أخر الاخبار
Untitled Document
حوار مع مرسيل خليفة.. عن الاغنيات والجمهور وآفاق الموسيقى
 ()

حاوره: هالة نهرا وزاهي وهبي

يحلم دائماً بربيعٍ وفجرٍ جديدَيْن. يصرّ أن يكون كما يريد، لا كما يريد الآخرون. يشتغل على تنمية طاقته الأنثوية، ويقصّ أجنحة الفحولة المدمّرة لئلا تطير. يرى أنّ الثورات والانتفاضات العربية بحاجةٍ ماسّة إلى طاقة الحبّ، وأنّه لا بدّ اليوم من تكريس ثقافة الحرّية والديموقراطية وإرساء قواعدها في العالم العربي. الفنّان الستّينيّ المبدع الذي نسي أن يكبر، يحاول دائماً استعادة الدهشة الأولى، ويبحث عن ضوءٍ يلوح في أفقٍ بعيد. على الثائر، في رأيه، أن يتسلّح بالوعي والثقافة وأن يكون منفتحاً على الآخر، وعلى الأحزاب اليسارية أن تهزَّ السكون راهناً، وأن تعي ما ينبغي أن يتبدّل. “الحضارة تصنعها لحظة تمرّد”، يقول مرسيل خليفة .  عن قناعاته وآرائه ومشروعه الموسيقي والفنّي منذ ما قبل “وعود من العاصفة”، مروراً بأمسيته في أسواق بيروت، وصولاً إلى حفلته في صيدا في ذكرى “انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، كان لنا مع صاحب “أحمد العربي” هذا الحوار :

هالة: أمسيتك التي قدّمتَها في أسواق بيروت ضمن “مهرجان بيروت للموسيقى والفنون” بمشاركة نجليْك رامي وبشّار، شكّلت محطّة مفصلية في مسيرتك الفنّية. أبحرتَ منذ بداياتك إلى التجريب، لكن جرعة التجريب كانت مضاعفة في حفلتك البيروتية، وهنا يكمن الفارق عند الجمهور العريض، ومقارنةً بأعمالك السابقة التي ارتكزت على معادلة فنّية مختلفة، ما أحدث نوعاً من الصدمة لدى المتلقّي الذي لم يعتَد هذا النمط الموسيقي، ولم يألف مشاهدتك والاستماع إلى أغانيك وعزفك في إطارٍ مستحدثٍ ومغاير، وهو ما أثار إشكالية على المستويين النقدي والشعبي .

مرسيل: المتابع لمشروعي الموسيقي يدرك أنّ ما قدّمتُه في حفلتي البيروتية الأخيرة يشكّل حلقة من حلقاتٍ منفصلة ومترابطة في الوقت عينه. سأعيدكِ إلى ما قبل “وعود من العاصفة”، أي إلى أوّل عمل قدّمتُه في قلعة جبيل ضمن مهرجانات جبيل السياحية عام 1971، ألا وهو أوبريت “مرَق الصيف”. كنتُ لا أزال حينها طالباً في الكونسرفتوار اللبناني. هذا العمل كان جريئاً غنائياً وموسيقياً. كذلك كتبتُ تمارين لآلة العود ولبعض الآلات العربية: “بشارف” و”لونغات” و”سماعيّات” حملتْ نفَساً جديداً وتجديدياً على مستوى الكتابة الموسيقية، وخرجتْ عن المألوف. التطوير الموسيقي تمظْهَر في العديد من أعمالي ومؤلّفاتي: بدءاً من القوالب الآلتية العربية و”وعود من العاصفة”، مروراً بالموسيقى التي وضعتُها لأعمال عبد الحليم كركلا، وصولاً إلى علاقتي بالشعر العربي، والعود (“جدل”)، والأوركسترا… من خلال هذه الأعمال يمكنكِ اكتناه جوهر مشروعي. في العمل المشترك الذي قدّمتُه برفقة رامي وبشّار في أسواق بيروت، لم أفكّر مسبقاً في جرعة التجريب، ولم أكترث لهذا الأمر. الفنّ لعبةُ قمار ويستلزم المجازفة والمراهنة. من شروط الإبداع التحرّر من سيطرة الآخر، والتوغّل في الغموض. أسعى إلى تطوير أدواتي، رغم السهام الموجّهة إليّ، بعنايةٍ فائقة. أكتب الحياة موسيقياً كما أعيشها وأراها؛ أدوّن أحلامي بحرّية وأصرّ على أن أكون كما أريد أنا لا كما يريد الآخرون .

زاهي: هل تهيّأتَ على المستوى النفسيّ لردّ فعل الجمهور؟ هل تخيّلتَ أو بالأحرى فكّرتَ بما ستؤول إليه الأمور بعد تلك الأمسية، أعني الجدل والانقسام حول ما قدّمتَه؟
مرسيل: الانقسام حول أعمالي الفنّية ليس بجديد، وأعدّه ضرورياً وصحيّاً. لا يمكن لأحد أن يؤطّرني أو يحنّطني! لا آبه لضجيجٍ مشابه .

هالة: تحدّثتَ عن “جدل”، وعن علاقتك بالأوركسترا لتشير ضمناً إلى أعمالك الأوركسترالية: “كونشرتو الأندلس” و”الكونشرتو العربي”. وقد اشتغلتَ على عصرنة العود وتطويره من خلال الكتابة الموسيقية لعوديْن، ومن خلال إبراز هذه الآلة ضمن إطارٍ أوركستراليّ لا يخلو من الضخامة والتجديد. يستميلنا جنوحك إلى التجريب والمراهنة، ونعرف أنّ الجمهور (أي النجاح الجماهيري والشعبي) ليس المكيال (الوحيد) الذي تُكال به الأمور للحكم على العمل الفنّي. حين قدّم سترافنسكي مثلاً “شعائر الربيع” ضربه البعض بالبندورة. لكن الفرق بينك وبين سترافنسكي (على سبيل المثال) يكمن في نقطة جوهرية؛ أنت فنّان جماهيري! أمّا سترافنسكي، فمؤلّف موسيقي نخبوي. ارتكز “جدل” على الهارموني والكونتربوان، وخَلَتْ أعمالك السابقة من الموسيقى اللانغمية والأصوات الإلكترونية والناشزة والمقعّرة التي تخلّلت أمسيتك الأخيرة في أسواق بيروت. وفي أعمالك الأوركسترالية التي سمّيتَ بعضها “كونشرتو” – علماً بأنّها لا تندرج في خانة الكونشرتو بمعناه الكلاسيكي المتعارف عليه – راعيتَ ذائقة المتلقّي العربي مزاوجاً بين الشرقي والغربي بما لا يصدم الجمهور أو يستفزّه. لكن في حفلتك الأخيرة كانت المراهنة أكبر بما لا يُقاس، وتجاوزتَ الإطار الذي بنيتَه لنفسك منذ السبعينيّات .

مرسيل: ما قدّمتُه مع رامي وبشّار في بيروت لم يكن عاديّاً. يتلفّف هذا النمط الفنّي الحداثي بالذاكرة والتراث، ويستند إلى مبادئ وأسس علمية… “نشيد الموتى” الذي قدّمتُ المقطع الأوّل منه في الحفلة، يجسّد ويعكس عمقاً الحياة والقيامة. ثمّة بُعد وظيفي مشهدي لموسيقى النشيد بتوزيعه الجديد. هل ينبغي أن نرفق موسيقانا وأغنياتنا بشاشةٍ لإيصال الفكرة إلى المتلقّي؟!؟

زاهي: هل كان التوقيت والمكان مناسبيْن في رأيك؟ المكان برمزيّته وبما يمثّله؛ ثمّة إشكالية أُثيرت حول “وسط بيروت” (لن ندخل في متاهاتها الآن). وتوقيت الحفلة في ظلّ الثورات والانتفاضات العربية؟ ماذا عن الاستعداد النفسي للمتلقّي اللبناني والعربي لتقبُّل هذا النمط الفنّي؟ نرى المواطن العربي مشحوناً اليوم بهتافات الشارع وصخبه. تسيل الدماء في العالم العربي ومدنه. لذلك قد يرى البعض أنّ توقيت الأمسية غير مناسب لمغامرةٍ كهذه؛ للذهاب إلى الحدّ الأقصى في التجريب و”التحليق” الموسيقي .

مرسيل: التوقيت مناسب، وخصوصاً في ظلّ هذه الثورات والانتفاضات الشعبية التي تحدث تغييرات جذرية في المنطقة .

زاهي: كيف؟

مرسيل: بلغة الشارع، بلغة الشباب العربي الذي يُسقط الأنظمة المستبدّة اليوم، نكتب موسيقانا. هؤلاء يبحثون عن ذواتهم وحيواتهم، عن حرّيتهم وأحلامهم الهاربة، عن الديمقراطية، ويثورون ضدّ الظلم والقهر. حفلتي البيروتية تكتنف صرخة الشباب والشارع. أترجمُ ما يحدث في الشارع العربيّ بلغةٍ فنّيةٍ جديدة. قُربي من رامي وبشّار في هذا العمل ينمّ عن قُربي من الشارع وإيقاعه ونبضه .

زاهي: هل يضيف رامي وبشّار إلى مرسيل خليفة على المستويين الموسيقي والفنّي، أم أنّهما يتّكئان على مرسيل خليفة؟ وإلى أيّ مدى قد ينطبق على رامي وبشّار ما قيل يوماً عن زياد الرحباني عندما أعاد توزيع أعمال “الأخوين رحباني”، واتُّهم من قبل البعض بتخريب نتاجهما؟

مرسيل: بين رامي وبشّار وبيني علاقة إنسانية تخطّت الإطار التقليدي الذي يجمع بين الأب وأبنائه. إنّها علاقة مبنية على الحوار والبحث عن الجديد والمغاير. رامي وبشار يملكان مشروعاً موسيقياً هامّاً. التقينا فنّياً وتكاملت أدوارنا، فكان التقاء مشروعي ومشروعهما، ونحاول دائماً أن نطوّر لغتنا الموسيقية وأدواتنا متجنّبين مطبّ التكرار. هما ابنا هذا العصر الذي أجدني منجذباً إلى نبضه، ويستهويني الانخراط فيه أكثر فأكثر. يعيان أهمّية مشروعي الملتحف بالذاكرة والذي حفر فيها في الوقت نفسه، وقد رافقتْهما أغنياتي منذ نعومة أظفارهما. لا يمكن الفصل حالياً بين ما أقدّمه وبين ما يقدّمه رامي وبشار. نشترك في صناعة الحدث وتركيبه، إنْ على مستوى الكتابة الموسيقية أوالتأليف أو الأداء. نحضن آلاتنا بحنوّ وحميمية وحماسة، ونتعامل مع البيانو والعود والإيقاعات والآلات الكهربائية بطريقةٍ وأسلوبٍ جديدين. لكي تتبلور معالم هذه التجربة أكثر يجب أن ننتظر حتّى تنضج وتصدر في عملٍ مسجّل، لا أن يحكم البعض عليها من خلال الحفلة التي قدّمناها في أسواق بيروت .

زاهي: ثمّة فارق بين أيّ حفلة وأيّ عمل موسيقي مسجّل. هل كان هذا العمل (التجربة) مناسباً لحفلة جماهيرية على مدرّجاتٍ كتلك وفي الهواء الطلق، أم أنّه كان من الأنسب تقديمه في قاعةٍ مقفلة ولجمهورٍ مختلف؟

مرسيل: إعلان الأمسية كان واضحاً؛ حفلة لثلاثة موسيقيين. الحفلة الحية لها خصوصيّتها وطابعها ومناخها ونكهتها، والتسجيل في الاستديو يأخذ بعداً وطابعاً مختلفين نوعاً ما .

هالة: سنتحدّث بعد قليل عن كيفية إصدار هذا العمل الإشكاليّ. لكن قبل ذلك، أستعين بسؤال زاهي عن توقيت الأمسية للإشارة إلى أنّ أغاني الثورات، أو ما يُعرف بالأغاني “الملتزمة” التي صدرت في الآونة الأخيرة، تنمّ في غالبيّتها عن فجوةٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ وفنّية بين ما يحدث في العالم العربي وبين الأغنية والموسيقى. هنا تكمن أهمّية أغانيك التي انتشرت في الثمانينيّات، وأرى أنّها مناسبة لهذا الزمن بالتحديد؛ زمن الثورات والانتفاضات في العالم العربي. صحيح أنّ الالتزام لا يكون بالشعارات الفضفاضة والخطابية المؤدلجة التي تثقل الفنّ، لكن أغنياتك تلك كانت ولا تزال “ملتزمة” نصّاً وموسيقى وأداءً. ثمّة توق عند الجمهور العربي وتعطُّش إلى هذا النوع من الأغاني. بجرأتك وبقفزك فوق اللحظة في أمسيتك البيروتية، صدمتَ المتلقّي بدلاً من الاشتغال على وعيه بالتدريج. الوعي عملية تراكمية. أمّا ما قدّمتَه أنت، فكان مفاجئاً بعض الشيء إذ إنّه وثب فوق “الآن” والـ”هنا”. هذا خيارك. لم يرُق الأمر ربّما لبعض النقّاد (وقد أكون منهم، مع أنّني لم أكتب مقالة بعد الحفلة)؛ شعرنا حينها أنّ – كأنّ- ثمّة قطيعة مع ماضيك الفنّي، مع ذاكرتنا. في المقابل بالغتَ في ردّ فعلك في الصحافة قائلاً إنّ النقد يعدم مرسيل خليفة. من يعدم مرسيل خليفة؟ هل الملاحظات المحبّة تعدمك؟ كيف؟ أنت تمثّل جزءاً لا يتجزّأ من ذاكرتنا الفردية والجمعية. كيف إذاً نعدمك أو نعدم ذاكرتنا؟ انطلاقاً من هنا أعتبر أنّ ما طرحه زاهي في غاية الأهمّية، ولا بدّ من مراعاة الجمهور قليلاً، وإدراك أهمّية التوقيت واستثنائيّته .

مرسيل: أنتِ تتحدّثين عن جزء من الجمهور. أمّا الشباب، فتقبّلوا موسيقاي .

هالة: استمالتنا حفلتك، لكن ثمّة بضع ملاحظات قد تخدم عملك وتجربتك في رأيي. أذكّرك: أنا من جيل الشباب .

مرسيل: كُثُر هم مَن اقتنعوا بما قدّمتُه، واستمتعوا بكل محطّات الحفلة، الغنائية منها والموسيقية. لاحظتُ ذلك من خلال التعليقات المنشورة حينئذٍ على الفيسبوك ولقاءاتي الصحافية والشخصية. ثمّة مَن قارب التجربة بطريقةٍ مختلفة. لا يمكن حصر أغنياتي الملتزمة بـ”إنهض للثورة”، و”يا بحرييه”، و”منتصب القامة أمشي” إذ إنّها تشمل أيضاً “تصبحون على وطن” و”وعود من العاصفة” و”غنّي قليلاً يا عصافير”، و”ركوة عرب”… منذ البداية لم يقترن مشروعي بإيقاع الشارع بالمعنى المباشر. لم أقدّم مرّة أغنية حزبية وأرفض هذا الأمر. طُلب منّي ولم أستجِب للطلب. مشروعي هادف وقد أتى من مكانٍ بعيد ومختلف. لم أنغّم قصائد نضالية وتعبوية و”حربية”، بل اخترتُ نصوصاً لا تخلو من التأمّل والخشوع مثل “يا حادي العيس” لشوقي بزيع، إضافةً إلى قصائد محمد العبد الله، وحسن العبد الله، ومحمود درويش، وقاسم حدّاد. لم أكن يوماً ولن أكون منشداً حزبياً. حتّى الأعداء سياسياً أحبّوا تلك الأغاني واستخدموها ربّما لأنّها مثّلت وعكست، بصورةٍ أو بأخرى، ما يبحثون عنه .

هالة: ليس مطلوباً أن تكون منشداً حزبياً !

زاهي: هذه الأغاني تلامس المساحة الإنسانية حتّى عند عدوّك وخصمك. لكن سؤالي هو: مرسيل خليفة الذي يذهب عميقاً في ذاكرتنا والوجدان والتجريب الموسيقي، متى يذهب عميقاً في تجديد أغنيته؟ بنا ظمأ لسماع أغنية جديدة (مع احترامنا لـ”ريتا”، و”جواز السفر”، و”أمّي”، و”يا حادي العيس”…). لماذا اقتصر التجريب على الموسيقى (الصرفة) في مشروعك؟ ماذا عن التجريب في الأغنية خارج الإطار الدرويشي؟

مرسيل: العمل المسرحي/الغنائي المشترك الذي ارتكز على نص قاسم حدّاد وموسيقاي يبيّن مدى اشتغالي على الشعر، إنْ على مستوى الموسيقى أو الغناء .

زاهي: نحن على أبواب ذكرى رحيل الشاعر محمود درويش. كيف يحضّر محمود درويش بعد مضيّ ثلاث سنوات على غيابه؟ لو أُتيح لدرويش أن يستمع إلى عملك الأخير كيف كان سيكون ردّ فعله يا ترى؟ أطرح عليك هذه الأسئلة انطلاقاً من العلاقة الوطيدة التي كانت تربط بينكما، ومدى معرفتك به .

مرسيل: محمود درويش كان حرّاً ومتحرّراً. عندما قدّمتُ “مجنون ليلى” مع قاسم حداد فَرِحَ وسُرَّ محمود مع أنّه لم يتمكّن من مشاهدة العمل؛ قرأ عنه في بعض الصحف. كان درويش منفتحاً على التيّارات الفنّية الجديدة. يمكنك استنتاج هذا الأمر من خلال شعره وكتاباته. كان ينزعج كثيراً من محاولة تأطيره أو حصره في قصيدتين أو ثلاث. عن نصوصه النثرية في الفترة الأخيرة أخذ يتساءل بعضهم: والإلتزام؟ والنضال؟ أين القضية؟ وهذا ما يواجهه أيّ كاتب أو شاعر أو فنّان عندما يتحرّر من “الالتزام” بمعناه النمطي. أعدّ عملاً فنّياً إحياءً لذكراه، وأبذل غاية جهدي لتقديمه قريباً. يشتمل العمل على مجموعة قصائد جديدة لدرويش، إضافةً إلى قصيدة “يطير الحمام” بأكملها. ما يعوق إصدار كلّ تلك الأعمال هو أزمة الإنتاج التي نواجهها راهناً. في عصر الاتّصالات الحديثة والإنترنت، لم يعد يحظى الكتاب والأسطوانة بأهمّية، وخصوصاً لناحية الحقوق، حقوق المؤلّف والفنّان .

زاهي: ماذا يبقى من محمود درويش؟

مرسيل: يبقى من محمود الكثير. محمود درويش قيمة وقامة، إنْ على مستوى الشعر أو الفكر. أعيد اليوم اكتشاف شعره. تقترن قصيدته بحضوره وبشخصه وبتلك السطوة التي كانت له وحده. علاقتي به اليوم أصبحت مع شعره؛ مع الشعر الصافي بعد غيابه. كان يظنّ بعضهم أنّه كان متكبّراً، لكن حقيقةً كان لطيفاً وودوداً. محمود… ذلك الطفل، وذلك الشاب والعاشق والنديم. بقي منه شعره ونتاجه الإبداعيّ. “في حضرة الغياب” يثيرني موسيقياً. يبقى محمود درويش لأنّ لشعره البقاء .

هالة: أين أصبح مشروع “الجسد” الذي حدّثتنا عنه في مرحلة التسعينيّات؟ ألم يحن الوقت لإصداره؟

مرسيل: “الجسد” موجود، وقد أصدرتُ مجموعةً من الأغنيات التي تتخلّله في أسطواناتٍ وأعمالٍ متفرّقة. أمّا التجديد على الصعيد الغنائيّ، فيتبدّى في أغانٍ مثل “ركوة عرب” لطلال حيدر و”بيتي متل ورقة احترق “.

زاهي: لقد صدرتْ هذه الأغاني منذ حوالي عشرين سنة !

مرسيل: أغنية “أنا يوسف يا أبي”، على سبيل المثال لا الحصر، تُعدّ حداثيةً لناحية المقاربة الموسيقية لنصّ محمود درويش والعلاقة بين الصوت والعود. أغنيتي ما لازمتْ مكاناً، بل تجدّدتْ عمقاً. مهتمٌّ أنا بالشعر العربي، وبتلحين قصائد جديدة، وبكتابةٍ موسيقيةٍ موازية لهذا الشعر؛ لكي يتحوّل الشعر إلى لوحةٍ، إلى مشروعٍ مسرحيّ أو عرضٍ راقص. مشروعي مع قاسم حدّاد قام على كل ذلك، وفيه سعيتُ إلى إبراز الأغنية ضمن إطارٍ مسرحيّ راقٍ .

زاهي: تكتب نصّاً يتضمّن كل مقوّمات النثر المتين ويستبطن شعريةً عالية، وهو ما يتبدّى في كتاباتك المنشورة وتعليقك كتابةً على بعض الأمور، ومساهماتك الوجدانية والثورية… هل فكّرتَ في تلحين نصوصك؟

مرسيل: لستُ مهتمّاً بتلحين نصوصي وكتاباتي النثرية. قد أجمع هذه النصوص وأنشرها لاحقاً في كتاب. ينحصر مشروعي عموماً في الموسيقى. أكتب نصّاً لصديق أو حبيب عن قضيةٍ ما، أنا غير متحمّس لمَوْسَقة نصوصي. تحدّثتْ هالة عن مشروع “الجسد”؛ هنا أعترف بأنّ ثمّة أزمة إنتاجية. في مشروع “الجسد” حاولتُ تطوير الذائقة، ويتمظهر التجديد في العلاقة القائمة بين الشعر والموسيقى .

هالة: ماذا تقصد بما تقول؟ هل التطوير الذي تتحدّث عنه يشمل، في المجال الغنائي، إعادة التوزيع والفواصل الموسيقية المرتجلة التي تتخلّل أغانيك (حفلتك في بيت الدين مثلاً)؟

زاهي: بمعزل عن أهمّية إعادة التوزيع، لم تقدّم أغنية جديدة نصّاً وموسيقى. لماذا؟

مرسيل: قدّمتُ أغنيات جديدة لكنّها لم تصدر بعد في أسطوانة .

زاهي: ألا تفكّر في الاستعانة بقصائد جديدة لشعراء جدد؟

مرسيل: لِمَ لا، قد أستعين لاحقاً ببعض القصائد الجديدة .

زاهي: إلى أيّ مدى تشاكس ذاكرتك وجمهورك اليوم؟ وإلى أيّ مدى يتقاطع ما تواجهه اليوم وما واجهه ذات يوم محمود درويش مع جمهوره؛ جمهور “سجِّل أنا عربي” الذي يشبه جمهور “يا بحريّة” و”صرخة ثائر”؟ صراعك مع جمهورك الذي تحاول أن تدلّه على الجديد يشابه صراعاً بين الحبيب وحبيبته، وبين العاشق ومعشوقته .

مرسيل: إنّه صراع يومي؛ معترك أخوضه بجرأةٍ وحرّية. يهمّني تصفيق الجمهور لكنّني لا أعوّل عليه .

زاهي: أنتَ تقسو على جمهورك .

مرسيل: عندما يصفّق الجمهور بشدّة أتراجع قليلاً، وأخفض صوت الموسيقى التي نؤدّيها، وقد أتوقّف عن العزف برهةً. لا يهمّني أن أحظى بتقدير الجميع، لا يهمّني الإجماع. الاختلاف ضروري ويشكّل حاجةً ملحّة. ثمّة مَن لا يتقبّل الجديد ويريد أن تقف مسيرتي عند “جدل” على سبيل المثال .

هالة: في الحديث عن “جدل” الذي يتألّف من عوديْن وباص ورِقّ، لا بدّ من القول إنّه يشكّل علامةً فارقة في مضمار الكتابة الموسيقية للعود، وأنت من أبرز عازفي العود في العالم العربي والعالم. هناك مدارس عدّة للعود: المدرسة العراقية، والمصرية، والشامية، واللبنانية التي يمكن اعتبارك رائدها. تمتاز بأسلوبك في العزف وكتابتك لهذه الآلة، وقد ارتكز “كونشرتو الأندلس” على عددٍ من تيمات “جدل”. لذلك لا تستغرب أقوال البعض عن “جدل” إذ إنّه يمثّل انعطافة في مسيرتك، وفي التأليف المدوَّن الخاص بالعود. وضعتَ منهجاً للعود لم يتبنَّه الكونسرفتوار اللبناني رغم أهمّية ما حقّقتَه في هذا الحقل. لماذا؟ ومتى يصدر هذا المنهج؟

مرسيل: منهج العود سيصدر قريباً، ويتألّف من ستّة أجزاء. يتضمّن المنهج كتابات متنوّعة لعود منفرد، وعوديْن، وثلاثة وأربعة أعواد… هذا المنهج هو هديّة أقدّمها إلى طلاب العود. حُرمتُ من التدريس أكاديمياً، لذلك دوّنتُ تجربتي التي تشكّل مدرسةً مستقلّة في ما يتعلّق بالكتابة الموسيقية للعود؛ مدرسة تُوائم بين التقنية والتركيب والبساطة. ليست مدرسة “تلقين” بالمعنى الكلاسيكي أو التقليدي لكنّها تحوي، في الوقت عينه، كلّ التمارين الأكاديمية التي تسهم في تأهيل العازف. وهذه التمارين هي مقطوعات قائمة بذاتها. لا أرغب في تكوين أتباع لي في العزف. أحاول جاهداً إيقاظ وتنمية فضول الطالب بعيداً من العزف الميكانيكي. هذا المنهج هو ثمرة جهد حقيقي .

هالة: قدّمتَ “الكونشرتو العربي” في دار الأوبرا في دمشق لكنّك لم تقدّمه في بيروت. الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية لم تؤدِّ أعمالك، علماً بأنّها أدّت كونشرتو للعود والأوركسترا للفنّان الفلسطيني العالمي سيمون شاهين. لماذا لا تؤدّي هذه الأوركسترا أعمال المؤلّفين اللبنانيين أيضاً؟ أين يكمن جوهر المشكلة في رأيك؟

مرسيل: أنا من متخرّجي المعهد الوطني العالي للموسيقى- الكونسرفتوار اللبناني. المدرّسون كانوا لامعين (توفيق سكّر، وعبد الغني شعبان، وتوفيق الباشا، وزكي ناصيف، ونجيب كلاّب…) عندما كنتُ طالباً في المعهد. هناك الكثير من الأعمال لمؤلّفين موسيقيين لبنانيين، ولم تؤدِّها الأوركسترا الوطنية بسبب استراتيجية الكونسرفتوار وسياسته اللتين تقومان على توازناتٍ وحساباتٍ خاصة! آن الأوان لكي ينفتح الكونسرفتوار والأوركسترا السمفونية على أعمال المؤلّفين اللبنانيين أوّلاً، وعلى أعمال المؤلّفين العرب ثانياً. دور الأوركسترات السمفونية في المنطقة يشمل الإضاءة على المؤلّفات المحلّية والعربية. المعهد الوطني العالي للموسيقى يحتاج إلى إعادة تنظيم، إنْ على مستوى المناهج الأكاديمية وتأهيل المدرّسين أو على الصعيد الإداري. أنا خارج هذه الدائرة وهذه “الشلّة “.

زاهي: في غمرة الثورات العربية، والثورات المضادة، والفتن الطائفية والمذهبية والقبَلية… هل هناك متّسع للحبّ؛ لأغنية وموسيقى حبّ، لقصيدة حبّ، لفعل حبّ؟ إلى أيّ مدى يمكن الحبّ أن يمثّل جزءاً من العملية الإبداعية بمعناها الثوري؟

مرسيل: الحبّ قضيّتنا ومشروعنا. الحياة تنبني على الحبّ، على هذه الكلمة. على العرب أن يحتفوا بالحبّ الذي اخترعوه منذ ما قبل قيس وليلى، منذ المعلّقات التي تفيض حبّاً؛ ذلك الحبّ الصارخ والصاخب. ينبغي اليوم أن نعزّز هذا الميل، فالثورات والانتفاضات بحاجةٍ ماسة إلى طاقة الحبّ، وإلى ذلك الاشتعال الذي يؤسّس للحضارة .

هالة: أنتَ مغنٍّ أنثويّ، والأنوثة في الفنّ والموسيقى تُقاس بنسبة العذوبة والبلل في الأغنية أو المقطوعة؛ بالنبرة، بالرهافة عزفاً وأداءً. بعدما احتفلتَ بعيدك الستّين وأصبحتَ جَدّاً: كيف أصبحت علاقتك بالمرأة؟ وكيف تتبلور وتتجسّد هذه العلاقة في موسيقاك (الصرفة) بمعزل عن الأغنية؟

مرسيل: منذ طفولتي، أشتغل على تنمية طاقتي الأنثوية. أقصّ أجنحة الفحولة المزعجة والمدمّرة كي لا تطير. نعيش في منطقة ومجتمعات تطفح بهذا التدمير. هذه الطاقة الأنثوية كانت تأخذ في كلّ مرحلة من مراحل حياتي طابعاً أعمق. الطفل الذي يقطن في داخلي نسي أن يكبر؛ ألاعبه دائماً مع أنّني في الستّين من عمري. لن أسمح للزمن الفيزيائي بأن يقتل ولعي وشغفي؛ تلك الشعلة التي تبقيني على قيد الحياة، التي تبقيني موجوداً .

زاهي: ألم يغيّرك الزمن؟ ألم يترك تأثيره فيك؟

مرسيل: أحاول قدر المستطاع مقاومة الزمن .

هالة: حفلتك في صيدا في ذكرى انطلاقة “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، تنمّ عن قناعاتٍ راسخة لديك. كيف ترى اليوم إلى دور اليسار في لبنان والعالم العربي؟ أما زلت تعدّ نفسك ماركسياً؟

مرسيل: مَن وما يحرّك الشارع العربي اليوم هو اليسار؛ يسارٌ من نوعٍ آخر، من نوعٍ جديد، وأنا معه. تأثّرتُ باليسار فكرياً وثقافياً في مرحلةٍ سابقة، وكنتُ أعتبر أنّ الحزب ضروري للإنسان لأنّه يمثّل مدرسةً بمعنى أو بآخر. اليوم ثمّة سقوطٌ مريع على أكثر من صعيد. لا أحمّل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا السقوط. هناك تغيّرات وتحوّلات، وعلى هذه الأحزاب أن تعي ما يجب أن يتغيّر. في حفلتي البيروتية الأخيرة، حاولتُ أن أهزّ وأكسر سكوناً ما، وعلى الأحزاب اليسارية عموماً والحزب الشيوعي اللبناني خصوصاً أن يهزّ السكون راهناً. عُرف هذا الحزب تاريخياً بقدرته على التحريض بالمعنى الإيجابي. أشعر أنّ الثقافة – لا الثقافة الحزبية فحسب، بل الثقافة بمعناها الشامل- خفتت، وانخفض منسوبها. الوعي لم يعد منتشراً. يهمّني التعبير عن آرائي في هذا المنبر، في مجلّة “الطريق” التي يجاهد الشاب الثمانيني محمّد دكروب في سبيل تفعيلها .

زاهي: هناك التباس في بعض المفاهيم والمصطلحات (اصطلاح “الثورة” الملتبس أو “الإرهاب” مثلاً)، وهناك لَبْسٌ في المشهد العربي الذي تغيّرت فيه مجموعة من المعطيات: ثمّة “ثوّار” يدرّبهم حلف الناتو وتموّلهم الدول الغنية، بينما كان الثوّار في الستينيات والسبعينيات يختبئون في الكهوف، ويناضلون من أجل أفكارهم ومعتقداتهم وأحلامهم. أقصد الإشارة إلى الثوّار المتطرّفين بالمعنى الرجعي والسلفي، وإلى المشهد العربي العام الذي لا يخلو من الغموض، والذي لم يعد رومانسياً. كيف ترى إلى كلّ ذلك؟ وكيف تتعامل مع هذا الواقع؟ وكيف تحصّن نفسك مّما يجري؟

هالة: تقصد الإشارة إلى الأصوليات التكفيرية، وقد عانى مرسيل من ممارساتٍ وضغوطٍ من هذا النوع عندما قدّم أغنية “أنا يوسف يا أبي “.

مرسيل (مقاطعاً): عانيتُ أيضاً عندما حاولتُ تقديم مشروع “الجسد”. لا يمكن للعدالة الاجتماعية أو النضال من أجل التحرّر والتقدّم أن تكون أمراً ثانوياً أو عتيقاً. ستبقى هذه المفاهيم ويستمرّ النضال بما أنّ الحياة مستمرّة. من خلال هذه الثورات والانتفاضات العربية ينبغي الاشتغال على ثقافة الحرّية والديموقراطية؛ للحرّية قواعد وأسس ولا بدّ من تكريسها. علينا أن ندرك خطورة الخطط المعاكسة للثورات المضادة التي تخترق ذلك النبل الذي يتحلّى به الثوّار والشباب العربي. النظام العالمي الجديد هو نظامٌ موغل في القِدَم ويعيدنا إلى التوسّع الاستعماري مذكّراً بالعصر الحجري حيناً والقرون الوسطى حيناً آخر. التيّارات الأصولية المدمّرة موجودة في كلّ الأديان: اليهودية، والمسيحية، والإسلام… يجب أن نتخلّص من تلك الأصوليات. طريق النضال لا تخلو من العراقيل والمشاقّ. أحزن لرؤية هذا المشهد وأبحث عن منفذٍ؛ عن ضوءٍ يلوح في أفقٍ بعيد .

هالة: أنتَ منسلٌّ من زمن الأحلام الكبرى. بعدما أُجهض حلم التغيير في لبنان والعالم العربي، أُصبتَ بنوعٍ من الإحباط، وهو ما تبدّى في تأديتك أغنية “بعد اللي كان” من كلمات محمد العبد الله. هل أنعشت الثورات العربية أحلامك؟ هذه الثورات كادت تقلب الموازين وأحدثت تغييراً كبيراً على مستوى المنطقة، وحتّى في نظرة الغرب إلينا؛ كنّا نعامَل بوصفنا مواطنين وبشراً من الدرجة الثانية أنّى سافرنا، وكنّا نشعر بشيءٍ من الإذلال في المطارات. هذه الثورات أعادت بعض الاعتبار والاحترام إلينا بعدما فقدناه في نظرة الغرب/ الآخر، وبعدما خال العالم بأسره الشعوب العربية خانعةً ومخدّرةً. شعر العرب أنّهم استعادوا كرامتهم بعد نجاح الثورة، وأنّهم تغلّبوا على عجزهم وإحباطهم. هل استعدتَ أحلامك الأولى بعد نجاح الثورة في مصر وتونس؟ هل استعدتَ الحلم الذي تلمّسناه في “وعود من العاصفة” و”جواز السفر” و”أحمد العربي”؟ ماذا عن التحرّكات في جنوب لبنان والجولان تضامناً مع القضية الفلسطينية ودعماً للشعب الفلسطيني، علماً بأنّ هذه التحرّكات استمدّت قوّتها من قوّة الثوّار والثورات والحلم؟ أين أنتَ من الحلم اليوم؟

مرسيل: حتّى عندما فقدنا الرجاء، وفي لحظات اليأس الذي استولى علينا، لم نفقد الحلم. كنتُ أحلم دائماً بربيعٍ جديد، بفجرٍ جديد، بشمسٍ تشرق كلّ يوم، وكنتُ ألجأ إلى أيّ نصّ شعري أو موسيقي، إلى أيّ عمل إبداعي لأتعلّل بالأمل. هذه الثورات والانتفاضات العارمة تزوّدنا بالأحلام. أحاول دائماً استعادة الدهشة الأولى التي يجب أن نحرص عليها كي لا تفقد الحياة ألقها ومعناها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحلم. أعثر على الدهشة الأولى في قصيدةٍ أو عملٍ فنّي أو لقاء؛ في عينَي امرأة …

زاهي: لقد أصبحتَ جَدّاً. إلى أيّ مدى استعدتَ شيئاً من طفولتك مع الحفيد؟ إلى أيّ مدى أيقظ حفيدك طفولتك؟

مرسيل: في عينَيّ حفيدي يصبح الكون أرحب، الأمر نفسه ينسحب على أيّ طفل أنظر إلى عينيه؛ أشعر بذلك عندما أنظر إلى عينَيّ ابنتك كنز أو ابنك دالي. وردّاً على سؤال هالة عن القضية الفلسطينية والحلم، أقول إنّني حاولتُ منذ البداية أن أخدم القضية من خلال أعمالي الفنّية. ثمّة جائزة باسمي، باسم مرسيل خليفة في معهد إدوارد سعيد في فلسطين. أكثر من مئة طالب نالوا هذه الجائزة، وكلّما التقيتُ أحدهم يغمرني الفرح. هؤلاء الطلاب لا يملكون قدرات مادّية لتعلّم الموسيقى، والبعض يذكّرني بنفسي عندما كنت شاباً. هذا الحلم إذاً يزوّدني بالقوّة، ويحثّني على التقدّم .

زاهي: لم يعد يقتصر دور زوجتك الفنّانة يولا خليفة على مرافقتك ومرافقة الفنّانة أميمة الخليل في فرقة “الميادين” بعدما أصدرتْ مؤخّراً أسطوانة “آه”. إلى أيّ مدى دعمتَ تجربتها؟ وكيف تقيّم هذه الأسطوانة؟ استُقبل هذا العمل بحفاوة من قِبَل البعض، لكن ثمّة من تساءل عن هذه العائلة الفنّية (أسرة خليفة) وقال إنّ أفرادها يسعون لدخول عالم الفنّ. فهل أصبحتم – على حدّ تعبير بعضهم- أسرة فنّية جديدة مثل “الرحابنة”؟ أم ماذا؟

مرسيل: كي أكون صادقاً لا بدّ من القول بدايةً إنّ عمل يولا يختلف كثيراً عن تجربتي مع رامي وبشار. “آه” هي أسطوانة “شخصية” شفّافة وأمينة، ولا تخلو من النبالة. بمطبّات الألبوم وهدوئه اللذين كتبتْ عنهما هالة، حقّق الألبوم نجاحاً؛ قيمته الحقيقية تكمن إذاً في صدقه. حاولتْ يولا أن تعبّر عن شعورها من خلال هذا العمل، عن ذاتها، عن أسى وحبّ وحنان وغضب ودفء… لم يكن هناك أيّ تدخّل في محتوى الأسطوانة. رامي وبشار وأنا لم نتدخّل في شأن الألبوم. أصدرتْه يولا من دون أيّ زعمٍ أو ادّعاء. إنّه عمل إنساني قبل أيّ شيء. المعايير الفنّية والنقدية التي يُقاس بها أيّ عمل فنّي تختلف بعض الشيء في مقاربة أسطوانةٍ كهذه. أحترم هذه التجربة، وأحبّ الاستماع إليها. إنّه مشروع يولا؛ تجربتها في الحياة. لسنا عائلة فنّية .

زاهي: معظم الأحداث المفصلية في التاريخ تركت أثراً جذرياً وأحدثت تحوّلات في الأدب والفنّ. هل ترى أنّ الحراك الشعبي في العالم العربي اليوم سيترك أثراً ما – أثراً مفصلياً- أو يفرض تحوّلاً ما على مستوى الأدب والفنّ؟

مرسيل: هذا أمرٌ مؤكّد؛ الحضارة تصنعها لحظة تمرّد في مكانٍ ما، وهذا التمرّد مقترن بشروط المجتمع، بالمعنى الثقافي والإبداعي والاقتصادي والفكري. لا ريب في أنّ الحراك الشعبي في العالم العربي سيترك أثراً ما .

هالة: هذه الثورات والانتفاضات لم تترافق، حتّى الآن على الأقلّ، مع أيّ تحوّل على مستوى الأدب والفنّ، ولم يتولّد منها أيّ جديد في هذا المجال .

مرسيل: التحوّل على مستوى الأدب والفنّ قد يستغرق وقتاً طويلاً. أتحدّث عن عمق هذا التأثير لاحقاً .

هالة: ألا ترى أنّ ثمّة فجوة بين هذه الثورات (أو ما يُعرف بـ”الوعي الثوري”) وبين الوعي الثقافي والفنّي والفكري في العالم العربي؟

زاهي: تاريخياً، وعلى الدوام، كانت الأمور تجري على هذا المنوال .

هالة: ليس صحيحاً أو دقيقاً ما تقوله؛ ففي لبنان والعالم العربي مثلاً، في السبعينيّات والثمانينيّات، ترافق حلم ومشروع التغيير مع تحوّلٍ ما على مستوى الأغنية، والموسيقى، والقصيدة، والبحث الفكري… أمّا اليوم، فنتخبّط في وحل الراهن الملتبس، ونغرق في الابتذال حيناً والركاكة حيناً آخر، وخصوصاً في مضمار الموسيقى والغناء. أقصد الإشارة إلى أغاني الثورات في غالبيّتها، ناهيك بالمجالات الأخرى .

زاهي: تامر حسني ضُرب في ميدان التحرير، ليس فقط لأنّه أدلى بتصريحات ضد الثورة، بل لأنّ أغنياته “هابطة”. لو كان يقدّم فنّاً راقياً لتناقش معه الثوّار .

هالة: هل تشعر أنّ الشارع يتسلّح بالوعي؟

زاهي: يمكن القول إنّ جزءاً من الشارع يُعدّ واعياً، ويمكن تقسيم الشارع إلى “طبقات”: بدءاً من النخبويّ والمثقّف، مروراً بالشاب المتحمّس، وصولاً إلى الأصوليّ المتطرّف. مسؤوليّتنا هي الإضاءة على “الطبقة” أو بالأحرى الشريحة المتنوّرة العلمانية. لا أقبل ثائراً لا يقبل الرأي الآخر .

مرسيل: أنا لا أقبل ثائراً يحصر أغنية المقاومة أو ما يُعرف بالأغنية الملتزمة في إطارٍ واحد أو شكلٍ واحد. الثائر يجب أن يكون منفتحاً على الآخر؛ على كل الاحتمالات. عندما كان تشي غيفارا يشقّ طريقه وسط الأدغال مع رفاقه، لم يتعب من حِمل البندقية، بل تعب ورفاقه، تعبوا من حمولة الكتب التي كانوا يحاولون نقلها في خلال تنقّلاتهم. كان غيفارا يفرض على الثوّار القراءة ليتثقّفوا. هذا هو الثائر الحقيقي .

زاهي: لا يوجد في لبنان ديكتاتور واضح المعالم لمحاولة إسقاطه. ثمّة تنّين برؤوس متعدّدة: كائن خرافي اسمه النظام الطائفي. لقد تظاهر الشباب اللبناني لإسقاط هذا النظام بطريقةٍ رومانسيةٍ حالمة. إذا طُلب منك المشاركة في هذه التظاهرات أو إحياء حفلة لهؤلاء الشباب، فهل تستجيب؟

مرسيل: بالطبع أستجيب. لطالما عانيتُ من طائفتي تحديداً، وحُرمتُ من تواجدي في منطقتي وقريتي. توفّي والدي ولم أتمكّن من حضور جنازته! منذ البداية أطالب بنظامٍ علمانيّ. أنا ضدّ الطائفة والمذهب والقبيلة والعشيرة والمحسوبية. حفلة 16 أيلول في ذكرى تأسيس ” جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” هي تعبير عن موقف حازم ضدّ الطائفية .

نشر الأحد 12 فبراير, 2017 (اخر تحديث) 12 فبراير, 2017 الساعة 23:29
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [1285]