Untitled Document
أمام تزايد مخاطر الخطاب الذي يوظف الدين في السياسة
 ()

ملف ما لا نعلمه عن الاسلام 

 

 

د. ماهر الشريف 

     
 
ينظر عدد من المختصين العرب والغربيين بالدراسات الإسلامية إلى الإسلام السياسي بصفته امتداداً للإصلاح الديني، معتبرين أن تيار “الإحياء والتجديد"، الذي أطلقه كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، قد تواصل من خلال مدرسة مجلة "المنار"، التي أصدرها الشيخ محمد رشيد رضا، ليفضي إلى تشكيل "جماعة الإخوان المسلمين" على يد حسن البنا.


بيد أنني أنطلق، خلافاً لهذا الرأي، من افتراض يزعم أن الإسلام السياسي، الذي تجسد في "جماعة الإخوان المسلمين" والتنظيمات التي تفرعت منها، قطع الصلة مع تيار الإصلاح الديني الذي نشره كل من الأفغاني وعبده، وأن الشيخ محمد رشيد رضا، الذي تنكر لأفكار أستاذيه في المرحلة الثانية من حياته، قد هيأ شروط هذه القطيعة، التي أجهضت كل وعود التغيير التي حملها الإصلاح الديني بصفته تياراً رئيساً من تيارات النهضة، وكانت إحدى مظاهر نكوص التنوير في الفكر العربي.




دور المصلحين الإسلاميين في التحديث الفكري




ترتبط حركة الإصلاح الديني ارتباطاً وثيقاً بمشاريع الإصلاح الاجتماعي التي ظهرت في القرن التاسع عشر في مراكز عربية ثلاثة هي مصر وبلاد الشام وتونس. وقد شجع على ظهورها التوجه الإصلاحي في السلطنة العثمانية، وبخاصة بعد تبني "التنظيمات" الإصلاحية بدفع من الدول الأوروبية. كما كانت ولادة الإصلاح الديني نتيجة بروز المثقف التنويري الحديث، بين رجال الدين، والفصل الذي تحقق بين مجال الدين ومجال العلم، وذلك بعد دخول الأفكار الأوروبية الحديثة إلى البلدان العربية، عن طريق البعثات العلمية والمدارس الحديثة والترجمة والرحلات إلى أوروبا.


إذا رجعنا إلى كتابات السيد جمال الدين الأفغاني (1839-1897)، والإمام محمد عبده (1849-1905)، والشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902)، نجد أن تيار الإصلاح الديني ينطلق من فكرة أن المجتمعات الإسلامية تعيش وضعية تأخر لن يكون في وسعها تجاوزها إلا من خلال مشروع إصلاح مجتمعي، تكون رافعته إسلام عقلاني، منفتح على العلم، ومتوافق مع متطلبات الحداثة.


وبغية تجميع الشروط الضرورية لظهور مثل هذا الإسلام العقلاني، سعى جمال الدين إلى كسر الحواجز التي كانت قد أقيمت بين الإسلام والفلسفة، منذ إحراق مؤلفات فيلسوف قرطبة ابن رشد، معتبراً أنه لا بد من محاكمة الأفكار الدينية بمنظار العقل وروح العصر، وأن الإسلام لا يمكنه مخالفة الحقائق العلمية، وأنه في كل مرة يظهر فيها تناقض بين العلم والنص الديني ينبغي العودة إلى التأويل.


وبغية فتح آفاق واسعة أمام العقل، والبحث العلمي والفكر الحر، أكد جمال الدين أهمية الاجتهاد، وعارض بشدة كل من يعتقد بغلق باب الاجتهاد في الإسلام، إذ ينقل عنه المحزومي نفسه قوله: "ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سُدّ باب الاجتهاد؟ أو أي إمام قال لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يجتهد ليتفقه بالدين أو أن يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث، أو أن يجدّ ويجتهد لتوسيع مفهومه منهما والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجيات الزمان وأحكامه ولا ينافي جوهر النص؟".


وعلى قاعدة التمييز الذي أقامه بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزيّف، أكد محمد عبده، تلميذ جمال الدين، أن الإسلام الحقيقي صالح لأن يكون الأساس لمجتمع حديث، باعتباره ديناً يعلي شأن العقل ويفسح صدره للعلم ويدعو "إلى استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر". وانطلاقاً من قناعته بأن الفكر لا يكون فكراً إلا إذا كان "مستقلاً"، انبرى الإمام المصري لتفسير القرآن، فأكد، بداية، وجوب التخلي عن رؤية السابقين من المفسرين لكونها ارتبطت، في رأيه، بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغوها في زمانهم، وشدّد على أن القرآن هو كتاب دين في جوهره، أُنزل كي يهدي الناس إلى الطريق السوي، ولا يمكن النظر إليه بالتالي باعتباره كتاباً للعلوم الطبيعية أو التاريخ. أما مرجع العلوم والأمور الدنيوية فهو، في نظره، العقل الإنساني، الذي هو، كما كتب، "من أجلّ القوى، بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه ".


والواقع، أن محمد عبده الذي اهتم – كما يلحظ علي زيعور – بالإنسان الحر ووضعه في مركز اهتمامه، قد شجّع إلى أبعد الحدود الاجتهاد المعتمد على العقل وأباح إعادة تأويل النص المقدس على أساس مبدأ المصلحة، مبطلاً احتكار النص على يد جماعة واحدة وحصر تفسيره بفئة واحدة، وناقلاً العقيدة "من الرؤية الواحدة المنغلقة على نفسها إلى الرؤية المتعددة الزوايا والمفتوحة الآفاق". فعند تعداده أصول الإسلام، في مناظرته الشهيرة مع المفكر العلماني فرح أنطون، أشار الإمام المصري إلى أن الأصل الثالث للإسلام هو البُعد عن التكفير، معتبراً أنه "إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حُمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر".

 

وأكد، عند تطرقه إلى الأصل الخامس للإسلام، المتمثّل في قلب السلطة الدينية، أن الإسلام لم يدع لأحد، بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، ولم يُسوّغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد، إذ "ليس يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا كتاب الله وسنة رسوله "، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف.


وربط محمد عبده بين تفشّي الجهل بأصول الإسلام الصحيح وبين بروز "ولع المسلمين بالتكفير والتفسيق ورمي زيد بأنه مبتدع وعمرو بأنه زنديق"، ملاحظاً أن تولي "الجهّال" شؤون المسلمين قد تسبّب في حدوث الغلو في الدين وسمح لكل جاهل بأصول دينه أن "يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب؛ وكلما ازدادوا جهلاً بدينهم ازدادوا غلواً فيه بالباطل، ودخل العلم والفكر والنظر – وهي لوازم الدين الإسلامي – في جملة ما كرهوه ".


ومن منطلق قناعته أن التفرقة الدينية هي نتيجة أخرى من نتائج الجهل بالإسلام الصحيح، دعا عبده إلى التأليف بين الأديان التوحيدية الثلاثة، وشكّل، بحسب بعض المصادر، خلال إقامته في بيروت، بالتعاون مع عدد من الشخصيات الإسلامية، جمعية سرية غرضها التأليف بين الإسلام والمسيحية واليهودية، كان من أعضائها قس انكليزي، يدعى اسحق طيلر، أصبح داعية لها في بريطانيا. وفي إحدى رسائله إلى هذا القس، أكد عبده أن نشاط هذه الجمعية ضروري كي يتمّ "نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله ".


إن الإسلام الصحيح لا ينهى عن الغلو في الدين، ويدعو إلى مودة المخالفين في العقيدة والتأليف بين أهل الكتاب، ويضمن حرية التفكير والاعتقاد فحسب، بل هو كذلك -وكما أشار عبده – يعلي شأن حرية التعبير. فصفة الإنسانية لا تنطبق على الإنسان إلا بعد تمتعه بـ "حرية اللسان "، وهي حرية لم تتمتع بها الأمم الغربية إلا " بعد أن تصارعت أرواحها مع جيوش الظلمة قروناً عديدة". وعلى أساس هذه الأفكار، أقام الإمام المصري جسراً بين الإسلام الصحيح وبين أفكار التنوير الأوروبي، ممهداً الطريق أمام قيام تفاعل إيجابي بين المسلمين والأوروبيين، إذ أحلّ أخذ الأفكار والخبرات النافعة عن هؤلاء الأخيرين وأفتى بجواز الاستعانة بهم "على ما فيه خير ومصلحة المسلمين"، معتبراً أن الذين "يعمدون إلى هذه الاستعانة لجمع كلمة المسلمين وتربية أيتامهم وما فيه خير لهم، لم يفعلوا إلا ما اقتضته الأسوة الحسنة بالنبي".


وقد أرجع محمد عبده التسامح الذي ميّز المسلمين في تعاملهم مع المخالفين لهم في العقيدة إلى إيمانهم بأن "دين الله هو دين واحد، لا يختلف إلا في صوره ومظاهره؛ وأما روحه وحقيقته، مما طولب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء والمرسلين، فهما لا يتغيّران"، وكذلك إلى اعتقادهم بأن الإسلام جاء ليجمع البشر كلهم وإزالة الخلاف الواقع بين أهل الكتاب و "دعوتهم إلى الاتفاق والإخاء والمودة والائتلاف". وفي المناظرة التي دارت بينه وبين المؤرخ والوزير الفرنسي غابرييل هانوتو، تطرق الإمام المصري إلى مسألة تعامل المسلمين مع المخالفين لهم في العقيدة بالاستناد إلى المثال المصري، فذكر أن المصريين يثقون بالمسيحيين العثمانيين، ويشاركون في العمل مواطنيهم من الأقباط في جميع مصالح الحكومة ما عدا المحاكم الشرعية الخاصة بالمسلمين، وهم معهم على غاية الوفاق حتى أن الإسلام قد أباح للمسلم أن يتزوج الكتابية، نصرانية كانت أو يهودية، وجعل من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها، والقيام بفروض عبادتها ولم يفرّق في الحقوق بين الزوجة المسلمة والزوجة الكتابية.


وعالج الإمام المصري، في كتاباته السياسية، قضية الرابطة الوطنية التي تجمع بين المصريين جميعاً، والتي تتغلب، في نظره، على الرابطة الدينية، إذ تتضمن تلك الكتابات نص البرنامج الذي وضعه محمد عبده، في 18 كانون الأول1881، ليكون قاعدة لسياسة الحزب الوطني المصري، والذي ورد فيه: "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني، فإنه مؤلّف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر إلى اختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية".

 

وأكد، في مناسبة أخرى، أنه لا يستطيع أحد أن يشك في كون جهاد المصريين "وطنياً صرفاً"، وذلك "بعد أن آزره رجال من جميع الأجناس والأديان، فكان يتألب المسلمون والأقباط والإسرائيليون لنجدته بحماس غريب وبكل ما أوتوه من حول وقوة، لاعتقادهم أنها حرب بين المصريين والإنكليز".


كما عالج محمد عبده في كتاباته السياسية والاجتماعية مسألة الجهاد، فاعتبر أن الجهاد بالنفس، بمعنى القتال، أو الجهاد بالمال، لم يشرّعه الله للمسلمين إلا "للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة"، الأمر الذي يبطل، في نظره، "ما يهذي به أعداء الإسلام، وحتى من المنتمين إليه، من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف". فالاعتداء قد حرّمه الإسلام، الذي انتشر –كما تابع – "بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان"، وذلك وفقاً لما ورد في آيات القرآن: "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي" (البقرة، 256)؛ "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس، 99). ولم تنحرف حروب الصحابة في صدر الإسلام عن هذا التوجه، إذ كانت هي الأخرى من أجل حماية الدعوة و"منع المسلمين من تغلب الظالمين"؛ فالروم كانوا يعتدون على حدود البلدان العربية التي "دخلت حوزة الإسلام"، وكان الفرس "أشد إيذاءً للمؤمنين منهم". أما ما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية، فقد "اقتضته طبيعة المُلك ولم يكن كله موافقاً لأحكام الدين".


وإذا كان الإمام محمد عبده قد ركّز على الحرية الفردية، حرية العقيدة والفكر والتعبير، فإن الشيخ الحلبي عبد الرحمن الكواكبي اهتم بوجه خاص بالحرية السياسية. فلدى تحليله ظاهرة الاستبداد، وجد أن الاستبداد، باعتباره السبب الرئيس لتأخر المجتمعات الإسلامية، يكمن في أصل كل فساد، فهو "يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويحارب العلم فيفسده [و] يغالب المجد فيفسده ويقيم مقامه التمجد ". وتكمن خطورته في أنه يتحوّل في ظل الحكومة التي تمارسه إلى ممارسة عامة، إذ تكون الحكومة المستبدة "مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفرّاش إلى كناس الشوارع"، ويكون العوام، في ظل سيطرة الجهل على الأمة، "هم قوت المستبد وقوته بهم، عليهم يصول وبهم على غيرهم يطول".


وانطلاقاً من تحليله المعمق لظاهرة الاستبداد، درس الكواكبي مسألة الحرية السياسية وأهمية إصلاح النظام السياسي على قواعد دستورية، داعياً المسلمين إلى تبني نماذج الحكومات الدستورية والعادلة، التي تقوم على الفصل بين السلطات وتضمن الاستقلال الذاتي لمواطنيها. فهذه الحكومات، توفر للإنسان، في نظره، أن يعيش في وطنه "حياة تشبه الحياة التي تعده بها الأديان في الجنة". كما حذّر الكواكبي من الخلط بين حقلي السياسة والدين، ونبّه إلى مخاطر "الاتّجار" بالدين واستغلاله في إذكاء النزاعات الطائفية والتفرقة الدينية. واستشهد، في هذا الصدد، بالأمم الغربية التي "هداها العلم – كما كتب-لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري"، داعياً قومه " من المسلمين والمسيحيين " إلى الاقتداء بهذه الأمم، وإلى التصدّي " لمثيري الشحناء من الأعجام والأجانب "، وجعل الأديان "تحكم في الأخرى فقط"، وإلى الاجتماع في الدنيا على قاعدة "كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء".




محمد رشيد رضا أو القطيعة في مسار الإصلاح الديني


مرّ تفكير الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) بمرحلتين: بدأت الأولى مع صدور مجلة "المنار" بالقاهرة سنة 1898 وانتهت تقريباً مع نهاية العقد الأول من القرن العشرين، وفيها بقي رضا وفياً، إلى حد كبير، لأفكار أستاذه الإمام محمد عبده وتعاليمه؛ وانطلقت الثانية مع مطلع العقد الثاني من القرن العشرين وانتهت برحيل رضا سنة 1935، وفيها كان الافتراق واضحاً بين "المريد" و "الأستاذ"، وبخاصة بعد أن كوّن الأول شخصيته الفكرية المستقلة وأخذ يشيع فكراً إسلامياً متسماً بالانغلاق والمحافظة والتزمت.


وقد ساهم عاملان في بلورة تفكير محمد رشيد رضا، تمثّل الأول في تكوينه الثقافي التقليدي، إذ كان صاحب "المنار"، كما يلحظ الباحث محمد صالح المراكشي ، مثقفاً تقليدياً ذا نصيب وافر من العلوم النقلية القديمة دون أن يكون لديه ما يوازيها من الثقافة الإنسانية الحديثة؛ قطع مع التراث العقلاني في الفلسفة العربية الإسلامية، ولم تتح له فرصة الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية ولا فرصة تعلم لغات أوروبية؛ وتمثّل العامل الثاني في الظروف السياسية التي أحاطت بحياته، والتي تميّزت بتصاعد الهجمة الاستعمارية الغربية على البلدان العربية والإسلامية، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، وإلغاء "الخلافة" الإسلامية وقيام دولة علمانية حديثة في تركيا.
إن القطيعة التي مثّلها محمد رشيد رضا في مسار الإصلاح الديني لم تتم إذن دفعة واحدة، بل تمت عبر سيرورة انطلقت شيئاً فشيئاً في الفترة التي أعقبت رحيل الإمام محمد عبده سنة 1905.


ففي المجلدات الأولى من مجلة "المنار"، كان من الممكن أن نلمس بسهولة بصمات محمد عبده على مواضيع ومضامين المقالات التي احتوتها، إذ احتوى المجلدان الأول والتاسع ثلاثة مقالات عن "التعصب" لم تختلف، في توجهاتها، عن المقالات التي نشرتها مجلة "العروة الوثقى" الباريسية، التي أصدرها كل من الأفغاني وعبده، عن الموضوع ذاته. فالغلو في الدين، وهو ما "يطلق عليه أهل العصر التعصب"، قد نهى عنه الدين الإسلامي صراحة ونافته آداب الإسلام وأحكامه؛ والمسلمون، حتى في شبيبة دينهم وعنفوان قوتهم، كانوا يحترمون مخالفيهم في الدين ويساوون بينهم وبين أنفسهم في الحقوق. أما مثار التعصب الذي أخذ يبرز في البلدان الإسلامية –كما لاحظت "المنار"- فهو أوروبا وسياستها وليس الإسلام نفسه؛ والمسلمون إذ يتعصبون للرابطة الدينية التي تجمعهم "في حدود العدل"، يبدون استعدادهم لضمان الوفاق والجمع بين مصالحهم ومصالح الأوروبيين، شريطة أن يتخلى هؤلاء الأخيرون عن "التسلط والافتيات على المسلمين" و"الاستئثار بالمصالح والمنافع".


وذهبت "المنار"، في سلسلة مقالات نشرتها ما بين شهري أيار وتموز 1907، إلى حد تبيان الفوائد التي استفادها المسلمون عبر"مخالطة الأوروبيين والاتصال بهم واقتباس علومهم ومعرفة أحوالهم وشؤونهم". فالفائدة الأولى، من هذه المخالطة، كانت إدراك أهمية استقلال الفكر والإرادة، وذلك بعد أن تعلم المسلمون الطريقة الأوروبية "طريقة البحث والاستدلال والاستنباط والاستنتاج، وأنشأوا يستنشقون نسيم الاستقلال ويتوجهون إلى طلب الكمال". أما الفائدة الثانية، فكانت تعلم كيفية الخروج من الاستبداد، إذ اندفع المسلمون "إلى استبدال الحكم المقيّد بالشورى والشريعة بالحكم المطلق". وتمثّلت الفائدة الثالثة في إدراك المسلمين أهمية تشكيل الجمعيات، بصفتها "السبب الأول والعلة الأولى لكل ارتقاء"، والأداة التي صلحت بها العقائد والأخلاق والحكومات في أوروبا وارتقت بها علومها وفنونها.


لقد كانت "المنار" في زمن الرعاية المباشرة للإمام محمد عبده، مقتنعة أن "طبائع الأمم متشابهة وسنن الخلق واحدة"، ومدركة أن نجاح الإصلاح الديني في البلدان الإسلامية لن يتحقق إلا بعد أن يسير على الطريق نفسها التي سار عليها الإصلاح الديني في أوروبا، طريق العقل والعلم والعمل.


ففي مقال لها بعنوان: "أوروبا والإصلاح الإسلامي"، نشر سنة 1900، أشارت المجلة إلى أن الأوروبيين واجهوا في الماضي الأوضاع التي يواجهها المسلمون اليوم ولم يتسنَ لهم الإصلاح الديني "إلا بعدما وضعوا تلك الحواجز الحديدية دون الكتب الخرافية التي أفسدت العقول، وغلت الأيدي عن العمل، وقيّدت الأرجل دون السعي وجعلت زمام إرادة العامة في أيدي رؤساء الدين". واستغربت "المنار" كيف أن المسلمين، الذين كان لهم سلف "لم يكن للمسيحيين مثله"، صاروا "يعادون كل علم لأجل الدين ويقاومون كل إصلاح باسم الدين"، وبات علماؤهم يرون في الدعوة إلى تعلم العلوم الطبيعية والفنون الرياضية، والنظر في التاريخ وتقويم البلدان، محاولة لهدم الدين وصد المسلمين عن علومه.


وتبدى هذا التوجه العقلاني، المنفتح والمتسامح، لصاحب "المنار" أكثر ما تبدى في الفترة التي أعقبت مباشرة وصول "الاتحاديين" إلى السلطة في تركيا في صيف سنة 1908، وإعادتهم العمل بالدستور. ففي خطبة ألقاها في اجتماع نظمته جمعية "الجامعة العثمانية" في بيروت، خلال رحلته إلى الشام، تحدث محمد رشيد رضا عن الوسائل الكفيلة بتحقيق نهضة الأمة العثمانية؛ فاعتبر أن هذه النهضة تحتاج إلى كثير من العلوم والأعمال، لكنها تتوقف على "أمر عظيم" لن تحصل من دونه هو الحرية الشخصية واستقلال الفكر في الموقف من جميع المسائل، بما فيها المسائل الدينية: "فإذا كانت أفكار العقلاء والأذكياء مضغوطة ممنوعة من الحركة والنمو، فإنها لن تكون مستقلة، والأمة لن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام إلا إذا أطلقنا العنان لجياد الأفكار تجول في ميادين الكتابة والخطابة بلا حجر ولا ضغط، لا فرق في ذلك بين المسائل الدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها". وبما أنه لا يخاف على دينه من حرية البحث "إلا من لا ثقة له بدينه"، شدّد صاحب "المنار" على ضرورة احترام المخالفين في الرأي وإباحة شرعية الاختلاف، وذلك من منطلق "أن الفلاح متوقف على ظهور الحقائق، وظهورها يتوقف على استقلال الأفكار وحرية البحث والكتابة والخطابة".


غير أن محمد رشيد رضا لم يستمر طويلاً على هذا الموقف، وأخذ التحوّل يطرأ على تفكيره في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، لا سيما بعد اعتداء إيطاليا، في سنة 1911، على طرابلس الغرب وبروز التوجّه العلماني في سياسة جمعية "الاتحاد والترقي". فالعدوان الإيطالي على ديار الإسلام كشف، في رأيه، القناع عن وجه أوروبا، وأظهر ما تخفيه من قصد إزالة سلطان المسلمين والقضاء عليهم وتقسيم ولاياتهم بين دولها. وبعد أن كان صاحب "المنار" قد حذر، منذ سنة 1910، من مخاطر سياسة "الاتحاديين" إزاء العرب، صار منذ مطلع سنة 1913، وبعد أن ضعفت سطوة "الاتحاديين" بتأثير هزائمهم في حرب البلقان، يتهم هؤلاء الأخيرين بمحاربة الدين الإسلامي والعبث بالجامعة الإسلامية وبمقام الخلافة. ومنذ ذلك الحين، بات الشغل الشاغل لـ "المنار" مهاجمة "المتفرنجين من دعاة التقاليد الإفرنجية"، الذين كانوا يشكّلون، كما أشارت في مقال صدر في كانون الثاني 1914، جيشاً داخلياً أنكى وأضرّ "من جيش دعاة النصرانية الخارجي"، خصوصاً وأن جلّ أفراده من "المارقين" الذين يعدهم المسلمون منهم "وما هم منهم". أما هدف هؤلاء "المتفرنجين" فهو هدم الدين وتغيير أصول الشريعة عبر الدعوة إلى توحيد القضاء وإدخال القوانين المدنية وفصل الدين عن الدولة وفرض "تهتك" النساء باسم تحرير المرأة.


وبموازاة حملتها هذه على "المتفرنجين"، شنت "المنار" هجوماً واسعاً على من أسمتهم "الملاحدة"، خصوصاً في الآستانة ومصر. واتخذ هجومها على هذين "الفريقين" بعداً جديداً إثر التغيرات التي شهدتها تركيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والتي نجم عنها إلغاء الخلافة الإسلامية وتشكيل حكومة جمهورية على قاعدة الفصل التام بين الدين والدولة، وهذا ما تجلى في الموقف الذي اتخذه محمد رشيد رضا من كتابَي علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" ، وطه حسين "في الشعر الجاهلي". ففي حملته القاسية على مؤلفَي هذين الكتابين، تبدت، بصورة ساطعة، القطيعة التي وقعت في مسار تطوره الفكري، وتجلى انقلابه ليس على أفكار أستاذه الإمام فحسب وإنما على الأفكار التي روّج لها هو نفسه أيضاً في مرحلة سابقة.

  


تبلور إيديولوجية الإسلام السياسي




شكّلت مواقف الشيخ محمد رشيد رضا هذه إحدى الركائز الفكرية التي استندت إليها دعوة حسن البنا (1906-1949)، الذي كان من قراء مجلة "المنار" الأوفياء، ومن الذين تأثروا بأفكار صاحبها، تلك الدعوة التي تتوجت، سنة 1928، بتأسيس النواة الأولى لـ " جماعة الإخوان المسلمين" في مدينة الإسماعيلية.


لقد برز حسن البنا بصفته مثقفاً دينياً تقليدياً، ظل غريباً عن التراث العقلاني في الفلسفة العربية الإسلامية وعن أفكار التنوير الأوروبي؛ بدأ دعوته، التي قامت على الأفكار المبسطة والوعظ الأخلاقي، في مرحلة شهدت، على الصعيد الدولي، انفجار أزمة اقتصادية خطيرة، وتنامي النزعات الفاشية والنازية في أوروبا، وتزايد استفزاز مشاعر المسلمين في أكثر من بلد، وشهدت، على الصعيد المحلي، تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتعثر التجربة البرلمانية المصرية. وفي ظروف كهذه، اندفع المثقف الديني التقليدي على طريق التعصب، والدعوة إلى الوقوف الحازم في وجه تأثيرات الحضارة الغربية والتطبيق الصارم للشريعة الإسلامية.


فخلافاً لرواد الإصلاح الديني الذين رأوا في الحضارة الغربية وجهين: وجه إيجابي، تمثّل في العلم والعقلانية وحب العمل والتطلع إلى العدل، ووجه سلبي، تمثّل في الظاهرة الاستعمارية وفي بعض العادات غير الملائمة لأهل الشرق وللمسلمين؛ خلافاً لأولئك الرواد، لم يرَ حسن البنا في الحضارة الغربية سوى مظاهر الإلحاد والشك في الله، والإباحية والتهافت على اللذة، والظلم والجور والطغيان والتخبط، وكلها أنتجت، كما تصوّر، فساد النفوس، وضعف الأخلاق، وانتشار الجرائم وظهور المبادئ الهدامة. من الصحيح أنه اعترف أن مدنية الغرب "زهت بجمالها العلمي حيناً من الدهر، وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم"، إلا أنها ما لبثت أن "أفلست" و "انهدمت" أصولها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، و "لم يبقَ إلا أن تمتد يد شرقية قوية، يظللها لواء الله وتخفق على رأسها راية القرآن ويمدّها جند الإيمان القوي المتين، فإذا الدنيا مسلمة هانئة".


إن التفاعل الإيجابي بين الحضارات لم يعد وارداً إذن، بل صار من واجب المسلمين ان يعملوا على إشاعة حضارة عالمية جديدة، تستلهم نموذج الدولة الإسلامية الأولى التي اندفعت، باستنادها إلى المبادئ القرآنية، على طريق فتح العالم، إذ "طاردت هذه المبادئ القرآنية الوثنية المنحرفة في جزيرة العرب وبلاد فارس فقضت عليها، وطاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق وقضت على سلطانها الديني والسياسي قضاءً تاماً، وصارعت المسيحية حتى انحصر ظلها في قارتَي آسيا وأفريقيا وانحازت إلى أوروبا". وبات يتوجب على الأمة الإسلامية، لكونها تحتل مرتبة "الأستاذية" في العالم، أن تندفع لملاحقة حضارة "المادة والمتع والشهوات" الغربية وتغزوها في عقر دارها "حتى يهتف العالم كله باسم النبي، وتوقن الدنيا كلها بتعليم القرآن وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض؛ وحينئذٍ يتحقق للمسلم ما ينشده ويكون الدين كله لله".


ورأى مؤسس "جماعة الإخوان المسلمين" أن الخطوة الأولى للوصول إلى هذه الغاية تتمثّل في إصلاح أوضاع المسلمين الداخلية، عبر الوقوف في وجه "غزو" الحضارة الغربية لبلدانهم ونفوسهم، وإعادة إحياء الفكرة الإسلامية والعادات الإسلامية في حياتهم الاجتماعية، والقضاء على العادات "الأعجمية" في كل مظاهر الحياة "ومن ذلك التحية واللغة والتاريخ والزي والأثاث ومواعيد العمل والراحة والطعام والشراب والقدوم والانصراف والحزن والسرور". وإلى ذلك، لا بدّ من تصفية المؤسسات التي اقتبست عن الغرب، لا سيما في ميدانَي التعليم والقضاء، والعمل على توحيد القضاء واعتبار الشريعة الإسلامية هي "وحدها مصدر التقنين"، وتوحيد التعليم، لا سيما في مراحله الأولى، على "أساس التربية الإسلامية". وبغية تحقيق هذا الهدف على مستوى المجتمع بأسره، دعا حسن البنا "الأخ المسلم" إلى مقاطعة المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي، وكذلك الأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التي تناهض "الفكرة الإسلامية"، مقاطعة تامة.


لقد طمح حسن البنا إلى لعب دور سياسي فاعل في المجتمع المصري، فلجأ إلى أسلوب المناورة وإلى اتخاذ مواقف متناقضة، عكسها موقفه من حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، من جهة، وموقفه من النظام البرلماني، من جهة ثانية. ففي حين أكد البنا أن الإسلام "يعلن الحرية ويزكيها"، دعا، في معرض حديثه عن الإصلاح الاجتماعي المطلوب، إلى "اعتبار دعوة الحسبة ومؤاخذة من تثبت عليه مخالفة شيء من تعاليم الإسلام أو الاعتداء عليه كالإفطار في رمضان وترك الصلاة عمداً"، مخالفاً في ذلك ما كان قد أكده كلٌ من جمال الدين ومحمد عبده من أن لا إكراه في الدين وأن العلاقة بين الإنسان وربه هي علاقة مباشرة لا تحتاج إلى وسيط ولا رقيب.

 

وبينما رأى البنا أن النظام البرلماني السائد في مصر لا يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، ركّز، في معرض حديثه عن الإصلاح السياسي المطلوب، على مضار التعددية السياسية، باعتبار أن "وحدة الأمة" هي "قرين الإيمان"، وطالب بتصفية الحزبية والعمل على تجميع قوى الشعب المصري في حزب واحد، فكتب: “لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساس الفساد الذي نصطلي بناره الآن... وبديهي أن بقاء الأحزاب على هذا المنوال يقسّم البلاد شيعاً وأحزاباً ويثير الشقاق بين الأفراد والأسرات...ولا مناص بعد الآن من أن تُحلّ هذه الأحزاب جميعاً وتُجمع قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها ويضع أصول الإصلاح الداخلي العام".


وأصبحت إيديولوجية "جماعة الإخوان المسلمين" أكثر تشدداً وانغلاقاً مع سيد قطب (1906-1966)، الذي انضم إلى الجماعة سنة 1952 أو 1953، كما يعتقد، قبل أن يصبح واحداً من أبرز زعمائها ومنظريها. وخلافاً لحسن البنا، كان قطب مثقفاً حديثاً، نال شهادة البكالوريوس في الآداب وعمل مدرساً في مدارس وزارة المعارف، ثم أصبح مفتشاً للتعليم وأُوفد سنة 1948 إلى الولايات المتحدة الأميركية للاطلاع على مناهج التعليم الحديثة. وقبل إعدامه سنة 1966، على يد السلطات المصرية، أنتج قطب، خلال سنوات سجنه الطويلة (1954-1964 ثم 1965-1966)، فكراً إسلامياً متميزاً، بات يشكل إحدى الركائز الفكرية للتيار "الجذري الانقلابي" أو "الجهادي" الإسلامي.


فقد انطلق سيد قطب من التأكيد على أن ظهور الإسلام كان تعبيراً عن "مولد جديد" للإنسان، إذ نجح هذا الدين في تسلم قيادة البشرية بعد ما "فسدت الأرض، وأسنت الحياة وتعفنت القيادات". لكن ما لبثت أن وقعت تلك "النكبة القاصمة"، ونجحت الجهود الجبارة التي بذلت في تنحية الإسلام عن قيادة البشرية وحصره "في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في نظام الحياة الواقعية"، وبخاصة بعد قيام مصطفى كمال بإلغاء الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة. وبتنحية الإسلام، عادت "الجاهلية" مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة، لتولي قيادة البشرية، و"الجاهلية" هي –كما عرّفها قطب-” كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية". وترافق ذلك مع توجيه ضربات "وحشية" لطلائع "البعث الإسلامي" في كل مكان على ظهر الأرض، تشاركت فيها "كل المعسكرات المتخاصمة التي لا تلتقي على شيء في مشارق الأرض ومغاربها إلا على الخوف من البعث الإسلامي الوشيك".


وميّز قطب، في معرض تطرقه إلى علاقة التفاعل والتصادم بين الإسلام والغرب، العلوم البحتة وآثارها التطبيقية عن العلوم الإنسانية والاجتماعية، فأباح للمسلمين، في سعيهم إلى بناء مجتمع إسلامي "صلب العود"، أن يأخذوا عن الغربيين علومهم البحتة وأن ينتفعوا بها وبآثارها في الحياة المادية، لكن دعاهم إلى الاحتراس من علومهم الإنسانية والاجتماعية. كما طالب المسلمين صراحة بنبذ كل ما أُطلق عليه "الفلسفة الإسلامية" وكل مباحث "علم الكلام"، معلناً معارضته الموقف العقلاني الذي تبناه الإمام محمد عبده في زمانه، إذ أخذ على هذا الأخير جعله العقل البشري نداً للوحي في هداية الإنسان، ومنعه وقوع خلاف بين مفهوم العقل وما جاء به الوحي. كما انتقد موقف الإمام الداعي إلى تأويل النص الديني ليوافق مفهوم العقل، ورأى في هذا الموقف خطراً كبيراً على العقيدة الإسلامية.


وبخصوص العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، خالف قطب موقف رواد الإصلاح الديني، الذين دعوا إلى التآلف بين الأديان السماوية الثلاثة، فانطلق من أن الدين عند الله هو الإسلام الذي دعا إليه النبي محمد، وأن "من تولى عن الإسلام، فقد تولى عن دين الله كله". وقدّر أن الجماعة المسلمة قد انخرطت، منذ تشكّلها في "صراع أصيل" حول العقيدة مع أهل الكتاب، وهو صراع لم يفتر منذ ظهور الإسلام، نتيجة الاختلاف على "حقيقة التوحيد". فبينما قام الإسلام على "توحيد الألوهية والقوامة"، وجدنا أهل الكتاب –كما كتب-” يخلطون بين ذات الله –سبحانه-وذات المسيح عليه السلام، كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضاً".


واستناداً إلى الفصل الذي أقامه بين "الإسلام" و "الجاهلية"، و "الإيمان" و"الكفر"، اندفع سيد قطب على طريق تكريس الواحدية، معتبراً أن هناك منهجاً واحداً للتفكير، وحزباً واحداً، وديناً واحداً، وحقيقة مطلقة واحدة. ففي معارضة كل مناهج التفكير البشري، وضع قطب ما أسماه بـ "منهج الله"، ورأى أن الناس إما أن يعيشوا بهذا المنهج "فهم مسلمون"، وإما أن يعيشوا بأي منهج آخر من وضع البشر "فهم في جاهلية". وأكد، من جهة أخرى، أن الإسلام جاء إلى البشرية ليقرر أن هناك حزباً واحداً لا يتعدد، هو "حزب الله"، وأحزاباً أخرى "كلها للشيطان والطاغوت"، وأن هناك داراً واحدة، هي "دار الإسلام" التي تقوم فيها الدولة الإسلامية، وما عداها فهو "دار حرب". أما الحقيقة المطلقة الواحدة فتمتلكها وتحتكرها "الطليعة المؤمنة"، أو "العصبة المؤمنة" التي تعيش بـ "منهج الله"، وتمضي "في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعاً"، وتنظر إلى كل من يخالفها في العقيدة أو الرأي أو التصوّر بوصفه "جاهلياً" وخارجاً عن الدين، وتكون أولى خطواتها، على طريق البعث الإسلامي، الاستعلاء على المجتمع "الجاهلي" وقيمه وتصوراته، ورفض قبول أنصاف الحلول معه، مشدداً على أهمية أن "تنفصل هذه العصبة، عقيدياً وشعورياً ومنهج حياة، عن أهل الجاهلية من قومها"، باعتبار "أن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئاً آخر على الإطلاق... إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام".


وأشار سيد قطب إلى أن الإسلام باعتباره "آخر رسالة من الله إلى البشر" يحتل موقع "الوصي" على روح البشرية وحياتها، وأن وصايته هذه تكلّف المسلمين، بصفتهم "شعب الله المختار"، تبعات تجاه البشرية بأسرها، وتفرض عليهم، تالياً، إعداد القوة اللازمة كي يتحملوا تبعات هذه "الوصاية" ويكونوا قادرين على ردع "الشاردين" عن الحق وردهم إليه؛ فالناس: "هم الناس، لا بدّ أن يزيغوا إذا لم يجدوا الرادع القوي الذي يحفظ الحدود ويحميها، فلا بدّ أن تكون هنالك قوة يحسبون حسابها، ولو لم تمد إليهم يدها؛ والهدي الأعزل مهمل، والخير الضعيف منبوذ".


ورداً على من يحصر الجهاد في الإسلام بـ "الحرب الدفاعية"، أكد قطب أن الدين الإسلامي إذ يمثّل إعلاناً لتحرير الإنسان في الأرض "من العبودية للعباد"، يدعو إلى الثورة الشاملة على "حاكمية البشر" بكل صورها وأشكالها وأنظمتها، معتبراً أن الإسلام لا يقر سوى "حرب مشروعة" واحدة، هي الحرب "التي تهدف إلى تقرير ألوهية الله على الأرض ونفي غيرها من الألوهيات المدّعاة"، وهو بالتالي "في جهاد دائم لا ينقطع أبداً لتحقيق كلمة الله في الأرض"، وهو مكلف "ألا يهادن قوة من قوى الطاغوت على وجه الأرض"، وأن يواجه القوى التي تعترض طريقه "بواحدة من ثلاث:الإسلام، أو الجزية أو القتال". فالإسلام، في نظره، يتمايز عن الأديان الأخرى في كون الحركة هي "قوامه"، بحيث إنه لا يمكن أن يفقهه ويستوعب معانيه "إلا الذين يتحركون به، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس وتغليبه على الجاهلية بالحركة العملية". أما الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين فهم لا يفقهونه "مهما تفرغوا لدراسته في الكتب دراسة باردة"، لأن فقه الإسلام "لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة". ولهذا، جاءت النصوص في القرآن "حركية مواكبة لحركة الدعوة وواقعها، وموجهة كذلك لحركة الدعوة وواقعها"، وهو ما يُغفل عنه عدد كبير من الباحثين الإسلاميين الذين "يزاولون البحث ولا يزاولون الحركة".


وبخصوص الموقف من السلم، خالف قطب، لدى تفسيره الآية 61 من سورة الأنفال، التي ورد فيها: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم"، مواقف المصلحين المسلمين الذين اعتبروا أن السلم، وليس الحرب، هو الأصل في الإسلام، مقدّراً أن هذه الآية كانت تشير إلى أوضاع مؤقتة، وأنها لم تكن تتضمن "أحكاماً نهائية في العلاقات الدولية الإسلامية"، وأنها عُدلت فيما بعد تعديلات متوالية، حتى "استقرت في الأحكام التي نزلت في سورة براءة"، والتي انتهى بها الناس إلى أن يكونوا مع الإسلام: "إما محاربين يحاربون، وإما مسلمين تحكمهم شريعة الله، وإما أهل ذمة يؤدون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا... وهذه هي الأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي" .

 

 

 الإسلام السياسي لم يكن امتداداً للإصلاح الديني بل شكّل قطيعة معه



لقد كانت أفكار سيد قطب هذه بمثابة المرجع الرئيسي للمنتمين إلى "الأصولية الجهادية" التي تمارس العنف في وقتنا الحاضر ضد المسلمين وغير المسلمين. وقد تطوّرت أفكاره هذه فيما بعد على يد فقهاء أصوليين، مثل الفقيه الدكتور علي بن نفيع العلياني، الذي رأى أن أمر الجهاد قد استقر في القرآن "على قتال المشركين حتى يسلموا، وقتال أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية مع الذل والصغار"، معتبراً أن الإسلام قد ظهر بوصفه ديناً قتالياً منذ عهد الرسول، الذي "كان يدعو للإسلام وهو شاهر سيفه ويأمر بذلك قواده"، ومنذ عهد الصحابة والتابعين، الذين "امتشقوا الحسام لدعوة الناس إلى الإسلام"، ومؤكداً أن من أسماهم بـ "تلاميذ الاستشراق" هم الذين روّجوا فكرة "أن المسلمين لم يحملوا السيف لأجل نشر الإسلام وإخضاع أمم الكفر للإسلام، وإنما حملوه لدفع الكفار عن بلادهم وأنفسهم". ففكرة قصر الجهاد "على جهاد الدفع فقط"، ظهرت – كما تابع-بين صفوف تلاميذ "المدرسة العقلية الحديثة التي من أشهر رجالها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده"، الذين أُعجبوا بما عند الغرب من مفاهيم، في الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، فسعوا إلى نفي التهمة عن الإسلام في كونه ديناً قد انتشر بالسيف، وزعموا "أن الإسلام لا يستخدم السيف إلا للدفاع فحسب"، وغاب عن أذهانهم "الفرق بين أهداف الجهاد في الإسلام وأهداف الحروب الأخرى التي يعرفها الناس في جاهلياتهم، والتي عرفتها أوروبا في تاريخها كلها". وشن العلياني، في هذا السياق، هجوماً حاداً على الإمام محمد عبده، ومن هم "على شاكلته من أهل الدفاع ومودة الكافرين"، واتهمه بـ "إماتة الروح الجهادية" في الإسلام، و"تحريف" العقيدة الإسلامية، ووضع "لبنات العلمانية والإنسانية والتعايش السلمي"، والدعوة "إلى زمالة الأديان". وخلص إلى أن رواد المدرسة العقلية في الإسلام "كانوا على تفاهم مع الاستعمار وأدواته، من الصهيونية والماسونية"، وأن هدفهم تمثّل في "صرف المسلمين عن المفاهيم الصحيحة وتقريب المفاهيم الإسلامية من المفاهيم الأوروبية".



لا بديل عن إحياء الإصلاح الديني




تزكّي النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة الافتراض الذي انطلقت منه، ومفاده أن الإسلام السياسي لم يكن امتداداً للإصلاح الديني بل شكّل قطيعة معه، مهّد لها انقلاب الشيخ محمد رشيد رضا، في المرحلة الثانية من حياته، على أفكار أستاذه الإمام محمد عبده. وهذا الاستخلاص تؤكده، في الواقع، دراسات باحثين آخرين اهتموا بدراسة تفكير صاحب "المنار" وتطوره، ومنهم وجيه كوثراني، الذي يقدّر أن الشق "السلفي" في فكر محمد رشيد رضا تغلب على الشق "الإصلاحي" فيه نتيجة عاملين: كون صاحب "المنار" أكثر تشبعاً بالثقافة الفقهية وأقل إلماماً بالثقافة الفلسفية والاجتماعية والسياسية من المصلحين الدينيين، من ناحية، وانشداده "الطوبوي" نحو الخلافة باعتبارها "المخلص" في وضعية تاريخية اتسمت بالضياع والتشتت والسيطرة الأجنبية، من ناحية أخرى؛ وهذه الوضعية كانت "البيئة الممهدة لتواصل الشق السلفي عند رشيد رضا مع فكر حسن البنا ومشروع "الإخوان المسلمين" الذي تغلب".


والواقع، أن مشروع الإسلام السياسي هذا، الذي انتعش في الأربعينيات، انكفأ على نفسه في زمن المد القومي والاشتراكي في النصف الثاني من الخمسينيات ومطلع الستينيات، لكنه عاد وانتعش عقب هزيمة حزيران 1967 ورحيل جمال عبد الناصر، والتحوّل الذي شهدته مصر في اتجاه "نزع الناصرية". وقد استغلت القوى السياسية التي حملته تفاقم الأوضاع الاجتماعية، وراحت تسعى، عن طريق الجمعيات الخيرية والدعوية التي أقامتها بمباركة السلطات الحاكمة، إلى التخفيف من حدة ظواهر الفقر والتهميش والبطالة، ونجحت، عن طريق المساجد والجوامع والمدارس الدينية، في تعبئة المتعاطفين وتجنيد الأنصار وزيادة ثقلها الشعبي، مستفيدة من الأزمة التي صارت تواجهها الإيديولوجيات التغييرية القومية والاشتراكية والقوى المعبرة عنها.
فمنذ السبعينيات، صارت أزمة الفكر القومي العربي تتفاقم أكثر فأكثر، في ظل سيادة منطق العمل القطري سيادة شبه مطلقة على منطق العمل القومي، وقيام مصر بإبرام اتفاقية سلام منفرد مع إسرائيل، وتراجع الدور الذي كانت تلعبه القضية الفلسطينية في تعزيز التضامن العربي، وانتقال الفرقة والتنابذ إلى صفوف الشعوب العربية. أما أزمة الفكر اليساري العربي، ولا سيما الماركسي، فقد برزت بوضوح إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وفشل تجربة بناء الاشتراكية وانتشار موجة الانجذاب نحو الليبرالية السياسية على مستوى العالم، وهو ما تسبب في جعل القوى اليسارية المعبرة عن هذا الفكر تواجه أزمة هوية وتنجرف مع التيار الذي ركّز على الديمقراطية السياسية واختزلها إلى انتخابات برلمانية ومشاركة في السلطة، متجاهلاً حقيقة أن الديمقراطية قيمة إنسانية متعددة الأبعاد السياسية، والاجتماعية والاقتصادية.


واليوم، تتبيّن مخاطر الخطاب المتزمت واللاعقلاني، الذي يوظف الدين في السياسة، وبخاصة بعد أن صارت الصراعات الطائفية والمذهبية، الناجمة عن هذا التوظيف، والتي تتخذ طابعاً مسلحاً فيما يشبه الحروب الأهلية، تهدد بتفكيك كيانات العديد من الدول العربية وبتفسيخ الوحدة الوطنية لشعوبها. كما تبيّن، من جهة أخرى، إخفاق تجربة الحكم التي مارستها القوى السياسية التي تحمل هذا الخطاب.


ففي مصر، على سبيل المثال، تهاوى حكم "الإخوان المسلمين"، قبل أن تسقطه الاحتجاجات الشعبية المدعومة من الجيش، نتيجة السياسة التي اتّبعوها خلال سنة من حكمهم، إذ نزعوا إلى الانفراد بالسلطة والاستحواذ على كل مفاصلها، وسعوا إلى "أخونة" أجهزة الدولة كافة، ودخلوا في صراعات مع القضاء ومع الإعلام ومع مؤسسة الشرطة، كما حاولوا فرض دستور يتوافق مع فهمهم للإسلام. ونتيجة افتقارهم إلى الخبرة في شؤون الحكم، أخفقوا في طرح حلول حقيقية لمشكلات المجتمع السياسية والاقتصادية، وراحوا يستنسخون السياسات السابقة للنظام الذي كانوا ينتقدونه ويهيجون الناس ضده، الأمر الذي أدّى إلى مفاقمة مشكلات البطالة ونقص الوقود والكهرباء وانعدام الأمن.


وقد أكد هذا الإخفاق عدم واقعية الدعوة إلى إقامة دولة دينية تستند إلى الشريعة، وزكّى، في المقابل، الدعوة إلى العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة، وإحلال مفهوم المواطن، المستقل بشخصيته وتفكيره، محل مفهوم الرعية، والنظر إلى العلاقة بين الإنسان وربه بصفتها علاقة فردية لا تحتاج إلى وسيط ولا رقيب، وإباحة حرية الاعتقاد والضمير لكل مواطن في المجتمع، والدعوة إلى الابتعاد عن التكفير، وضمان حرية التفكير والبحث في كل المسائل، وبضمنها المسائل الدينية.


وخلافاً لما يدعيه أنصار حركات الإسلام السياسي، من أن الإسلام يتعارض مع العلمانية ويختلف عن الأديان الأخرى في أنه " دين ودولة "، كان للعلمانية – كما رأينا-حضور في كتابات رواد الإصلاح الديني، الذين أشاعوا مبادئها، حتى وإن لم يلجأوا إلى المصطلح. وعلى خطى أولئك الرواد، يحاول دعاة تجديد الفكر الإسلامي اليوم، من باحثين وعلماء دين، تأكيد حقيقة أن الإسلام يتوافق مع الحداثة، وينسجم بالتالي مع العلمانية والديمقراطية والعلم الحديث.
فقد أقام العلامة الشيعي اللبناني محمد حسن الأمين، ومنذ سنوات، تمييزاً بين "علمانية مؤمنة" و"علمانية ملحدة"، معتبراً أن الإسلام لم يحدد نظاماً معيّناً للحكم، وأن فصل الدين عن الدولة لا ينفي الدين بل يؤكد أن السلطة هي شأن بشري، وأن البشر أحرار في التشريع لأنفسهم. بينما قدّر الشيخ المصري الراحل خليل عبد الكريم، في كتابه: "الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، أن الحكومة الدينية لم تتحقق في تاريخ الإسلام إلا على يد النبي محمد، لأن حكمه كان "مؤيداً بالوحي يدلّه على حكم الله في كل واقعة ويهديه إلى الصواب في كل مشكلة". أما الحكومات التي جاءت بعده، بما فيها حكومات الخلفاء الراشدين، فقد كانت كلها "بشرية"، لأنه أصبح "متعذراً، بل مستحيلاً، بعد انقطاع الوحي، معرفة حكم الله في أي قضية أو نازلة أو مشكلة"، لا سيما وأن البشر يختلفون في تفسير النصوص المقدسة "لاختلاف مداركهم ومشاربهم ونزعاتهم ومصالحهم ومكانتهم في المجتمع"، ولأن من يزعم منهم أن تأويله "هو الأصح، المطابق لإرادة الرب الذي أنزل النص، أو الرسول الذي قال الحديث، فإنه يكون متعسفاً"، وهذا ما تنبّه إليه – كما يتابع – الإمام علي بن أبي طالب "عندما وصف القرآن بأنه حمّال أوجه، أي متسع لعدة تفسيرات، قابل لشتى التأويلات ".


وفي الاتجاه نفسه، يرفض المفكر الإسلامي محمد شحرور مفهوم "الدولة الإسلامية"، معتبراً أن الدولة هي "عقد بين أفراد في مجموعة إنسانية، له بنود وشروط تسري ضمن رقعة جغرافية هي الوطن"، بينما "ميثاق" الإسلام هو "ميثاق إنساني لا يتغيّر من مكان إلى آخر ولا تحده رقعة جغرافية". وعليه، لا يمكن أن تكون الدولة سوى "مدنية بحتة تأخذ شرعيتها من ميثاق إنساني اجتماعي عام، وعقد بين السلطة والشعب الذي ينتخب السلطة بنفسه". أما النظام الوحيد الذي يمكنه حماية المثل العليا الإسلامية فهو، في نظره، النظام الديمقراطي "القائم على التعددية الحزبية، ومبدأ تداول السلطة، وحرية الرأي والرأي الآخر، وحرية الصحافة والقلم والتعبير عن الرأي بكل الوسائل السلمية". بيد أن المسلمين أهملوا هذه الديمقراطية –كما يتابع- واستعاضوا عنها بمفاهيم مثل "إجماع الجمهور، وإمام المسلمين، والخليفة، وأهل الحل والعقد"، وكلها مفاهيم "تاريخية" فرضتها "ظروف مكانية وزمانية معينة أصبحت اليوم لا معنى لها"، وبقي المعنى الذي يجب على المسلمين تبنيه هو "ولاية الأمة على نفسها، وأنه لا وصاية على الشعب وان الشعب ينتخب سلطاته بنفسه".


ويؤكد هؤلاء المصلحون الجدد ضرورة إحياء الإصلاح الديني وإعادة حرية الاجتهاد كاملة ويسعون إلى تأويل النصوص المقدسة بما يتناسب مع التطور التاريخي، ويعلون قيم التسامح واحترام الاختلاف بين البشر، ويعتقدون بنسبية المعرفة، ويدعون إلى التحرر من أسر فقه القرون الوسطى، الذي صيغ في الفترة العباسية الأولى عندما كانت الدولة الإسلامية "أقوى دولة في العالم"، والذي قام على أساس تقسيم الدنيا إلى دار إسلام ودار حرب، معتبرين أن هذا الفقه، الذي تتبّناه الجماعات الإسلامية المسلحة والذي لا يزال يُدرّس في كليات الشريعة في البلدان الإسلامية، يخلق تربة خصبة لإشاعة روح الإكراه، التي تأصلت لدى المسلمين منذ قرون، وولّدت العنف بين صفوفهم.


بيد أن الدور الذي يضطلع به هؤلاء العلماء والباحثون من المصلحين الجدد يبقى من دون تأثير ما لم تتوافر بيئة مناسبة تسمح بنشر ثقافتهم التنويرية على نطاق واسع، وتمكنّهم من الوصول إلى مخاطبة جمهور المؤمنين عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية، وما لم يتم إصلاح مؤسسات التعليم الديني، وإعادة النظر في مناهجها ومقرراتها الأساسية، وإدراج الدراسات المقارنة والنقدية لتاريخ الأديان فيها.

 

 

نشرت هذه الدراسة في العدد 109 من مجلة الدراسات الفلسطينية (بيروت، شتاء 2017، ص 104-123). وقد استفدت في إعدادها من كتابَي: "رهانات النهضة في الفكر العربي" (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر بالتعاون مع مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 2000)؛ و"تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي" (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 2008).

 

 عودة إلى ملف ما لا نعلمه عن الاسلام

 

نشر السبت 10 يونيو, 2017 (اخر تحديث) 10 يونيو, 2017 الساعة 02:54
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [856]