتهم التي أصبحت تطوعا موزعا بين أطراف غير محددة قد يستجيب بعضها ولا يستجيب بعضها الآخر.

 

وعلى هذا النحو تتراجع القضية وتصبح ماضيا, وتتوالى الاعترافات بإسرائيل من دول العالم ومن الدول العربية أيضا وتنقل السفارة الأمريكية للقدس وتنقل بعدها سفارات أخرى ولا تقوم للدولة الفلسطينية قائمة حتى على ما بقي للفلسطينيين، في وطنهم السليب، ويحتل الواقع الصهيوني مكان الحق الفلسطيني الذي أصبحنا في حاجة قبل غيرنا لنعرفه على حقيقته ونخلصه مما يختلط به ويحول بيننا وبين رؤيته وأداء واجبنا نحوه.

 

وأنا هنا لا أدعو لحرب كما قد يظن البعض، ولا أعارض الوصول إلى تسوية متوازنة نضمن بها السلام للجميع.

 

لكن هذه التسوية لا يمكن أن تتم إلا إذا قامت على أساس صحيح نعرف فيه مكان الحق ونميز بينه وبين الأمر الواقع الذي يجب بالطبع أن نأخذه في الاعتبار لكن دون أن نخلط بينه وبين الحق الذي يظل حقا اليوم وغدا، أما الأمر الواقع فيتحول ويتبدل وعندئذ يكون لكل حادث حديث.

 

ولا أظن أن هناك من يخالفنا إذا قلنا إن الفلسطينيين هم الأصل في فلسطين، وهم ذرية الجماعات الأولى التي جاءت من الجزيرة العربية، ثم جاءت بعدها جماعات أخرى من البحر المتوسط وسكنت هذه الأرض وعمرتها وصنعت تاريخها الممتد الذي يزيد على خمسة آلاف عام كانت حافلة بالأحداث والتقلبات والتحولات.

 

ولاشك في أن بني إسرائيل جماعة من الجماعات التي دخلت فلسطين وشاركت في صنع تاريخها طوال القرون الاثني عشر التي سبقت ميلاد المسيح، لكن الأحداث التي وقعت بعد ذلك وأهمها انتشار المسيحية في العالم اليوناني الروماني عزلت اليهود وأجبرتهم على المغادرة ليتفرقوا في أنحاء العالم ويختلطوا بشعوبه وإن ظلوا محافظين على ديانتهم اليهودية وظلوا يحلمون بالعودة إلى «أورشليم» كما تحلم كل جماعة بما تعتقد أنه مدينتها الفاضلة أو عصرها الذهبي. الأندلسيون الذين أُرغموا على مغادرة وطنهم بعد سقوطه في أيدي الملوك المسيحيين ظلوا يحلمون بالعودة إلى الأندلس وظلوا يحافظون على مفاتيح دورهم التي رحلوا عنها في قرطبة وإشبيلية وغرناطة. واليونانيون الذين استولى الأتراك على بلادهم ظلوا إلى أوائل القرن الماضي يحلمون باسترجاع القسطنطينية، لكنهم لم يتمكنوا من تغيير الواقع الذي فرضته أربعة قرون تغيرت فيها القسطنطينية وأصبحت مدينة تركية اسمها اسطنبول.

 

غير أن اليهود الصهيونيين نجحوا في العودة إلى فلسطين بعد ألف وثمانمائة عام من رحيل أسلافهم وحلوا فيها محل الفلسطينيين الذين لم يكونوا فيها غزاة كما كان الأتراك غزاة في بيزنطة، وإنما كانوا هم أهلها، وكان الصهيونيون القادمون من شرق أوروبا وغربها بوجوه سلافية وألسنة روسية وبولندية وألمانية هم الغزاة المستعمرين.

 

كيف نجح اليهود الصهيونيون في تفريغ فلسطين من أهلها وملئها بالمهاجرين القادمين من شتى أنحاء العالم وإنشاء دولة أصبح لها وجود معترف به قادر على أن يفرض نفسه حتى على من أصابهم في مقتل؟

 

نحاول الإجابة في المقال القادم.

 

... عن «الأهرام» المصرية

نشر الخميس 11 يناير, 2018 (اخر تحديث) 11 يناير, 2018 الساعة 11:57
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [178]