أخر الاخبار
Untitled Document
الذكرى المئوية لثورة أكتوبر- بقلم د. ماهر الشريف
 ()


لينين أمام إشكاليات الثورة الاشتراكية في روسيا



كيف يمكن للثورة الاشتراكية أن تنتصر في بلد لا يمتلك، بسبب ضعف تطور الرأسمالية فيه، قاعدة مادية متقدمة لبناء الاشتراكية، وهو الشرط الذي كان كارل ماركس قد وضعه لانتصار الاشتراكية في بلد من البلدان؟.

من هذا السؤال انطلق لينين، مبرهناً على وجود الرأسمالية في روسيا، التي كان يشكك في وجودها "الشعبويون" الروس، ومظهراً أن السمات الخاصة التي تتسم بها هذه الرأسمالية، وبالأخص ضعفها، تجعل إمكانات انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا أكبر من إمكانات انتصارها في أي بلد آخر من البلدان الرأسمالية المتطورة، وتتيح للطبقة العاملة فيها فرصة التحوّل إلى محرّك لهذه الثورة.

كان لينين قد أطلق على الأحداث الثورية التي شهدتها روسيا سنة 1905 اسم "البروفه العظمى" للثورة. وكانت تلك الأحداث قد انطلقت عقب يوم "الأحد الدامي" في 9 كانون الثاني 1905، عندما قامت قوات الشرطة بارتكاب مجزرة ذهب ضحيتها عشرات العمال الذين كانوا يتوجهون في مسيرة سلمية إلى قصر القيصر نيقولاي الثاني في مدينة سان بطرسبورغ كي يقدموا له عريضة تتضمن عدداً من المطالب الاقتصادية والديمقراطية. فما بين شهرَي كانون الثاني وتشرين الأول من ذلك العام، شهدت روسيا إضرابات واضطرابات وتمردات عديدة، كان من ضمنها تمرد بحارة المدمرة "بوتمكين"، كما شهدت، وبخاصة بعد تأكد هزيمة روسيا في حربها ضد اليابان، تزايد التململ من الحكم القيصري داخل أوساط الليبراليين، الذين انتظموا في شهر أيار في إطار حزب "الدستوريين الديمقراطيين" (الكاديت). وما بين شهرَي تشرين الأول 1905 وكانون الأول 1905، تصاعدت حدة الإضرابات والاضطرابات، وانتشر على نطاق واسع شكل السوفييت، بصفته إطاراً تنظيمياً يؤطر العمال ويمثلهم. 

لقد كان لينين، الذي وصل إلى سان بطرسبورغ في تشرين الثاني 1905، من أنصار تحويل تلك الأحداث الثورية إلى انتفاضة مسلحة تمهد الطريق أمام قلب حكم القيصر. بيد أن موازين القوى لم تكن تسمح بذلك في تلك الفترة، ونجحت القوات الموالية للقيصر، ما بين شهرَي كانون الأول 1905 وكانون الثاني 1906، في تصفية سوفييت سان بطرسبورغ وفي سحق الانتفاضة التي كانت قد بدأت في موسكو ومدن أخرى.


ومهما يكن، فإن ثورة 1905 في روسيا عززت قناعة لينين باحتمالات بروز سيرورة ثورية في روسيا، تبدأ بإسقاط الأتوقراطية الروسية وتنتهي بإقامة حكم البروليتاريا، وجعلته يطرح جدياً فكرة أن الثورة الديمقراطية، "البرجوازية بمحتواها الاقتصادي والاجتماعي"، التي تشارك فيها البروليتاريا وتسعى إلى توسيع نطاقها وتعميق طابعها الديمقراطي، يمكن أن تتطوّر إلى ثورة اشتراكية. كما أن الانتصار الحاسم على القيصرية في روسيا يمكن أن يجعل الحريق الثوري يمتد إلى أوروبا ويمهد طريق انتصار الثورة الاشتراكية في عدد من بلدانها.

والواقع، أن الرأي القائل بأن إمكانات اندلاع ثورة ديمقراطية في روسيا هي إمكانات كبيرة، كان شائعاً في مطلع القرن العشرين في أوساط عدد من قادة الحركة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية البارزين، ومنهم الألماني كارل كاوتسكي الذي كان، منذ سنة 1904، على قناعة بأن هناك مجموعة من البلدان الأوروبية، في مقدمها روسيا، كانت أكثر استعداداً للثورة من ألمانيا، على الرغم من تسارع وتيرة التطور الاقتصادي في ألمانيا وتعاظم الدور السياسي الذي تلعبه الاشتراكية الديمقراطية فيها. وفي الكتابات التي خصصها لروسيا ما بين عامَي1905و1907، اتفق كاوتسكي مع لينين حول عدد من الأمور المتعلقة بطبيعة الثورة الديمقراطية في روسيا، ومنها أن البروليتاريا، وليس البرجوازية، هي التي ستلعب الدور القيادي فيها، وأن التحالف بين العمال والفلاحين سيطبع الحركة الثورية فيها بطابع "ديمقراطي ثوري".

بيد أن كاوتسكي اختلف مع لينين في تقديره لآفاق تطور هذه الثورة الديمقراطية في روسيا، إذ اعتبر أن مستقبل روسيا الاشتراكي سيبقى مرهوناً بانتصار الثورة الاشتراكية في بلدان أوروبية مثل ألمانيا، وأن هذه الأخيرة، بعد استيلاء البروليتاريا على السلطة فيها، هي التي سيكون في إمكانها أن تقدم إسهاماً حاسماً لتحويل الثورة الديمقراطية في روسيا إلى ثورة اشتراكية.

 

كانت الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في آب 1914 وسببت لروسيا خسائر بشرية واقتصادية كبيرة وجعلت شعوبها تقف على حافة المجاعة، هي نقطة الانطلاق الحقيقية للبلشفية، بصفتها تياراً سياسياً متميّزاً داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية. من الصحيح أن الانشقاق بين البلاشفة (الأغلبية) والمناشفة (الأقلية) داخل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا يعود إلى مؤتمره الثاني الذي انعقد في مدينتَي بروكسل ولندن سنة 1903، وسبّبه الخلاف على المسألة التنظيمية في المقام الأول، إلا أن التمايز السياسي بين هذين التيارين لم يبرز بصورة واضحة سوى بعد اندلاع تلك الحرب، التي كشفت، في نظر البلاشفة، "إفلاس" أغلبية زعماء الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، وفي عدادهم المناشفة الروس، الذين وقفوا إلى جانب حكومات بلدانهم ودعموا سياساتها الحربية.


وبعد اندلاع الحرب العالمية، قام لينين بإغناء أفكاره عن الثورة الديمقراطية في روسيا وآفاق تطورها. من الصحيح أنه لم يتخلَّ، في تلك الفترة، عن قناعته بأن الثورة الروسية ستتسم بطابع "ديمقراطي برجوازي" في بدايتها، إلا أنه صار ينظر إلى طبيعة هذه الثورة وإلى دور البلاشفة فيها نظرة جديدة.

فعلى أساس تحليله ظاهرة الإمبريالية، واكتشافه قانون التطور المتفاوت للرأسمالية، شدّد لينين على إمكانية انتصار الاشتراكية، في بادئ الأمر، في عدد قليل من البلدان الرأسمالية أو حتى في بلد رأسمالي بمفرده، معتبراً أن الدعاية الشاملة لإمكانية انتصار الثورة الاشتراكية يجب أن تمثّل مهمة رئيسية من مهمات الاشتراكية الديمقراطية "في الوقت الحاضر". وبينما كان يرى، في السابق، ضرورة أن تتعلم البروليتاريا استخدام كل أشكال النضال في الثورة القادمة، صار يركّز، بعد اندلاع الحرب العالمية، على شكل النضال العنيف ويدعو إلى تحويل "الحرب الإمبريالية" إلى "حرب أهلية". وفي حين كان مقتنعاً بضرورة تعاون الحزب العمالي مع الأحزاب الأخرى المناهضة للحكم القيصري، بما في ذلك مشاركة ممثليه مع ممثليها في الحكومة الثورية التي ستتشكّل بعد انتصار الثورة الديمقراطية، صارت تتعمق عنده، بعد اندلاع الحرب، النزعة الانعزالية، وتتزايد قناعته بالحاجة إلى تكريس القطيعة التامة مع "الانتهازيين والشوفينيين" داخل صفوف الاشتراكية الديمقراطية الروسية. وإذا كان قد وجد، منذ وقت مبكر، في الفلاحين حليفاً للبروليتاريا في الثورة الديمقراطية، معتبراً أن هذه الثورة ستتخذ، بعد انتصارها، شكل "ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية الثورية"، فإنه راح يركّز، بعد اندلاع الحرب، على دور الأمم والشعوب التي يضطهدها الحكم القيصري، بصفتها حليفاً ثورياً آخر للبروليتاريا في النضال من أجل إسقاط القيصرية. 

هكذا كانت، بصورة ترسيمية، تصوّرات لينين وأفكاره عند اندلاع ثورة شباط 1917، تلك الثورة التي كانت، من حيث طبيعتها، ثورة "ديمقراطية"، شاركت فيها قوى سياسية عديدة جمعها قاسم مشترك هو إسقاط الحكم القيصري. وكانت أحداث تلك الثورة قد بدأت بتحرك بادر إليه حزب البلاشفة الذي دعا لجانه الحزبية في مدينتَي بتروغراد (سان بطرسبورغ قبل سنة 1914) وموسكو إلى تنظيم إضراب عام في ذكرى التظاهرة السلمية التي جرت في 9 كانون الثاني 1905 في سان بطرسبورغ وسقط خلالها عشرات القتلى من العمال على أيدي قوات الشرطة. ثم اندلعت في الأيام اللاحقة إضرابات وتظاهرات دعا إليها حزبا البلاشفة والمناشفة، وانضم، في10آذار/مارس، جنود عدد من الوحدات العسكرية في مدينة بتروغراد إلى العمال المضربين، وتشكّل مجلس سوفييت في المدينة، ضمت لجنته التنفيذية ثلاثة نواب من الدوما، وهي هيئة شبيهة بالبرلمان، وممثلين اثنين عن المناشفة، وممثلين اثنين عن البلاشفة، وثلاثة ممثلين عن حزب الاشتراكيين الثوريين، الذي كان يحظى بنفوذ واسع في الأرياف. وبعد أن أخذت الثورة تمتد إلى المدن الأخرى، وفي مقدمها موسكو، التي راحت تظهر فيها مجالس للسوفيتيات، اضطر القيصر نيقولاي الثاني، في منتصف آذار، إلى التنازل عن العرش، وبادر حزب الديمقراطيين الدستوريين (الكاديت) إلى تشكيل حكومة مؤقتة، برئاسة الأمير لفوف، لم تعمر طويلاً، لعجزها عن الانسحاب من الحرب "الإمبريالية" وتحقيق الإصلاح الزراعي في الأرياف وتحسين ظروف عمل العمال ومستوى معيشتهم. وتحت تأثير الضغط الشعبي، تشكّلت حكومة إئتلافية جديدة ضمت ممثلين عن الأحزاب البرجوازية، وبخاصة حزب "الكاديت"، وممثلين عن المناشفة وعن حزب الاشتراكيين الثوريين.

كان لينين قد أرسل خلال شهر آذار1917، من منفاه في مدينة زيوريخ، خمس رسائل، "رسائل من بعيد"، إلى جريدة البرافدا، يحث فيها رفاقه على رفص المشاركة في الحكومة الائتلافية، والشروع في تحضير المرحلة الثانية للثورة. وفي 28 آذار، غادر لينين زيوريخ سراً، وانتقل عبر ألمانيا والسويد إلى روسيا، ليصل إلى بتروغراد في الثالث من نيسان. وبعد أيام من وصوله، قدم أمام اجتماع مندوبي البلاشفة في السوفييتات "موضوعات نيسان" الشهيرة، التي حدد فيها "مهمات البروليتاريا في الثورة الحالية". فبدأ تلك "الموضوعات" بوصف الحرب العالمية الدائرة بأنها، من جانب روسيا، "حرب إمبريالية لصوصية"، حتى في عهد الحكومة الإئتلافية الجديدة، رافضاً مفهوم "الدفاع الثوري" الذي تبنته تلك الحكومة، ومعتبراً أن إنهاء الحرب والتوصل إلى "صلح ديمقراطي"لا يمكن أن يتحققا" من دون قلب حكم الرأسمال"، وهو ما يجب الدعاية له على أوسع نطاق داخل الجيش المحارب. ثم أكد لينين أن المهمة الرئيسية للبروليتاريا في روسيا، "في الوضع الراهن"، هي"الانتقال من المرحلة الأولى للثورة، التي أعطت الحكم للبرجوازية نتيجة عدم كفاية الوعي والتنظيم لدى البروليتاريا، إلى المرحلة الثانية للثورة التي يجب أن تعطي الحكم للبروليتاريا، وللفئات الفقيرة من الفلاحين". وعلى الرغم من اعترافه بأن حزب البلاشفة يمثّل "أقلية، وأقلية ضعيفة في الوقت الحاضر، في معظم سوفييتيات مندوبي العمال"، فإنه دعا حزبه إلى أن يشرح للعمال أن "سوفييتيات مندوبي العمال هي الشكل الوحيد الممكن للحكومة الثورية"، وأن يؤكد لهم ضرورة انتقال كل سلطة الدولة إليها، على اعتبار أن الرجوع إلى الجمهورية "البرلمانية"، بعد قيام سوفييتيات مندوبي العمال، سوف يكون "خطوة إلى الوراء".

لقد كان لينين، في "موضوعات نيسان"، مقتنعاً أن "فرض" الاشتراكية ليس مطروحاً على جدول أعمال حزب البلاشفة، الذي ينبغي عليه الاكتفاء بالانتقال "إلى مراقبة الإنتاج الاجتماعي وتوزيع المنتجات من قبل سوفييتيات مندوبي العمال"، والعمل على "مصادرة جميع أراضي الملاكين العقاريين، وتأميم جميع الأراضي في البلاد، ووضع الأراضي تحت تصرف السوفييتيات المحلية لنواب الأجراء الزراعيين والفلاحين". وبغية إقرار هذه التوجهات الجديدة، أنهى لينين "موضوعاته" بالدعوة إلى عقد مؤتمر للحزب "بلا إبطاء"، يعمل على تعديل برنامجه وتغيير اسمه من "اشتراكي ديمقراطي" إلى “شيوعي"، كي يتمايز عن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية الأخرى التي تبنت مواقف "شوفينية"، ويساهم في تأسيس أممية جديدة ثورية.

لقد شكّلت "موضوعات نيسان" تحولاً نوعياً في سياسات حزب البلاشفة، صدم معظم قادة هذا الحزب ودفعهم إلى التعبير عن رفضهم لها، ورفض نشرها في جريدة البرافدا سوى على شكل مقال شخصي للينين. بيد أن مصادقة غالبية مندوبي الكوانفرانس الحزبي، الذي انعقد في 7 أيار/مايو 1917، عليها حوّل تلك "الموضوعات" إلى سياسة رسمية لحزب البلاشفة، الذي جابه، في حينه، معضلة كبيرة، أشار إليها لينين وتمثّلت في كون ممثليه يشكّلون أقلية داخل سوفييتات العمال. ففي المؤتمر الأول لسوفييتات عموم روسيا، الذي انعقد في مدينة بتروغراد في 16 حزيران/يونيو 1917، كان عدد مندوبي البلاشفة 105 فقط، في مقابل 533 مندوباً عن المناشفة والاشتراكيين الثوريين، من مجموع 822 مندوباً كانوا يتمتعون بحق التصويت.

وبغية حل هذه المعضلة، وجّه البلاشفة طاقاتهم، منذ مطلع صيف العام 1917، من أجل تعزيز مواقعهم داخل سوفييتات العمال، كما شرعوا، مستفيدين من نفوذهم الكبير بين جنود حامية بتروغراد، في تشكيل وحدات عسكرية مستقلة باسم "الحرس الأحمر". وكان لينين قد بدأ يراهن على جنود الجيش ودورهم منذ أحداث ثورة 1905، التي شهدت قيام الجنود وبحارة الأسطول بتحركات ثورية عديدة، من أبرزها تحرك بحارة المدمرة بوتمكين. ومنذ ذلك الحين، لاحظ لينين أن روح الحرية أخذت تتسرب إلى الثكنات وأن الجنود والبحارة يمكن أن يشاركوا في الثورة على الحكم الأوتوقراطي القيصري، وعارض شعار إبعاد الجيش عن السياسة، معتبراً أن هذا الشعار يخدم القيصرية والبرجوازية.

في نهاية صيف 1917، كانت عملية "بلشفة" السوفييتات تسير بصورة متسارعة، وذلك على الرغم من الحملة القمعية التي نظمتها الحكومة الإئتلافية ضد البلاشفة. وما أن حلّ شهر أيلول/سبتمبر من ذلك العام حتى كان البلاشفة قد حققوا هدفهم بالحصول على الأغلبية في سوفييتات العمال والجنود، إذ تبنّى سوفييت مندوبي العمال والجنود في مدينة بتروغراد مقترحهم الداعي إلى تسليم كل السلطة للسوفييتات وانتخب لجنة تنفيذية جديدة اختير ليون تروتسكي رئيساً لها، وحذا حذوه سوفييت مندوبي العمال والجنود في موسكو وانتخب لجنة تنفيذية جديدة كان من بين أعضائها نيقولاي بوخارين، ثم سارت على خطاهما عشرات السوفييتات في المدن الروسية الأخرى.

وبضمان البلاشفة الحصول على الأغلبية بين مندوبي سوفييتات العمال والجنود، صار شعارهم "كل السلطة للسوفييتات" يعني عملياً "كل السلطة للبلاشفة"، وهو ما شدّد عليه لينين في رسالته إلى حزبه بتاريخ 14 أيلول/سبتمبر1917بقوله:"إن البلاشفة وقد نالوا الأغلبية في سوفييتَي مندوبي العمال والجنود في العاصمتين باتوا يستطيعون، بل يجب عليهم أن يأخذوا سلطة الدولة في أيديهم". وفي رسالته الشهيرة تلك، اعتبر لينين أن "المداولة الديمقراطية" لا تمثل "أغلبية الشعب الثوري"، وإنما تمثّل فقط "الطوابق العلوية البرجوازية التوفيقية"، وأن القضية "ليست في الانتخابات"، التي لا يجب على البلاشفة أن ينخدعوا بها.

كان لينين قد تبنّى خيار اللجوء إلى الانتفاضة المسلحة لاستلام السلطة عقب الأحداث التي جرت في مطلع تموز/يوليو 1917، وشهدت قيام وحدات من الجيش، مشكّلة من الطلبة الضباط ومن القوقاز، بإطلاق النار على تظاهرة سلمية حاشدة للعمال، دعا إليها البلاشفة في مدينة بتروغراد للاحتجاج على استمرار مشاركة الحكومة الإئتلافية الروسية بالحرب، ما أدى إلى مقتل العشرات وجرح المئات منهم، وقيام الحكومة برئاسة أكسندر كيرنسكي، القيادي في حزب الاشتراكيين الثوريين، باعتقال عدد من قادة حزب البلاشفة، من بينهم تروتسكي، وإصدار أمر باعتقال لينين نفسه. وفي المؤتمر السادس لحزب البلاشفة، الذي انعقد في شهر آب/أغسطس1917، اقترح لينين الاستعداد لإعلان الثورة وتنظيم الانتفاضة المسلحة، إلا انه جوبه آنذاك بمعارضة شديدة من جانب معظم رفاقه في قيادة الحزب، الذين أعرب بعضهم عن شكه في إمكان نجاح البلاشفة في كسب الفلاحين إلى جانبهم، بينما عبّر بعضهم الآخر عن قناعته بضروة انتظار انتصار الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية المتقدمة في أوروبا قبل التفكير باستلام السلطة في روسيا. وظلت المعارضة الشديدة قائمة، داخل حزب البلاشفة، لموقف لينين، الداعي إلى تنظيم الانتفاضة المسلحة بهدف استلام السلطة، حتى بعد نجاح البلاشفة في التحوّل إلى أغلبية بين مندوبي سوفييتات العمال والجنود.

في مطلع أيلول 1917، قام أحد جنرالات الجيش، ويدعى كورنيلوف، بمحاولة انقلاب، مدفوعاً بشعوره بأن الحكومة المدينة ضعيفة وعاجزة عن فرض الاستقرار في البلاد. وقد سارع البلاشفة إلى إدانة ذلك الانقلاب العسكري، وشكلّوا شبكة من اللجان الثورية ونزلوا إلى الشوارع لمواجهة الانقلابيين. واضطرت حكومة كيرنسكي، في تلك الظروف، إلى إطلاق سراح زعماء البلاشفة المعتقلين، ثم نجحت القوات التي ظلت وفية لها في فرض التراجع على القوات الموالية للجنرال كورنيلوف وفي اعتقاله.

والواقع، أن تلك المحاولة الانقلابية العسكرية فتحت الطريق أمام البلاشفة كي يحسموا أمر الشروع في تنظيم الانتفاضة، وهو ما عبّر عنه كيرنسكي فيما بعد بقوله: "لولا انقلاب كورنيلوف لما كان هناك لينين".

فبعد عودته متخفياً من فنلندا، سارع لينين إلى دعوة اللجنة المركزية لحزب البلاشفة إلى عقد اجتماع، في 16 تشرين الأول/أكتوبر1917 في صالون منزل السيدة سوخانوفا في بتروغراد، تمخض عن موافقة غالبية المشاركين فيه على توصية تدعو جميع منظمات الحزب إلى حسم القضايا المتعلقة بالانتفاضة المسلحة كافة، وذلك بعد أن نضجت بالكامل ظروف ضمان نجاحها. وفي ذلك الاجتماع، تشكّلت لجنة حزبية عسكرية برئاسة تروتسكي، الذي ترأس في الوقت نفسه لجنة عسكرية أخرى شكّلها سوفييت مندوبي العمال والجنود في بتروغراد.

وفي 4 تشرين الثاني 1917(الموافق فيه 22 تشرين الأول بحسب التقويم الروسي الساري آنذاك)، بدأ التحرك الثوري في بتروغراد بانضمام حاميتها إلى اللجنة العسكرية التي شكّلها سوفييت المدينة. وفي 6 تشرين الثاني (24 تشرين الأول)، بدأت موسكو تستعد لإعلان الانتفاضة، وانتقل لينين إلى سمولني لمراقبة سير الانتفاضة، واحتلت الوحدات الموالية للبلاشفة، ليلة 6-7 تشرين الثاني (24-25 تشرين الأول)، المباني الرسمية في بتروغراد، وقصفت البارجة أورور قصر الشتاء، الذي سقط في أيدي الثوار في 8 تشرين الثاني (26 تشرين الأول)، وسارع مؤتمر سوفييتات مندوبي العمال والجنود المنعقد إلى إعلان قيام السلطة الثورية الجديدة. وفي اليوم نفسه، شكّل لينين مجلس مفوضي الشعب، الذي بدأ عمله بإصدار مرسومين، أقرهما بالإجماع مؤتمر السوفييتات، هما: "مرسوم السلام" و"مرسوم الأرض"، صاغهما لينين بنفسه، واستهدف بهما في الأساس كسب تأييد الفلاحين، الذين كانوا يشكّلون الغالبية العظمى من السكان و90 في المئة من عديد الجيش. فدعا المرسوم الأول إلى التوصل إلى "سلام عادل وديمقراطي من دون إلحاقات ولا تعويضات"، وقرر إلغاء الدبلوماسية السرية ونشر نصوص جميع المعاهدات السرية التي عقدتها الحكومات السابقة وإلغائها؛ بينما قرر المرسوم الثاني مصادرة أملاك القصر والكنيسة وكبار الملاكين العقاريين وأغنياء الفلاحين ووضعها تحت تصرف اللجان الزراعية وسوفييتات مندوبي الفلاحين.

وهكذا، فتحت الثورة، التي لم تدم سوى أيام ولم يسقط خلالها أكثر من 200 قتيل، فصلاً جديداً في تاريخ روسيا وفي تاريخ العالم.

 

 

الثورة تنتصر على أعدائها الداخليين والخارجيين وتثبّت أقدامها


هل "خان" لينين مرشده كارل ماركس عندما اتّخذ قراره بأن يتسلم البلاشفة السلطة إثر طور قصير مرت به الثورة "البرجوازية الديمقراطية" في روسيا، رافضاً التعامل مع الانتقال إلى الاشتراكية، في ظروف روسيا المتميّزة، باعتباره سيروة طويلة؟

إن مشروعية هذا السؤال تنبع من حقيقة أن استلام البلاشفة السلطة في أكتوبر 1917، وانتقالهم السريع من مرحلة الثورة "البرجوازية الديمقراطية" إلى مرحلة الثورة "الاشتراكية"، كان متعارضاً مع "المخطط" الذي وضعه ماركس لسبل الانتقال إلى الاشتراكية في أمور ثلاثة رئيسية: فمن جهة أولى، جرى الانتقال إلى مرحلة الثورة الاشتراكية في بلد زراعي في الأساس، كان ما يقرب من 85 في المئة من سكانه يعيشون في الأرياف؛ ومن جهة ثانية، كانت الطبقة العاملة فيه محدودة الحجم، إذ كان عدد العمال المأجورين فيه نحو 18 مليوناً، من أصل 174 مليوناً من السكان، ولم يكن يعمل في الصناعات الكبرى فيه أكثر من 5،3 مليون عامل تقريباً؛ ومن جهة ثالثة، وبسبب استنادها إلى أقلية في المجتمع، لم يكن من الممكن ان تتطبع الثورة الاشتراكية في روسيا بطابع ديمقراطي، يجعل منها ثورة "الأغلبية الساحقة" على حد تعبير ماركس.

ولكن هل كانت "ماركسية" لينين تعني بالضرورة التزامه بهذا المخطط النظري، حتى بعد أن توفرت، على أرض الواقع، شروط انتصار الثورة واستلام السلطة؟

إذا كان بعض الباحثين قد قدّر أن البلاشفة نجحوا في ثورتهم ليس بفضل قوتهم ونفوذهم، وإنما بفضل ضعف خصومهم وعدم قدرتهم على الاستمرار في الاضطلاع بأعباء الحكم، وهو ما يفسر السرعة التي تمت فها عملية قلب الحكومة الائتلافية والسيطرة على قصر الشتاء، فإن باحثين آخرين قدّروا أن انتصار البلاشفة كان يعود، في المقام الأول، إلى نجاحهم في كسب تأييد الفلاحين وتأييد شعوب وأمم روسيا التي كان يضطهدها الحكم القيصري. فالقوى الاحتياطية للبروليتاريا الروسية الفتية، التي لم تكن تشكّل بالفعل سوى أقلية ضئيلة في المجتمع، كانت في صفوف الفلاحين، الذين قاموا بانتفاضات شملت معظم مناطق البلاد، كما كانت في صفوف الأمم والشعوب غير الروسية، التي غلب عليها الطابع الفلاحي أيضاً وكانت تتعرض لاضطهاد قومي شديد في ظل الحكم القيصري.


الإجراءات الثورية الأولى

لكن، ماذا كان، تصوّر لينين والبلاشفة للمستقبل، بعد استلامهم السلطة، وماذا كان، بخطوطه العريضة، مشروعهم للحكم؟

صبيحة يوم 14 تشرين الثاني 1917 [بحسب التقويم الساري حالياً]، انتخب مؤتمر سوفييتات مندوبي العمال والجنود في عموم روسيا لجنة تنفيذية مركزية جديدة، ضمت 62 بلشفياً و 29 اشتراكياً ثورياً و 10 ممثلين عن المناشفة "الأمميين" وعدداً قليلاً من غير الحزبيين. وفي اليوم نفسه، أصدرت هذه اللجنة التنفيذية المركزية المنتخبة مرسوماً يقضي بفرض "رقابة عمالية" على الإنتاج والتوزيع. كما صدر في 15 تشرين الثاني، عن مجلس مفوضي الشعب، بيان "حول حقوق شعوب روسيا"، يؤكد على المساواة والسيادة لكل شعوب روسيا ويضمن حقها في تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال وتشكيل دول مستقلة.

وما بين 18 و 27 كانون الأول صدرت مراسيم تأميم المؤسسات الصناعية الكبيرة، وتأميم البنوك، ثم أعلن بعد فترة تأميم التجارة الخارجية. وفيما يتعلق بأجهزة السلطة الجديدة الأمنية والعسكرية، أصدر مجلس مفوضي الشعب، في 7 كانون الأول 1917، مرسوماً يقضي بتشكيل "لجنة أمنية استثنائية للنضال ضد الثورة المضادة" ومكافحة عمليات التخريب، ثم أصدر، في الخامس عشر من كانون الثاني 1918، مرسوماً ثانياً يقضي بتشكيل جيش العمال والفلاحين الأحمر. وكان مجلس مفوضي الشعب قد أصدر، في 10 تشرين الثاني 1917، مرسوماً يقضي بتعطيل جميع الصحف المناهضة للثورة.

كان ممثلو البلاشفة قد شغلوا كل المناصب الحكومية في مجلس مفوضي الشعب لدى تشكيله. وبعد ظهور معارضة جدية لانفرادهم بالسلطة، كان أحد مراكزها في نقابة عمال السكك الحديدية، اتُفق على توسيع مجلس مفوضي الشعب، ودُعي ممثلو الاشتراكيين الثوريين "اليساريين" و"اليمينيين"، الذين كانوا يتمتعون بتأييد كبير في سوفييتات مندوبي الفلاحين، إلى المشاركة في حكومة البلاشفة. وفي ليلة 9 و 10 كانون الأول 1917، وبعد اندماج سوفييتات مندوبي الفلاحين وسوفييتات مندوبي العمال والجنود، انضم الاشتراكيون الثوريون "اليساريون" إلى مجلس مفوضي الشعب وتسلموا خمس حقائب وزارية، من بينها وزارة الداخلية، بينما رفض الاشتراكيون الثوريون "اليمينيون" دعوة البلاشفة للانضمام إلى هذا المجلس.

بيد أنه لم تمضِ سوى أشهر قليلة على مشاركة ممثلي الاشتراكيين الثوريين "اليساريين" في الحكم، حتى قاموا، في 6 تموز 1918 ، بتنظيم انتفاضة ضد البلاشفة، ثم قام أحد أعضاء حزبهم، في 30 آب من العام نفسه، بإطلاق النار من مسدسه على لينين لدى خروجه من مهرجان في أحد معامل موسكو، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة. وبذلك، انفرط التحالف بين البلاشفة والاشتراكيين الثوريين "اليساريين"، وتلاشت كل الآمال بقيام نظام اشتراكي تعددي في روسيا.

وقبل أشهر من حدوث هذه القطيعة بين الطرفين، وبداية تكرس نظام حكم الحزب الواحد، كان قد وقع حادث آخر دلّ على كيفية تصوّر لينين والبلاشفة لممارسة الديمقراطية في ظل سلطة السوفييتات، وفي ظروف خاصة شهدت اندلاع حرب أهلية قاسية وتدخلاً عسكرياً أجنبياً واسعاً.

فبعد تسلّمهم السلطة، لم يكن في وسع البلاشفة، الذين كانوا قد تبنوا في عهد الحكومة الائتلافية قبل أكتوبر 1917 مطلب انتخاب "جمعية تأسيسية"، أن يرفضوا الدعوة إلى إجراء انتخابات لهذه الجمعية. وعليه، شهدت روسيا، منذ منتصف تشرين الثاني 1917، حملة واسعة لانتخاب أعضاء هذه الجمعية التأسيسية، شارك فيها نحو 36 مليون ناخب، وأفضت نتائجها إلى حصول الاشتراكيين الثوريين، بجناحيهما، على ما يقرب من 42 في المئة، وهي النسبة الأكبر من أصوات المقترعين، بينما لم يحصل البلاشفة سوى على نسبة 24 بالمئة من الأصوات، بحيث فاز في الانتخابات 175 مندوباً عنهم من مجموع 715، بينما توزعت النسبة المتبقية من أصوات المقترعين على المناشفة وأحزاب سياسية أخرى غير اشتراكية. وإذا كانت الأرياف قد صوتت، عموماً، لصالح الاشتراكيين الثوريين، فقد جاءت نتائج التصويت في المدن الكبرى لصالح البلاشفة في الغالب.

وما أن أُعلنت نتائج انتخابات الجمعية التأسيسية حتى أصدرت اللجنة التنفيذية المركزية لسوفييتات عموم روسيا قراراً يقضي بحلها، وقامت وحدات من الحرس الأحمر، بعد يوم واحد من التئامها في 5 كانون الثاني 1918، باحتلال القصر الذي اجتمع فيه النواب المنتخبون. وفي تبريرهم ذلك القرار، أكد البلاشفة أن الجمعية التأسيسية هي"نتاج القوى الاجتماعية التي سادت قبل انتصار ثورة أكتوبر، وهي قوى، في غالبيتها، مناهضة للثورة.

 

وقد أثار قرار البلاشفة بحل الجمعية التأسيسية ردود أفعال عنيفة في صفوف الحركة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية. وفي إطار السجال الذي احتدم آنذاك بين البلاشفة وخصومهم، برز، بوجه خاص، موقف كارل كاوتسكي الذي كان قد اتّخذ، منذ انتصار ثورة أكتوبر، موقفاً نقدياً من سياسات البلاشفة وممارساتهم. إذ اعتقد كاوتسكي أن الديمقراطية هي الأساس لبناء الاشتراكية، وشدّد على أن نجاح الثورة الاشتراكية يفترض وجود طبقة عاملة "ناضجة" ليس على مستوى الوعي والتنظيم فحسب، وإنما كذلك على مستوى حضورها في المجتمع، وهو ما يشترط درجة عالية من التطور الاقتصادي والاجتماعي، كما يشترط أن تمتلك البروليتاريا تجربة غنية في ممارسة الحريات السياسية والمدنية في إطار نظام برلماني ديمقراطي. فالاشتراكية تمثّل، في تصوّره، "تنظيماً اجتماعياً للإنتاج" و"تنظيماً ديمقراطياً للمجتمع" في آن معاً. من الصحيح أن كاوتسكي لم يرفض فكرة "ديكتاتورية البروليتاريا"، إلا أنه نظر إليها بصفتها سلطة بروليتارية يكون مركزها البرلمان، وتعبّر عن نفسها عبر الديمقراطية السياسية. ولكل هذه الاعتبارات، رفض كاوتسكي بحزم إقدام البلاشفة على تصفية التعددية السياسية، وتوقع، بعد قيامهم بحل الجمعية التأسيسية، أن يتحوّل نظامهم إلى نظام "بونابرتي"، وأن تتحوّل "الديمقراطية السوفييتية" إلى ستار إيديولوجي لسلطة الحزب الواحد المطلقة.

وكما هو معرف، رد لينين بعنف على طروحات كارل كاوتسكي هذه، وخصص لها كتاباً كاملاً وصفه فيه بـ "المرتد" عن الماركسية، الذي انضم "إلى البرجوازية ليسخر من كل فكرة عن الثورة"، و"حوّل ماركس إلى ليبرالي مبتذل". وفي كتابه هذا، أشار لينين إلى أن كاوتسكي عندما يتحدث عن "ازدراء الديمقراطية" من جانب البلاشفة، فهو يطرح مسألة الديمقراطية بوجه عام لا مسألة الديمقراطية البرجوازية، أي الديمقراطية "ما قبل الاشتراكية"، وهي الديمقراطية التي تظل -وإن كانت بمثابة خطوة تاريخية إلى الأمام -ديمقراطية "ضيقة، مبتورة، مزورة، منافقة، فردوساً للأغنياء وفخاً... للمستَثمَرين الفقراء". وأكد لينين أن الديمقراطية البروليتارية تظل "أكثر ديمقراطية بمليون مرة من أية ديمقراطية برجوازية"، وأن سلطة السوفييتات تبقى أكثر ديمقراطية بكثير"من أوفر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية". وفي دفاعه عن قرار البلاشفة بحل الجمعية التأسيسية، عاد لينين إلى الموضوعات التي كان قد كتبها في 26 كانون الأول 1917، وورد فيها أن الاشتراكية الديمقراطية الثورية في روسيا ترى في جمهورية السوفييتات " شكلاً للديمقراطية أرقى من الجمهورية البرجوازية المعروفة التي تقوم فيها جمعية تأسيسية"، وأن مصالح الثورة "تعلو الحقوق الشكلية للجمعية التأسيسية"، معتبراً، في هذا السياق، أن عدم حل الجمعية التأسيسية كان سيعني أنه "لا ينبغي السير بالنضال ضد البرجوازية إلى النهاية، ولا ينبغي إسقاطها، [وإنما] ينبغي أن تتوافق البروليتاريا مع البرجواازية".

وإذا كان ذلك السجال الذي دار بين كارل كاوتسكي ولينين، والمواقف التي تبناها هذا الأخير عشية انتصار الثورة وغداتها، يبيّنان أن زعيم البلاشفة كان مقتنعاً، من حيث المبدأ، بأن"الديمقراطية السوفيتيتة"، التي ستضع لبناتها روسيا الاشتراكية، ستكرس تجربة في الحكم تتفوق على"الديمقراطية البرجوازية" التي عرفتها دول أوروبية أخرى، فإن الباحث الموضوعي، الذي يدرس تلك المرحلة، لا يمكنه تجاهل الظروف الملموسة التي حكمت سياسات البلاشفة وممارساتهم بعد تسلمهم السلطة مباشرة، إذ فُرض عليهم، منذ البدء، أن يواجهوا ثورة مضادة واسعة في الداخل، وتدخلاً عسكرياً خارجياً شارك فيه أكثر من عشرة بلدان، إضافة إلى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي اصطدموا بها، وبخاصة مشكلة المجاعة التي انتشرت على نطاق واسع في البلاد.


تبني سياسة "شيوعية الحرب"

ما أن استلموا السلطة، حتى جابه البلاشفة مقاومة داخلية شرسة اتخذت شكل الحرب الأهلية؛ فوقعت انتفاضات عسكرية ضد سلطتهم في مناطق عديدة من البلاد، وتشكلت حكومات مناهضة لهم في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان وفي شمال القوقاز وفي تركستان. ومنذ مطلع نيسان 1918، بدأ التدخل العسكري الخارجي بنزول قوات يابانية وإنكليزية في ميناء فلاديفستوك، أعقبه توغل قوات إنكليزية وفرنسية في شمال البلاد. وقد أثار هذا التدخل الأجنبي الواسع المشاعر القومية حتى في أوساط خصوم البلاشفة في الداخل، ودفع عدداً من الضباط الموالين للقيصر للانضمام إلى الجيش الأحمر.

وبغية فك الحصار، الداخلي والخارجي، الذي فرض عليهم، شرع البلاشفة، في 3 كانون الأول 1917 ، في مفاوضات مع الحكومة الألمانية هدفها التوصل إلى هدنة تمهد الطريق أمام قيام صلح بين البلدين. وأفضت تلك المفاوضات، التي جرت في بريست-ليتوفسك، إلى اتفاق بأن تتوقف المعارك على الجبهة الروسية الألمانية ما بين 7 و 17 كانون الأول 1917. وفي 9 كانون الثاني 1918، استؤنفت المفاوضات التي ترأسها عن الجانب الروسي تروتسكي، وتمّ التوقيع، في 3 آذار 1918، على صلح بريست- ليتوفسك بشروط قاسية لروسيا، التي اضطرت أن تتخلى عن بولونيا، وليتوانيا، ولاتفيا، واستونيا وفنلندا، وعن جزء من روسيا البيضاء، وأن توقع صلحاً مع أوكرانيا، وأن تتخلى عن مناطق لتركيا.

وكان البلاشفة قد اضطروا، بعد اندلاع الحرب الأهلية والتدخل العسكري الأجنبي، إلى جانب انتشار المجاعة، إلى تبني سياسة اقتصادية عرفت بـ"شيوعية الحرب"، أٌخضع الاقتصاد بناء عليها لمتطلبات تأمين المواد الأساسية للسكان. واتخذت هذه السياسة طابعاً مركزياً شديداً، تميز باللجوء إلى إجراءات قاسية للقضاء على المضاربات، وعلى مقاومة الفلاحين الأغنياء (الكولاك). وفي إطار هذه السياسة، قامت السلطة السوفيتية بتأميم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، واحتكرت تجارة القمح، وتشكلت وحدات عمالية خاصة صارت، بالتعاون مع لجان الفلاحين الفقراء، تجوب الأرياف لجمع القمح ونقله إلى المدن، وتمّ فرض العمل الإجباري على كل شخص يبلغ من العمر ما بين 16 و 50 سنة. وكان المؤتمر السابع للحزب البلشفي، المنعقد في ربيع 1918، قد اتخذ قراراً بتغيير اسم الحزب ليصبح اسمه: "الحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)".

 

تراجع المد الثوري في أوروبا يمهد الطريق أمام "الاشتراكية في بلد واحد"

كان لينين مقتنعاً بأن انتصار الثورة الاشتراكية العالمية، أو انتصارها على الأقل في عدد من البلدان الرأسمالية المتقدمة، هو وحده الذي سيضمن الانتصار الدائم للثورة الروسية ونجاحها في بناء الاشتراكية. ففي تقديره، كانت البروليتاريا الروسية قادرة على البدء بالثورة الاشتراكية، لكن سيكون من الصعب عليها وحدها مواصلتها ودفعها نحو النصر النهائي، أي نحو التنظيم الشامل للمجتمع الاشتراكي.

وكانت الثورة التي أمل بها لينين قد انطلقت بالفعل من فنلندا، حيث نظمت اللجان الشعبية والشيوعية انتفاضة، ما بين 25 كانون الثاني و15 أيار 1918، قضت عليها بالقوة قوات "الحرس الأبيض" الرجعية.

وشهدت ألمانيا، في تشرين الأول-تشرين الثاني 1918، ثورة أجبرت القيصر على الهروب والتوصل إلى الهدنة في الحرب في 11 تشرين الثاني من العام نفسه. ثم اندلعت في برلين، في مطلع كانون الثاني 1919، انتفاضة عمالية واسعة بقيادة "السبارتاكيين"، قُتل على أثرها عدد كبير من الثوار من ضمنهم روزا لوكسمبورغ وكارل ليبخنت. وفي آذار 1921، انتفض عمال برلين مجدداً وقمعت انتفاضتهم بالنار والحديد. وكان الحكم الإمبراطوري قد تهاوى، في تشرين الثاني 1918، في النمسا-هنغاريا، ثم خفق، في آذار 1919، العلم الأحمر في سماء هنغاريا، بعد أن أعلن بيلا كون قيام جمهورية المجالس العمالية، التي قُضي عليها في نهاية آب من العام نفسه. وشملت الحركة الإضرابية، التي اندلعت بتأثير الثورة الروسية، عدداً من البلدان الأخرى في الغرب؛ فاندلع في سويسرا، في تشرين الثاني 1918، إضراب عمالي عام سحقه الجيش بالقوة، ووقعت إضرابات في نهاية سنة 1919 لعمال المعادن والمناجم والسكك الحديدية في الولايات المتحدة الأميركية، وتصاعد التوتر السياسي في فرنسا وبلغ ذروته في أيار 1920، وبرزت في إيطاليا حركة للسيطرة على المعامل في أيلول 1920، وأعلنت البروليتاريا التشيكية الإضراب العام في كانون الأول 1920، كما نظّم عمال المناجم الإنكليز إضراباً واسعاً. وكانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) قد تأسست في موسكو، بمبادرة من لينين، خلال انعقاد مؤتمرها الأول ما بين 2 و 5 آذار 1919. وانتظمت في العديد من البلدان الأوروبية حركات سلمية ولجان تضامن مع الثورة الروسية، تناضل من أجل وقف التدخل العسكري الأجنبي ضد روسيا السوفيتية. وفي هذا السياق، انتفض بحارة الأسطول الفرنسي في البحر الأسود في سنة 1919 ورفضوا المشاركة في الحرب على روسيا، كما امتنع عمال الموانئ الإنكليز عن تحميل الأسلحة على السفن الحربية الإنكليزية المتجهة نحو روسيا. 

ولكن ما أن شارفت سنة 1920 على الانتهاء حتى كانت هذه الموجة الثورية العالمية قد اندحرت، وبقيت الثورة المنتصرة في روسيا معزولة. وهو ما علّق عليه لينين، في 21 تشرين الثاني 1920 بقوله:"عندما طرحنا، قبل ثلاث سنوات، السؤال المتعلق بمهمات وشروط انتصار الثورة البروليتارية في روسيا، قلنا بصورة واضحة إن هذا الانتصار لن يكون مضموناً بصورة نهائية إلا بشرط أن تلقى روسيا دعماً من الثورة البروليتارية في الغرب، وأن ثورتنا لا يمكن تقويمها بصورة صائبة إلا من وجهة نظر عالمية... وبعد ثلاث سنوات من النضال الضاري، نرى إلى أي حد صحت توقعاتنا وإلى أي حد لم تصح. فالأمر الأساسي كان الحفاظ على سلطة البروليتاريا وعلى الجمهورية السوفيتية، بانتظار الثورة الاشتراكية في بقية العالم. ومن وجهة النظر هذه، يتوجب علينا القول إن وضعيتنا الدولية الحالية تعطينا التأكيد الأمثل والأدق لحساباتنا وسياساتنا... فقد انتزعنا حقنا في الوجود الدولي وسط الدول الرأسمالية. والوضع الداخلي للدول الرأسمالية الأقوى لم يسمح لأي منها بأن تدفع جيشها لمحاربة روسيا... من الصحيح أنه دخلت الأراضي الروسية، خلال هذه السنوات الثلاث، قوات إنكليزية، وفرنسية، ويابانية...[لكننا] نجحنا في مقاومة هجومها، وهو أمر يعود أيضاً إلى رفض القوات الفرنسية التعبئة ضدنا، وبروز تململ في صفوف القوات الإنكليزية واليابانية ".

والواقع أن البلاشفة كانوا قد حققوا في سنة 1920 انتصارات كبرى في الحرب الأهلية وفي مواجهة التدخل العسكري الأجنبي، ونجحوا في كسر الحصار المفروض عليهم. وبحلول سنة 1921، كانت الحرب الأهلية قد انتهت، ووقعت الحكومة الروسية، في 16 آذار 1921، اتفاقين مهمين: اتفاق مع تركيا واتفاق تجاري مع انكلترا، وخرجت من عزلتها الدبلوماسية. أما التدخل العسكري الأجنبي فقد اندحر نهائياً بانسحاب القوات اليابانية، في تشرين الأول 1922، من فلاديفستوك.

وهكذا انتصرت ثورة أكتوبر على أعدائها الداخليين والخارجيين وثبّتت أقدامها، ولكن بثمن باهظ، إذ فقدت الإمبراطورية الروسية القديمة 770000 كيلومتر مربع من أراضيها ونحو 30 مليوناً من سكانها، من دون حسبان ضحايا الحرب. وأصبحت كل من بولونيا ودول البلطيق الثلاث وفنلندا دولاً مستقلة. وواجه الاقتصاد الروسي كارثة حقيقية، فانخفض الإنتاج الصناعي انخفاضاً كبيراً، وانتشرت المجاعة على نطاق واسع، الأمر الذي تسبب، من جهة، في اندلاع إضرابات عمالية وانتفاضات فلاحية عديدة، كان من أخطرها التمرد الذي قام به بحارة كرونشتاد المرفأ العسكري لمدينة بتروغراد في نهاية شباط 1921، وتسبب، من جهة ثانية، في دفع لينين إلى التخلي عن سياسة "شيوعية الحرب" وانتهاج سياسة اقتصادية جديدة عُرفت باسم "النيب".

 


السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب): استراحة محارب



أشار لينين أكثر من مرة، بعد انتصار ثورة أكتوبر، إلى أن الحفاظ على السلطة السوفيتية سيكون أصعب من استلامها، معتبراً أن القاعدة الاقتصادية لبناء الاشتراكية غير متوفرة بعد في روسيا، وأن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية فيها سيستغرق وقتاً طويلاً.

 

شرطان لضمان انتصار الثورة الاشتراكية 


ففي نظر لينين، لم يكن في وسع الثورة الاشتراكية أن تنتصر بصورة نهائية في بلد مثل روسيا – يشكّل فيه عمال الصناعة أقلية ويشكّل فيه المزارعون الصغار أغلبية – إلا بشرطين: الأول، أن تدعمها، في الوقت المناسب، ثورة اشتراكية في بلد أو في عدة بلدان أوروبية متقدمة؛ والثاني، أن يتحقق التفاهم بين البروليتاريا، التي تمتلك زمام السلطة السياسة، وبين غالبية السكان من الفلاحين.


وعشية ثورة أكتوبر وغداتها، راهن لينين كثيراً على انتصار ثورة اشتراكية في بلدان أوروبا المتقدمة، تشكّل سنداً للبلاشفة، وتصوّر أن ألمانيا قد تكون مهيأة أكثر من غيرها لمثل هذه الثورة. فعندما استلم البلاشفة السلطة في روسيا، كان لديهم شعور بأنهم ليسوا سوى كتيبة متقدمة في جيش الثورة العالمية الكبير، وهو ما أشار إليه لينين بقوله في التقرير الذي قدمه أمام مندوبي المؤتمر الثالث للسوفييتات المنعقد في سنة 1918: "لقد جرت الأحداث في الواقع خلافاً لما كان يتوقعه كلٌ من ماركس وأنجلز.


فقد توجب علينا، أي على الطبقات الكادحة والمضطَهَدة في روسيا، أن تلعب دور طليعة الثورة الاشتراكية العالمية المشرّف، لكننا نرى الآن بوضوح ارتسام آفاق تطور هذه الثورة: لقد شرع الروسي في الثورة، التي سيكملها من بعده الألماني، والفرنسي والإنكليزي، بما يضمن انتصار الاشتراكية [العالمي]".


وبعد أن خاب أمله في تحقق انتصار قريب للثورة الاشتراكية في بلدان أوروبا المتقدمة، لم يعد أمام لينين من خيار سوى التركيز على الشرط الثاني الذي حدده، معتبراً أن تحالف البروليتاريا مع الفلاحين هو وحده القادر على إنقاذ الثورة الاشتراكية في روسيا، إلى أن تتوفر شروط اندلاع ثورة في البلدان الأوروبية الأخرى. ومن جهة أخرى، صار لينين، في تلك الفترة، يولي أهمية استراتيجية كبرى لآفاق التطور الثوري في بلدان الشرق، المستعمرة وشبه المستعمرة، التي "أدخلتها الحرب الإمبريالية في تاريخ العالم"، معتبراً أن أمل شعوب هذه البلدان في التحرر بات مرتبطاً بانتصار الثورة العالمية، وأن البروليتاريا العالمية هي الحليف الوحيد لمئات الملايين من الكادحين والمضطَهدين في الشرق.



لينين والتوجه نحو "النيب" 


في ربيع سنة 1921، كانت أراضي روسيا قد تحررت من القوات الأجنبية التي غزتها وانتهت الحرب الأهلية، ما طرح على السلطة السوفيتية بإلحاح مسألة إعادة بناء الاقتصاد. فالوضع الاقتصادي للبلاد كان مأساوياً، في ظل افتقاد المواد الأولية ووسائل التدفئة من الأسواق، وقيام أكثر من 200 مصنع بإغلاق أبوابه، وبخاصة في قطاع النسيج، وانتشار المجاعة على نطاق واسع. وفي ظل استمرار سياسة المصادرة في الأرياف، التي شهدت موجات جفاف قاسية، تعاظم استياء الفلاحين إلى حد كبير، وصارت قطاعات واسعة منهم تنتفض على السلطة. 


كان تخفيف القيود المفروضة على الفلاحين هو نقطة انطلاق السياسة الاقتصادية الجديدة التي عُرفت بـ "النيب". فبمبادرة من لينين، تقرر في المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي (البلشفي) في روسيا الذي عقد في آذار 1921، أن يُستعاض عن نظام مصادرة المنتجات الغذائية في الأرياف باقتطاع جزء محدد من فوائض إنتاج الفلاحين على شكل ضريبة عينية، تُحتسب على أساس طبيعة المنتوج وعدد أفراد الأسرة الفلاحية وحجم قطعة الأرض المستثمرة، وتوظّف فقط لتغطية الحاجات الأساسية للجيش، والعمال، وسكان المدن. وخلال سنة 1921-1922، جرى تخفيض هذه الضريبة العينية بنسبة 10 في المئة، وصارت تقتصر على القمح والشعير، ثم تحوّلت في سنة 1924إلى ضريبة نقدية ذات طبيعة تصاعدية، بحيث يكون مقدارها على الفلاحين الأغنياء أكبر من مقدارها على غيرهم من الفلاحين المتوسطين والفقراء.


ومع أن الأرض، وقطاعات الصناعة الكبيرة، ووسائل النقل، والتجارة الخارجية، ظلت ملكيتها في أيدي الدولة، فقد تقرر، في إطار هذه السياسة الاقتصادية الجديدة، تمكين رأس المال الفردي الخاص من الاستثمار في التجارة الداخلية، وتبادل المنتجات الصناعية في مقابل المنتجات الزراعية، بحيث أصبحت التجارة هي الشكل الأساسي للعلاقات الاقتصادية بين المدينة والريف وبين قطاع الدولة والقطاع الخاص. كما أعيدت المصانع الصغيرة والمؤسسات الحرفية التي يقل عدد عمالها عن عشرة –وجرى تأميمها في ظل نظام "شيوعية الحرب"- إلى مالكيها، الذين صار في وسعهم بيع منتجاتهم بحرية في الأسواق. كما صدرت مراسيم ألغت العمل الإجباري، الذي فُرض زمن "شيوعية الحرب"، وسمحت للمواطنين بالتنقل بحرية، ورفعت أجور اليد العاملة المؤهلة، وتمّ إقرار خطة طموحة لنشر الكهرباء على نطاق واسع في روسيا.

 

طبيعة "النيب" وآفاق تطورها في تصوّر لينين 


كان لينين قد بدأ يشعر، منذ ربيع العام 1920، بالحاجة إلى انتهاج سياسة اقتصادية جديدة، تكون قادرة على إعادة بناء الاقتصاد المدمر وتحسين مستوى معيشة السكان. وكان واعياً، كما بيّنت الملاحظات التي كتبها تمهيداً للخطاب الذي ألقاه أمام مندوبي المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية في تشرين الثاني 1922، أن تبني مثل هذه السياسة الاقتصادية الجديدة هومسألة مصيرية بالنسبة لمستقبل الثورة، إذ كتب في الملاحظة التاسعة منها: "منذ خمس سنوات، ونحن وحدنا؛ فحتى هذه اللحظة لم تندلع ثورة في البلدان الأخرى؛ ونحن في مواجهة الحرب والمجاعة. فهل علينا أن نفنى؟" .


لقد أعادت سياسة "النيب" إحياء الإنتاج البضاعي وعلاقات السوق، ومثّلت، في نظر لينين، عودة إلى مرحلة "انتقالية" بين الرأسمالية والاشتراكية، تقوم على اقتصاد مختلط تتعايش فيه العلاقات الرأسمالية، لا سيما في الزراعة والإنتاج الصناعي الصغير، مع سيطرة الدولة على الأرض والصناعات الكبيرة واحتكارها التجارة الخارجية. من الصحيح أن سياسة "النيب" مثّلت تراجعاً – كما رأى - لكنه تراجع تكتيكي، سيسمح بتطوير القوى المنتجة وإعادة توفير الموارد اللازمة للقيام بقفزة جديدة نحو الاشتراكية.


وكان لينين، الذي عارض اتّباع سياسة الإكراه إزاء الفلاحين، يأمل بأن تشجع هذه السياسة الفلاحين على زيادة إنتاجهم، معتبراً أن انضمام الفلاحين الطوعي إلى التعاونيات سيوفر شروط قيام الاشتراكية في الزراعة، وأن التعاونيات يمكن أن تمثّل "مؤسسات اشتراكية" تربط مصالح الفلاحين الفردية بمصالح الدولة العامة. كما كان مقتنعاً بأن مكافحة ظاهرة تكاثر فئة الفلاحين الأغنياء (الكولاك) لا يمكن أن يتمّ باللجوء إلى "تدابير قسرية"، وينظر إلى تجميع الأراضي باعتباره هدفاً يحتاج تحققه إلى وقت طويل، ويتطلب مرور الفلاحين بأشكال انتقالية من التعاون، واصفاً أولئك الشيوعيين الذين كانوا يراهنون على تحويل أساس الزراعة الصغيرة الاقتصادي، في مدى سنوات قليلة، بأنهم "من ذوي التفكير الخيالي"، ومؤكداً أن تحويل المزارع الصغير، بما يشمل تغيير ذهنيته وعاداته، سيكون"مهمة أجيال بكاملها".


وفي تقريره أمام مندوبي المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)، في آذار 1921، لاحظ لينين أن الفلاحين المتوسطين باتوا يشكّلون غالبية السكان في الأرياف، بعد أن امّحت التناقضات وتمّ توزيع الأراضي، وشدّد على ضرورة كسب تأييد هؤلاء الفلاحين وإرضائهم من خلال ضمان حرية التبادل، أي حرية التجارة، التي تعني حرية الرأسمالية إلى حد ما، شريطة أن يتمّ ذلك في حدود لا تؤدي إلى نسف سلطة البروليتاريا السياسية. وأشار لينين، في هذا السياق، إلى أن السلطة السوفييتية ارتكبت في الماضي الكثير من الأخطاء، عندما مضت بعيداً جداً في طريق تأميم التجارة والصناعة وتجميد المبادلات المحلية، وأن أوضاع الحرب الصعبة فرضت اتّباع الأسلوب العسكري في الميدان الاقتصادي أيضاً.


وبسبب عجز الصناعة الروسية عن توفير المنتجات اللازمة لتنشيط حركة المبادلات بين المدن والأرياف، أعار لينين، في ذلك الحين، أهمية خاصة لتطوير علاقات روسيا الاقتصادية، لا سيما في ميدان التجارة، مع البلدان الرأسمالية المتقدمة، ودعم بحزم فكرة منح الرساميل الأجنبية تسهيلات معينة للمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد الروسي المدمر. وكان المرسوم الخاص بـ "الامتيازات" الأجنبية قد صدر منذ 23 تشرين الثاني 1920، مؤذناً ببداية التوجه لانتهاج سياسة اقتصادية جديدة في ميدان العلاقات الخارجية، ومؤكداً أن السلطة السوفيتية "تضمن عدم تأميم ملكية أصحاب الامتيازات، وعدم مصادرتها أو وضع اليد عليها". وفي السادس عشر من آذار 1921، وقّعت روسيا اتفاقية تجارية مهمة مع انكلترا، ثم أبرمت اتفاقيات تجارية مع كلٍ من ألمانيا وإيطاليا والنرويج والنمسا وبلدان أخرى، وطبَّعت، في الوقت نفسه، علاقاتها مع كلٍ من تركيا وأفغانستان وإيران. ولم يكن يخفى على لينين أن كل هذه الإجراءات، المتخذة في إطار سياسة "النيب"، ستساعد على انتعاش العلاقات الرأسمالية، لكنه كان يراهن على إمكانية التحكم في نمو هذه العلاقات طالما ظلت السلطة السياسية في أيدي ممثلي الطبقة العاملة.


وعموماً، جاءت نتائج السنوات الأولى لـ "النيب" مرضية ومشجعة، إذ أدت هذه السياسة الاقتصادية الجديدة، على الرغم من الظروف المناخية القاسية، إلى تحسين الأوضاع في الأرياف، وساعدت على زيادة حجم الإنتاج من الحبوب، وعلى تحقيق تقدم ملموس في مجال تربية المواشي. كما كان من نتائج تلك السياسة الاقتصادية الجديدة تحسين مستويات الإنتاج الصناعي، على الرغم من معاناة الصناعة من قلة عدد العمال والكوادر المؤهلين. أما سياسة التوجه نحو الرساميل الأجنبية لتحفيزها على الاستثمار في الاقتصاد الروسي فقد باءت بفشل ذريع، إذ امتنعت الشركات والمؤسسات الغربية عن توظيف أية أموال في قطاعات هذا الاقتصاد، متذرعة برفض السلطة السوفييتية الجديدة الاعتراف بالديون القديمة المستحقة على الحكومة الروسية قبل انتصار ثورة أكتوبر.



انفتاح اقتصادي لم يترافق مع انفتاح سياسي 


بيد أن هذا الانفتاح الاقتصادي الذي انطوت عليه سياسة "النيب"، وكرّس شكلاً من أشكال التعددية الاقتصادية في البلاد، لم يترافق مع انفتاح سياسي ومع تبلور تعددية سياسية، بل ترافق مع تصفية شكل "التعددية الاشتراكية" التي كانت تسود في إطار الحزب الواحد الحاكم، لا سيما بعد بروز تكتلات مختلفة داخله صارت تهدد وحدته.


فمنذ أواخر سنة 1920، تشكّلت "معارضة عمالية" بزعامة شليابنيكوف، جمعت قادة نقابات المعادن والمناجم، وعدداً من القادة النقابيين الآخرين، وشرعت في تنظيم مجموعات سرية في موسكو، باسم "جماعة العمال" و"جماعة الحقيقة العمالية". وكان قادة هذه المعارضة يرون أن النقابات يجب أن تكون المنظّم الوحيد المسؤول عن الاقتصاد، ويدعون إلى انتهاج سياسة التصنيع الثقيل. ومع أن المؤتمر العاشر للحزب، في آذار 1921، قد أدان هذه "المعارضة العمالية"، وحدد دور النقابات، باعتبارها "مدرسة للشيوعية" تساهم في تربية العمال على قواعد الإنتاج الحديث، وعلى كيفية تحسين إنتاجية العمل ومواجهة الانحرافات البيروقراطية، إلا أنه لم يوقف نشاطها، بل انتخب زعيمها، شليابنيكوف، عضواً في اللجنة المركزية، هو وقائد آخر من قادتها. وفي آذار 1922، وبعد أن قدم شليابنيكوف في المؤتمر الحادي عشر، الذي عقد في آذار 1922، خطاباً ينتقد فيه سياسة "النيب" وتوجهها في صالح الفلاحين، تدخل لينين شخصياً وأكد "أن هناك حاجة، في الظروف الحالية، للانصياع للحزب والالتزام بالانضباط الحزبي". ووجّه المؤتمر، بعد نقاشات عنيفة، إنذاراً لشليابنيكوف، وهو ما آذن بالانهيار السريع لهذه "المعارضة" ثم حلها.


وكان المؤتمر العاشر للحزب قد أصدر، في مقرراته، قراراً بتحريم النشاط التكتلي داخل الحزب وحل جميع التكتلات القائمة فيه بلا استثناء، داعياً جميع أعضاء الحزب إلى العمل على تعزيز الوحدة بين صفوفه، بصفتها الشرط الأساسي لنجاح سياساته وضمان حسن تفاهم حقيقي بين أعضائه يجسّد فعلاً "وحدة إرادة طليعة البروليتاريا"، مشيراً إلى أن التكتل داخل الحزب "يُضعف حسن التفاهم هذا ويؤدي إلى تعميق الفرقة واستغلالها لمآرب الثورة المضادة".


أما فيما يتعلق بالموقف من الأحزاب السياسية الأخرى، فقد كان تروتسكي قد أثار هذه المسألة في مقال له نشرته صحيفة "البرافدا"، في 10 أيار 1922، في صيغة تساؤل عن إمكانية السماح، بعد انتهاء الحرب الأهلية وانتهاج سياسة "النيب"، بنشاط أحزاب سياسية أخرى، إلا أنه استبعد مثل هذه الإمكانية معتبراً أن روسيا السوفيتية "لا تزال قلعة محاصرة ". بينما صرّح زينوفييف، العضو الآخر في المكتب السياسي، في خطاب ألقاه أمام مندوبي المؤتمر الحادي عشر للحزب في آذار 1922، بما يلي: "لقد أصبحنا الحزب الشرعي الوحيد القائم في البلاد، وبتنا نحتكر العمل السياسي...لقد قمنا بحرمان خصومنا من أي حرية سياسية، لكن لم يكن في وسعنا أن ننهج نهجاً آخر".


وبتكريس سلطة الحزب الواحد، برزت مسألة العلاقة بين الحزب والدولة، وطُرحت مهمة تعزيز دور كوادر الحزب في الإشراف على هيئات الدولة وأجهزتها. وبهدف توفير الكوادر الحزبية اللازمة، قامت قيادة الحزب بتوسيع جهازها المتفرغ، بحيث ازداد عدد المتفرغين في جهاز اللجنة المركزية للحزب من 80 متفرغاً في أواخر سنة 1919 ليصل إلى 602 في سنة 1921، وباتت اللجنة المركزية للحزب تتدخل في كل الشؤون الصغيرة والكبيرة المتعلقة بالإدارة والاقتصاد والنشاط الإيديولوجي، وامتدت سيطرتها لتشمل اتحاد الشباب واتحاد النقابات العمالية وكل المنظمات الاجتماعية. 



لينين يحذر قبل رحيله من استفحال البيروقراطية ويدعو إلى ثورة ثقافية


كانت وجهة نظر لينين منذ البداية أن آفاق الاشتراكية في روسيا سترتسم عندما يطوّر العمال والفلاحون مبادراتهم السياسية الخاصة ويشاركون أكثر فأكثر في إدارة الدولة، وهو ما يمثّل، في نظره، مهمة صعبة التحقيق في بلد متأخر مثل روسيا، إذ كتب: "ليست أقلية – أي الحزب – هي من سيحقق الاشتراكية، بل من سيفعل ذلك هم عشرات الملايين من الأشخاص، الذين سيتعلمون بأنفسهم كيف يفعلون ذلك". أما مهمة البلاشفة فهي تسريع سيرورة تعليم الطبقات الكادحة. وفي الفترة الأخيرة من حياته، صار لينين يحذر من الروتين البيروقراطي لعمل الحزب، ويدعو إلى ضم عدد أكبر من العمال والفلاحين إلى لجنته المركزية، وإعدادهم لإدارة الدولة بحسب المعايير الإدارية الحديثة السائدة في أوروبا الغربية، معتبراً أن الاشتراكية في روسيا لن يكون لها مستقبل ما لم تنجح في تملك شروط الحضارة الحديثة في أسرع وقت ممكن.


كان وجود لينين على رأس الحزب الشيوعي، على الرغم من الخلافات الكثيرة التي كانت تندلع بين الحين والآخر داخل قيادته، يشكّل ضامناً رئيسياً لوحدة صفوفه. ومنذ أواخر العام 1922، صار لينين يعبّر عن مخاوفه من حصول انقسامات داخل قيادة الحزب، قد يتسبب بها، في المقام الأول، كلٌ من ستالين وتروتسكي: "فالنقطة الجوهرية في مسألة تماسك الحزب – كما كتب - هي وجود أعضاء في اللجنة المركزية، مثل ستالين وتروتسكي، قد تشكّل العلاقات بينهما خطراً رئيسياً يؤدي إلى انقسام ".


وكان لينين هو نفسه الذي اقترح، في المؤتمر الحادي عشر للحزب المنعقد في آذار 1922، أن يشغل ستالين منصب الأمين العام للحزب، باعتباره "منصباً إدارياً" في الأساس، وذلك قبل أن يلحظ، بعد بضعة شهور، نزوع ستالين إلى تركيز سلطات غير محدودة بين يديه، وأسلوبه "الفظ" في التعامل مع الآخرين. ففي ملاحظات صاغها في 24 كانون الأول من ذلك العام، تمهيداً لانعقاد المؤتمر الثاني عشر للحزب في نيسان 1923 - الذي لم يتمكن بسبب مرضه من المشاركة فيه – لكنها لم تنشر داخلياً سوى في سنة 1927 لدى انعقاد المؤتمر الخامس عشر للحزب؛ في تلك الملاحظات، شجع لينين رفاقه على البحث عن وسيلة لإقصاء ستالين عن منصبه "الإداري" هذا، وأخذ عليه، وعلى زعماء بلاشفة آخرين، ما أسماه بنزعة "الروسي الأكبر" القومية، لا سيما في تعاملهم مع المسألة الجورجية، فكتب: "لقد جمع الرفيق ستالين بين يديه، بعد أن أصبح سكرتيراً عاماً، سلطات غير محدودة". ثم أضاف بعد أيام على هذا التاريخ: "الرفيق ستالين فظ جداً، وهذه المثلبة... ليست مقبولة عند رفيق يضطلع بوظائف السكرتير العام. لذلك، أقترح على الرفاق أن يدرسوا وسيلة لإقالة ستالين من هذا المنصب وتعيين رفيق آخر مكانه، لا يتميز عنه سوى بكونه أكثر تسامحاً، وأكثر وفاء، وأكثر لباقة، وأكثر استماعاً للرفاق"، معتبراً أن هذا الأمر "ليس تفصيلاً، بل قد يكون تفصيلاً لكنه يكتسي أهمية كبيرة". أما بخصوص تروتسكي، فقد أخذ عليه ثقته الزائدة بنفسه وتعامله الإداري البحت مع المسائل، فكتب: "يتميّز الرفيق تروتسكي بقدرات كبيرة... لكنه يميل إلى ثقة مبالغ فيها بنفسه، كما يميل، بصورة مبالغ فيها، نحو الجانب الإداري البحت للأمور".


وفي كتاباته الأخيرة، صار شغل لينين الشاغل التحذير من مخاطر ظاهرة البيروقراطية، الموروثة عن العهد القيصري، واستفحالها في صفوف الحزب وداخل أجهزة الدولة: "إن جهاز دولتنا، باستثناء مفوضية الشعب للعلاقات الخارجية، يشكل، إلى حد كبير – كما كتب - إرثاً من الماضي، ولم تطرأ عليه سوى تغيّرات محدودة جداً؛ فقد تم تجميله على السطح، بينما بقي نمط جهاز الدولة القديم". وبغية مواجهة هذه الظاهرة، شدّد لينين على ضرورة القيام بثورة ثقافية تتصدى لمشكلة التخلف الثقافي في المجتمع، باعتبارها من أكبر المشكلات التي تواجهها السلطة السوفييتية، لا سيما بعد أن هاجر أكثر من 80 في المئة من المثقفين والكوادر المؤهلين إلى خارج روسيا. وكان النجاح في تحقيق هذه الثورة الثقافية يتطلب، في نظره، تطوير التعليم، وتصفية الأمية، وتهيئة الكوادر التقنية. ففي 6 كانون الثاني 1923، كتب: "لقد سبقت الثورة السياسية والاجتماعية في روسيا الثورة الثقافية التي تفرض نفسها علينا الآن، إذ ما أن ننجزها حتى نصبح بلداً اشتراكياً. لكن هذه الثورة الثقافية تطرح علينا صعوبات ذات طابع ثقافي (الأمية) وطابع مادي في آن معاً، لأننا كي نصبح أشخاصاً متملكين للثقافة يتوجب على وسائل الإنتاج المادية عندنا أن تحقق نوعاً من التطور، وأن نمتلك قاعدة مادية".

 

 

ستالين والانعطاف الكبير


في شهر نيسان 1922، أصيب لينين باضطرابات صحية خطيرة أقعدته بصورة تامة، في 9 آذار 1923 عن الحركة، وأدت إلى وفاته في 21 كانون الثاني 1924 في منزله في قرية غوركي الصغيرة. وتشكّلت لخلافته قيادة ثلاثية لم تكن متجانسة على الصعيد السياسي، ضمت كلاً من ستالين، كامنييف وزينوفييف.


كانت الخلافات السياسية والتنظيمية قد بدأت تحتدم داخل قيادة الحزب الشيوعي حتى قبل وفاة لينين. فمنذ صيف 1923، سعى زينوفييف إلى تجميع أنصاره وعقد لهذا الغرض اجتماعاً تكتلياً لهم. وفي 15 تشرين الأول من العام نفسه، نشر 46 عضواً من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي رسالة الى المكتب السياسي يطالبونه فيها بإلغاء قرار منع التكتلات داخل الحزب، كان من ضمنهم عدد من أنصار تروتسكي ومن أعضاء "المعارضة العمالية" القديمة. وفي 4 كانون الأول، نشر تروتسكي سلسلة مقالات في "البرافدا" ينتقد فيها البيروقراطية ويحمّل مسؤوليتها لـ "الحرس البلشفي القديم". بيد أن الكونفرنس الثالث عشر للحزب، الذي التأم في كانون الثاني 1924، أكد رفض أي نشاط تكتلي، ملوحاً بمعاقبة وحتى بفصل كل من يلجأ إليه، وثبّت، بناءّ على توصية من اللجنة المركزية، ستالين في موقع الأمين العام، حرصاً منه على وحدة الحزب.


بيد أن الأحداث اللاحقة بيّنت أن تلك الوحدة لم تصمد طويلاً أمام الخلافات السياسية والإيديولوجية التي عادت واحتدمت داخل قيادة الحزب حول العديد من القضايا، ومن أبرزها قضية التصنيع وقضية تجميع الأراضي وتشريكها، بترابطهما مع قضية البناء الاشتراكي.



نتائج متفاوتة تحققها سياسة "النيب"


حققت السياسة الاقتصادية الجديدة "النيب" نتائج جيدة في سنواتها الأولى. إذ شهدت سنة 1924 تسارعاً في وتائر نهضة الاقتصاد، وتواصل النمو الديموغرافي وتحسنت علاقات الاتحاد السوفييتي مع العديد من الدول الرأسمالية. وبغية إنعاش الزراعة، التي عانت كثيراً من تطبيق سياسة "شيوعية الحرب"، بذلت السلطة السوفيتية جهوداً حثيثة لتحسين مستوى حياة الفلاحين، الذين منحوا، ما بين عامَي 1923 و1926، مساعدات بقيمة 400 مليون روبل لتشجيع الأشكال التعاونية فيما بينهم على مستوى التنظيم والإنتاج. كما قدمت الحكومة مساعدات تقنية لهم من خلال تطوير استخدام التراكتورات التي تضاعف إنتاجها. وفي سنة 1925، بلغت قيمة الإنتاج الزراعي 95 في المئة من قيمته في سنة 1913. كما حصل تقدم ملموس في مجال تربية المواشي.


كان الفلاحون المتوسطون، الذين كانوا يشكّلون، في سنة 1925، حوالي 64 في المئة من مجموع عدد الفلاحين، والفلاحون الأغنياء (الكولاك)، الذين كانوا يشكّلون في السنة نفسها 9 ، 6 في المئة من مجموع عدد الفلاحين، هم أكثر المستفيدين من سياسة "النيب"، بسبب دورهم في تسويق المنتجات الزراعة، بينما لم تساعد تلك السياسة كثيراً في تحسين مستوى معيشة الفلاحين الفقراء والفلاحين المحرومين من الأرض. وفي سنة 1927، وبسبب الأحوال المناخية السيئة، تدنى مستوى الإنتاج الزراعي إلى حد كبير، ووقفت البلاد على حافة مجاعة جديدة، وانخفض تسويق المنتجات الزراعية إلى ما دون مستواه في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وسارع "الكولاك"، بما امتلكوه من فائض زراعي، إلى استغلال تلك الأوضاع، لا سيما في مجال المضاربات.


أما تطور الصناعة، فقد تسارعت وتائره اعتباراً من سنة 1925، إذ أقيمت مصافي تكرير النفط في باكو، وجرى تحديث مناجم الفحم في مناطق عديدة من البلاد، وبرزت مصانع القطن، وتزايد عدد العاملين في الصناعات الكبيرة، التي بقيت تشكو من نقص العمال المؤهلين، والكوادر التقنية، ومن قلة رؤوس الأموال المستثمرة وسوء وسائل المواصلات. وبقي التخلف الثقافي لشعوب الاتحاد السوفييتي يمثل عقبة كبيرة أمام تطور الاقتصاد، إذ ظل عدد الأميين كبيراً وكذلك عدد محدودي الثقافة، ولم يطبّق مرسوم سنة 1919 الخاص بالقضاء على الأمية سوى بصورة جزئية بسبب نقص الموارد المادية والبشرية. ومع ذلك، كانت سنوات "النيب" مرحلة مهمة على طريق تطوير التعليم الأساسي، وإغناء الحياة الثقافية والإبداع الأدبي، إذ أقيمت، خلالها، العديد من المكتبات، ونوادي العمال ومدارس البالغين، بفضل الجهود التي بذلتها منظمة الشبيبة الشيوعية والنقابات العمالية. كما تشكلت في تلك السنوات جمعيات ثقافية واجتماعية عديدة، مثل "جمعية النجدة الحمراء"، و"جمعية أصدقاء الراديو"، و"جمعية أصدقاء الطفولة"، و"جمعية تسقط الأمية".


بيد أنه طوال تلك السنوات، بقي الزعماء البلاشفة يفكرون بمستقبل الاشتراكية، ويتساجلون بشأن طرائق بنائها. وقد تبلورت، على قاعدة السجال الذي دار في تلك الفترة، اتجاهات رئيسية ثلاثة، كانت مواقفها متحركة ومتداخلة في بعض الأحيان، وهي الاتجاه الذي عُرف باسم "المعارضة اليسارية"، وتزعمه تروتسكي، والاتجاه الذي عُرف باسم "المعارضة اليمينية"، أو "الانحراف اليميني"، وتزعمه بوخارين، والاتجاه الثالث الذي قاده ستالين نفسه، الذي جعل، منذ كانون الأول 1924، من موضوعة "بناء الاشتراكية في بلد واحد" عقيدة جديدة، مبرراً تبينها بإخفاق الثورة خارج الاتحاد السوفييتي، وراح ينحو، منذ المؤتمر الرابع عشر للحزب في كانون الأول/ديسمبر 1925، في اتجاه فرض سيطرته الكاملة على الحزب والدولة، ونجح في تصفية معارضيه الواحد تلو الآخر.



تروتسكي و"المعارضة اليسارية"


كانت "المعارضة اليسارية" بزعامة تروتسكي، التي وقفت ضد موضوعة " بناء الاشتراكية في بلد واحد"، تعتقد بأن الدولة العمالية التي يمثّلها الاتحاد السوفييتي ستكون في حاجة، إلى حين انتصار الاشتراكية انتصاراً كاملاً على الصعيد الأوروبي، إلى تعزيز قاعدتها الاجتماعية ممثلة في الطبقة العاملة، وتمتين قاعدتها المادية ممثلة في الصناعة، لا سيما الصناعة الثقيلة، وذلك كي تكون قادرة على حماية التحالف العمالي-الفلاحي في الداخل والنضال ضد الرأسمالية العالمية في الخارج. ومنذ سنة 1923، لاحظ تروتسكي أن "النيب"، وإن كانت قد ساهمت في تطوير القوى المنتجة، إلا أن هذا التطوّر لم يكن في مصلحة الدولة العمالية لأنه لم يساهم في تطوير الصناعة الثقيلة أصلاً، وإنما كان في صالح الإنتاج الفردي الصغير، الزراعي والحرفي. وفي سنة 1925، اعتبر تروتسكي أن السياسة المعتمدة من قبل محور ستالين-بوخارين، القائمة على تشجيع البرجوازية الصغيرة الفلاحية وأصحاب المؤسسات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، تشكّل تهديداً خطيراً للقاعدة السياسية –الاقتصادية التي تستند إليها الدولة العمالية. وفي مواجهة هذه السياسة، دعا تروتسكي إلى التركيز على التصنيع باعتباره السلاح القادر على حماية الدولة العمالية، وتعزيز قاعدتها المادية وتصفية ما أسماه بالتشوه البيروقراطي الذي أصاب جسمها، وشدّد على ضرورة مكافحة الفلاحين الأغنياء (الكولاك) في الريف، والعمل على تحسين مواقع ومستوى معيشة الفلاحين الفقراء من خلال تخصيصهم بالقروض الزراعية وتطوير الأشكال الاجتماعية للإنتاج الزراعي. أما بخصوص وتائر التصنيع، فقد انتقد تروتسكي بشدة موضوعة بورخارين القائلة بضرورة التوجّه نحو الاشتراكية بـ "خطى السلحفاة"، من خلال ربط نمو الصناعة بنمو الزراعة، معتبراً أن تطوير القوى المنتجة في الاتحاد السوفييتي يجب أن يتحقق بوتائر أسرع نسبياً من وتائر تحققه في اقتصاديات البلدان الرأسمالية المتقدمة، وذلك كي يكون في وسع الدولة العمالية أن تُظهر بصورة ملموسة تفوق الاشتراكية على الرأسمالية، وتحول دون انجذاب قطاعات البرجوازية الصغيرة نحو الرأسمالية. وإلى جانب تشديدها على ضرورة تسريع وتائر التصنيع الثقيل، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد "الكولاك"، انتقدت "المعارضة اليسارية" ضعف الالتزام بالديمقراطية داخل الحزب وعدم فعالية التدابير المتخذة لمكافحة البيروقراطية، وظلت تروّج فكرة "الثورة الدائمة" التي أقلقت أعضاء الحزب وقطاعات واسعة من السكان لكونها تنطوي على خطر اندلاع الحرب من جديد.


ومنذ سنة 1925، انتقد المكتب السياسي للحزب الشيوعي مواقف تروتسكي هذه، ووجّه له توبيخاً بصفته "تحريفياً مناهضاً للبلاشفة"، وعزله عن منصب مفوض الشعب لشؤون الحرب، لكنه حافظ على عضويته في المكتب السياسي. وفي سنة 1926، حاول تروتسكي التحالف مع كامنييف وزينوفييف ومع زعماء "المعارضة العمالية" القديمة وعلى رأسهم شيليابنيكوف، فتقرر، في تشرين الأول من ذلك العام، فصل تروتسكي وكامنييف من المكتب السياسي وإنهاء مهمة زينوفييف كممثل للحزب الشيوعي الروسي في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية (الكومنترن). وفي كانون الأول 1927، اتخذ المؤتمر الخامس عشر للحزب قراراً بفصل تروتسكي وعدد من أنصاره من الحزب، وذلك رداً على قيامهم بتنظيم مظاهرات حاشدة في لينينغراد وموسكو وخاركوف في ذكرى الثورة العاشرة، ثم تقرر، في كانون الثاني 1928، نفي تروتسكي إلى مدينة آلما آتا، وطرده في شباط 1929 إلى خارج الاتحاد السوفييتي. وبذلك، أُسدل الستار على "المعارضة اليسارية" التي قادها .



ستالين والتحوّل عن سياسة "النيب"


والمفارقة في الأمر –وما أكثر المفارقات في تاريخ الاتحاد السوفييتي – أن مؤتمر الحزب الخامس عشر نفسه، الذي أقرّ فصل تروتسكي، تبنّى، إلى حد ما، الأفكار ذاتها التي طرحها ممثلو "المعارضة اليسارية"، إذ دعا ريكوف، رئيس مجلس مفوضي الشعب، في كلمته أمام مندوبي ذلك المؤتمر، إلى إعطاء الأولوية، في اهتمامات مجلس مفوضي الشعب، إلى مسألة تطوير الصناعة الثقيلة، معتبراً أنه لا بدّ من انتزاع رؤوس الأموال اللازمة لإنجاز هذه المهمة من الفلاحين. أما مولوتوف، فقد دعا، في كلمته، الشيوعيين إلى إيلاء اهتمام أكبر لعمليات التمايز الاجتماعي الجارية في الأرياف، وشدّد على ضرورة تعزيز تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين الفقراء والمتوسطين في مواجهة "الكولاك"، وتقديم دعم أكبر للتعاونيات الفلاحية في الريف.


والواقع، أن المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي شكّل منعطفاً على طريق تصفية سياسة "النيب"، استناداً إلى موضوعة الاقتصادي بريوبراجنسكي بشأن "التراكم البدئي الاشتراكي"، الذي حدد "قوانينه العامة" في كتابه: "الاقتصاد الجديد"، معتبراً أنه من الضروري، بغية مقاومة القوى الرأسمالية، أن تركّز الدولة في المقام الأول على تصنيع وسائل الإنتاج، من دون التردد في الضغط على الاقتصاد الفلاحي والحد من الاستهلاك بهدف ضمان الحصول على الاستثمارات اللازمة. وكتب: "إن فكرة أن الاقتصاد الاشتراكي في وسعه أن يتطور بنفسه من دون أن يلمس موارد البرجوازية الصغيرة، بما فيها الاقتصاد الفلاحي، هي فكرة رجعية، وطوباوية برجوازية صغيرة".

 
ومنذ مطلع سنة 1928، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، مستندة إلى الظروف المناخية القاسية وإلى تراجع حجم مشتريات الدولة من الحبوب، توجيهاً إلى المنظمات الحزبية تدعوها فيه إلى تنظيم حملة واسعة لإرغام الفلاحين على بيع فوائض إنتاجهم من القمح إلى الدولة، ألحقته بقرار يقضي بإرسال 30 ألفاً من أعضاء الحزب إلى الأرياف، وذهب ستالين بنفسه إلى سيبيريا لقيادة حملة جمع الحبوب. كما اتخذت اللجنة المركزية للحزب مجموعة من الإجراءات للضغط على "الكولاك"، صارت تطاول فيما بعد قطاعات واسعة من الفلاحين غير الأغنياء، وظهرت في بعض مناطق البلاد، في صيف ذلك العام، بطاقات خاصة لتقنين عمليات توزيع الخبز. وفي التاسع من تموز 1928، ألقى ستالين خطاباً أمام اللجنة المركزية للحزب كان جوهرياً لفهم أسباب السياسات التي انتهجت في سنوات 1928-1934. فأكد في البداية أنه نظراً إلى عدم إمكانية تمويل التطور الصناعي باللجوء إلى الاقتراض من الخارج، فإن الحل الوحيد هو تصنيع البلاد بفضل التراكم الداخلي. أما الموارد الرئيسية لهذا التراكم فيجب تأمينها من خلال "تصعيد الهجوم على الكولاك"، بالاستناد إلى نقاط ارتكاز الطبقة العاملة في الأرياف، أي مزارع الدولة (السوفخوزات) والمزارع التعاونية (الكولخوزات) وتعاونيات التموين والبيع ومجالس السوفييتات الريفية والفلاحين الفقراء. أما فئة الفلاحين المتوسطين فقد وصفها بالفئة "المترددة"، ومن هنا ضرورة تعزيز نشاط الحزب بين الفلاحين الفقراء. ومنذ ذلك الخطاب، بدأ ستالين بتطوير موضوعته القائلة بأن الصراع الطبقي يتعاظم في مرحلة بناء الاشتراكية، التي وفرت له مبرر اللجوء إلى السياسات الإكراهية في الريف.


ونظراً إلى قلة عدد "السوفخوزات"، التي لم تكن تشغل أكثر من 2 ، 1 في المئة من مجمل مساحة الأراضي المزروعة، و"الكولخوزات"، التي لم تكن تشغل سوى 7 ، 1 في المئة من مجمل مساحة هذه الأراضي، كان يعيش ويعمل فيها حوالي مليون مزارع (12)، تقرر تسريع وتائر عمليات تجميع الأراضي وتشريكها، بحيث انتقل عدد "السوفخوزات"، خلال أشهر قليلة، من 14000 في نهاية سنة 1927 إلى 23000 في أيار 1928. وفي نيسان 1929، تبنّى الكونفرنس السادس عشر للحزب الشيوعي برنامجاً طموحاً لتغيير طبيعة البنية الاجتماعية السائدة في الأرياف، نتج عنه، خلال صيف ذلك العام، ظهور "كولخوزات" ضخمة تضم عشرات الآلاف من الفلاحين التعاونيين. وفي الخطاب الذي ألقاه أمام اجتماع عدد من الخبراء الزراعيين، في السابع والعشرين من كانون الأول 1929، اعتبر ستالين أن التحدي المطروح أمام السلطة السوفيتية يكمن في اختيارها أحد طريقين لا ثالث لهما: التراجع إلى الوراء نحو الرأسمالية، أو السير إلى الأمام نحو الاشتراكية، مضيفاً أن على "المدينة الاشتراكية" أن تضمن سير الريف وراءها على طريق الاشتراكية، من خلال تحويل الريف على أساس اشتراكي. وفي الخطاب ذاته، دعا ستالين إلى تصفية فئة "الكولاك" بصورة نهائية، مؤكداً أن لينين رأى في "النيب" سياسة لمرحلة طويلة لكنه لم يرَ فيها "سياسة أبدية".



تصفية "المعارضة اليمينية" التي تزعمها بوخارين


كان ستالين، في موقفه هذا، ينتقد ضمناً ما سمي بعد أشهر بـ "المعارضة اليمينية" مستهدفاً أربعة من أعضاء المكتب السياسي هم: بوخارين، رئيس الأممية الشيوعية (الكومنترن) ورئيس تحرير "البرافدا، وريكوف رئيس مجلس مفوضي الشعب، وتومسكي رئيس النقابات، وأوغلانوف سكرتير اللجنة المركزية. وكانت الخلافات داخل قيادة الحزب قد بدأت تبرز إلى العلن منذ أواخر شهر أيلول 1928، عندما نشر بوخارين مقالاُ نقدياً في "البرافدا" بعنوان: "ملاحظات اقتصادي"، اتبعه بخطاب له في 21 كانون الثاني 1929 في الذكرى الخامسة لرحيل لينين.


فقد كان بوخارين يعتقد أنه من الممكن التوفيق بين حكم الحزب الواحد والاستمرار في انتهاج سياسة اقتصادية معتدلة ومرنة، مؤكداً أن تصنيع البلاد يجب أن يتمّ على قاعدة الادخار، وتحسين مستوى العمل، وتطوير النشاط التعاوني بين الفلاحين، وذلك بالطرق اللينة ومن دون اللجوء إلى القوة إزاء الفلاحين المتوسطين بغية استخراج الرساميل اللازمة للاستثمارات منهم، مؤكداً ضرورة أن يمنح هؤلاء الفلاحون إمكانية المراكمة، بحيث يساعد النمو الاقتصادي في الريف على توفير الأسواق والرساميل اللازمة للتصنيع، على أن تحتفظ الدولة بروافع الاقتصاد وقيادته. كما كان يرى أن التصنيع، والتطوير الطوعي للتعاونيات الفلاحية، والثورة الثقافية، وإصلاح جهاز الدولة، كلها تشكّل مهمات مترابطة بصورة وثيقة، سيستند تحقيقها إلى استمرار تحالف العمال والفلاحين. ومع أنه كان يعي أن السير على هذا الطريق سيكون بطيئاً، إلا أنه كان مقتنعاً بأن السير نحو الاشتراكية "بخطى السلحفاة" سيكون أقل صعوبة من اللجوء إلى تصنيع قسري تفرضه الدولة فرضاً.

 
بيد أن ستالين، مدعوماً من غالبية أعضاء المكتب السياسي، رفض مواقف بوخارين هذه. وفي اجتماع اللجنة المركزية للحزب في تشرين الثاني 1928 تم التحذير من خطر "الانحراف اليميني". وكان تفاقم الأوضاع الدولية قد بدأ يقلق العديد من زعماء الحزب الشيوعي، لا سيما بعد أن بدأت تبرز عوارض أزمة اقتصادية كبيرة تلوح في أفق الاقتصاد الرأسمالي، ما قد يمهد الطريق أمام نشوب حرب عالمية جديدة، ربما تطاول الاتحاد السوفييتي أيضاً. ومن هنا كان لا بدّ، في تصوّر غالبية أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، من تسريع وتائر التصنيع وتجميع الأراضي.


وفي الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب في نيسان 1929، أدينت "المعارضة اليمينية" بشدة؛ ومع أن بوخارين بقي عضواً في المكتب السياسي، إلا أنه عُزل من رئاسة الأممية الشيوعية (الكومنترن) ومن رئاسة تحرير "البرافدا"، كما أُعفي تومسكي من رئاسة النقابات، بينما بقي ريكوف رئيساً لمجلس مفوضي الشعب. وأقر ذلك الاجتماع نص الخطة الخمسية الأولى وبرنامج تجميع الأراضي وتشريكها.

 


تغيّر البنية الاجتماعية للأرياف


ومنذ شتاء سنة 1930، دخلت حركة تجميع الأراضي وتشريكها مرحلة جديدة، عقب قيام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بإرسال مجموعات عمالية إلى الأرياف، فرضت على عائلات الفلاحين الأغنياء (الكولاك) بالقوة الانتقال إلى المناطق الأكثر فقراً في سيبيريا والشرق الأقصى، أو نفتها إلى معسكرات خاصة، بعد أن جرى تضخيم حجمها بإدراج أعداد من الفلاحين المتوسطين في عدادها. كما لجأت تلك المجوعات العمالية إلى أساليب قسرية لإرغام هؤلاء الفلاحين المتوسطين على الانضمام إلى "الكولخوزات"، التي شهدت، خلال سنوات قليلة، زيادة هائلة في أعدادها. وراحت البنية الزراعية للبلاد تتغيّر بصورة جذرية، بحيث انتقل الاتحاد السوفييتي من نظام الاستثمار الفردي في الزراعة إلى نظام الاستثمار الجماعي، ونجح ستالين في فرض سياساته، التي صارت تحاط بعبادة شخصيته، وهو ما تجلّى بوضوح لدى انعقاد مؤتمر الحزب، سنة 1934، الذي أُطلق عليه اسم "مؤتمر المنتصرين".

وقد اعترفت الدراسات التي صدرت عن الأكاديميين الروس، فيما بعد، بالتجاوزات التي ارتكبت خلال حملة تجميع الأراضي وتشريكها، إذ أُقرّ في "موجز تاريخ المجتمع السوفييتي"، الذي صدر سنة 1973 بإشراف الأكاديمي لوكيانوف، بأن تلك الحملة "جرت دون تحضير تمهيدي، ولم يكن كافياً عدد القادة المجربين المهرة، وخُرق، في بعض الأحيان، مبدأ انضمام الفلاحين الطوعي إلى الكولخوزات، واعتُبر الفلاح المتردد، أو الذي لم يكن يريد بعد الانضمام إليها، شخصاً ذا ميول معادية للسلطة السوفيتية، وليس نادراً أن أُدرج الفلاحون المتوسطون ضمن فئة الكولاك".

 

 

انتصار ستالين وتكريس "الستالينية"


ركّزت قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي في تقاريرها إلى مؤتمرات الحزب على الارتباط الوثيق بين الخطط الاقتصادية  المركزية وتصنيع البلاد، من جهة، وبين هدف بناء الاشتراكية وإرساء أسس نظام اجتماعي جديد، من جهة ثانية. وبعد استراحة سياسة "النيب"، تبيّن أن إنجاز مهمة تطوير البلاد الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من دون تسريع عمليات التصنيع الثقيل وزيادة إنتاجية العمل ومردوديته، وهو ما يفرض على الطبقة العاملة تقديم تضحيات كبيرة.

 


نتائج الخطة الخمسية الأولى 


في 8 تموز 1927، أصدر مجلس مفوضي الشعب مرسوماً يقضي بتبني خطة اقتصادية مركزية، تغطي قطاعات الاقتصاد في الاتحاد السوفييتي بأسره، وتسمح بتطوير اقتصاد كل منطقة من مناطقه المختلفة على قاعدة تخصصها وتكون تعبيراً عن وحدة البلاد الاقتصادية. وبينما راهن ستالين وأنصاره على حماس العمال الثوري، وعلى فاعلية الدعاية للخطة والحزم إزاء التردد في تنفيذها، رأى كثيرون، في حينه، أن أهداف الخطة الاقتصادية المركزية التي تمّ تبنيها مبالغ فيها، ووجّه بوخارين، بوجه خاص، انتقادات لاذعة لها ووجدها غير متناسبة مع ظروف الفلاحين.


في بداية تنفيذ الخطة الخمسية الأولى، شدّد المؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، المنعقد في حزيران-تموز 1930، على واجب النقابات العمالية في تسريع تنفيذ الخطة، وربط تحسين مستوى معيشة العمال بتوسع الاقتصاد الاشتراكي، بحيث بات على طبقة العمال أن تضحي بمصالحها الآنية لصالح بناء الاشتراكية. وبغية تطبيق تعليمات الحزب، تشكّلت، في المصانع والمؤسسات الإنتاجية، "مجالس عمالية" دعت العمال إلى "زيادة إنتاجية العمل، وتعزيز الانضباط وتحسين نوعية الإنتاج".


كان الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة يعاني من نقص المواد الاستهلاكية في الأسواق، فلجأ مجلس مفوضي الشعب إلى سياسة التقنين، واتخذ قراراً، سنة 1929، بتقنين بيع الخبز، وفي نيسان 1932، صار التقنين يشمل الخبز، والحبوب، واللحوم، وأنواعاً من الأسماك، والسكر، والدهون، وغيرها من المواد الأساسية، وكُلفت لجنة خاصة بتصفية مضاربات تجار "القطاع الخاص". بيد أن هذه الخطوة، التي كانت تهدف إلى تأميم المبادلات التجارية بصورة كاملة، وسّعت السوق الموازية السرية بدلاً من أن تقضي عليها أو تحجّمها (3). وإلى جانب أسعار المواد المقننة التي كانت تُشترى ببطاقة خاصة، فُرضت أسعار خاصة في الأحياء العمالية، وأسعار أخرى اعتمدتها المؤسسات التجارية الكبيرة، كما سُمح بوجود سوق حرة في الأرياف. أما الأسواق الكولخوزية، فتمّ التخلي عن كل أشكال السيطرة على أسعار منتجاتها سنة 1932. وفي سنة 1934، لم يعد التقنين يشمل سوى الخبز والسكر، وتمّ التخلي عنه نهائياً في السنة التالية.


وبلغ عدد العاملين في المؤسسات الصناعية، سنة 1932، 6300000 عامل، يشكّلون نحو ربع عدد العاملين بأجر. وفي أجواء الحماس التي شاعت لدى تطبيق الخطة الخمسية الأولى، توسّع الإنتاج الصناعي إلى حد كبير، وصارت المصانع تتفاخر ببلوغ النسب الأعلى من مردودية الإنتاج وسط إشادات الصحافة. وتسببت "المنافسة الاشتراكية" في مضاعفة ساعات العمل الإضافية، التي لم تكن مدفوعة دوماً.
نتائج الخطة الخمسية الثانية


ما بين عامَي 1929 و 1933 وضعت الأسس التي جعلت الاتحاد السوفييتي يبرز بصفته قوة صناعية جديدة. وفي سنة 1933، أقرّ مجلس مفوضي الشعب الخطة الخمسية الثانية، التي شهدت توسع ظاهرة العمال الطليعيين، وفي مقدمهم عمال "الحركة الستاخانوفية"، التي ولدت بعد أن نجح عامل المناجم ألكسي ستاخانوف، في 31 آب 1935، في تجاوز سقوف استخراج الفحم، وفي وضع التحفيز الاشتراكي في خدمة الإنتاجية، هذه الحركة التي ضمت سنة 1936 من 20 إلى 25 في المئة من العمال الصناعيين. وقامت الحكومة بتعديل سياسة الأجور، بحيث تخلت عن سياسة المساواة في الأجور، وصارت الأجور تُحدد على قاعدة مستوى الإنتاجية وطبيعة المسؤوليات.


ومع أن  أهداف الخطة الخمسية الثانية لم تتحقق بصورة كاملة، فقد استمر توسع الصناعات الثقيلة، وبوجه خاص الصناعات الميكانيكية، وذلك على حساب صناعة المواد الاستهلاكية، واقترب الاتحاد السوفييتي من تحقيق استقلاله الاقتصادي. فبينما استورد، في سنة 1932 ، 78 في المئة من الآلات، لم يستورد، في سنة 1937، سوى 10 في المئة منها، وهو ما كان له تداعيات كبيرة على الصعيد العسكري، إذ وفّر بناء صناعات عسكرية على نطاق واسع، بخاصة في مجال الدبابات والطائرات، إمكانات كبيرة للاتحاد السوفييتي. وحتى سنة 1934، كان هناك عدد كبير نسبياً من التقنيين الأجانب الذين يتلقون أجوراً عالية، ثم صار عددهم يتناقص إلى أن زال وجودهم اعتباراً من سنة 1937. وبدأ العمال السوفييت يكتسبون تأهيلاً تقنياً، وتمّ تنظيم "دورات تقنية للإنتاج" لكل العمال.

 
وأدى تحقيق الاستقلالية إزاء الدول الغربية المتقدمة إلى تعزيز روح الافتخار القومي الذي كان عاملاً في تقوية تماسك البلاد. وقد حلل تروتسكي، من منفاه، هذه الروح القومية، فكتب: "إن نظام الصناعة المؤممة واحتكار التجارة الخارجية السوفييتي، وعلى الرغم من كل تناقضاته وصعوباته، هو نظام يحمي استقلالية ثقافة البلاد واقتصادها. وهذا ما استوعبه عدد كبير من الديمقراطيين الذين انحازوا إلى الحكومة السوفيتية، ليس نتيجة الاشتراكية وإنما نتيجة نزعة وطنية استوعبت الدروس الجوهرية للتاريخ. وينتسب إلى هذه الفئة من الديمقراطيين القوى التقنية الكبيرة لمثقفي الداخل والمدرسة الجديدة من الكُتّاب، التي كنت أسميتها، في غياب تسمية مناسبة، فئة "رفاق الطريق" ".


وشهد مستوى معيشة العمال تحسناً ملحوظاً مع تنفيذ الخطة الخمسية الثانية، وبذلت الحكومة جهوداً كبيرة في ميادين التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية للعائلات، وأقامت دوراً للحضانة ومطاعم في المعامل. وكان التقدم العلمي والثقافي كبيراً على الصعيد الكمي، إذ التحق جميع الأولاد بالمدارس، واختفت الأمية تقريباً سنة 1939 بين الشباب وبين أجيال ما دون الخمسين عاماً، وازداد عدد المعلمين بشكل كبير.


وفي الأرياف، وبغية ضمان تموين المدن بالمواد الغذائية، سرّعت الحكومة عملية إقامة مزارع الدولة "السوفخوزات"، التي تحوّل بعضها إلى "مصانع لإنتاج القمح"، وبعضها الآخر إلى مزارع لتربية الخراف، أقيمت على مساحات شاسعة، بلغت مساحة بعضها 100000 هيكتار. وقد تضاعف عدد "السوفخوزات" خلال تنفيذ الخطة الخمسية الأولى، ولعبت عشية الحرب العالمية الثانية دوراً متعاظماً في نطاق الاقتصاد الزراعي. بيد أن معظم الإنتاج الزراعي ظل يتأتى من المزارع التعاونية "الكولخوزات"، التي شهدت إصلاحاً سمح لعضو "الكولخوز" بأن يزرع لصالحه قطعة الأرض الموضوعة تحت تصرفه.


وحتى سنة 1936، كان الاتحاد السوفييتي يضم ست جمهوريات فيدرالية: جمهورية روسيا الاشتراكية السوفيتية وهي الأهم، وتضم عدداً من الجمهوريات ذات الحكم  الذاتي؛ جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية؛ جمهورية روسيا البيضاء الاشتراكية السوفيتية؛ جمهورية ما وراء القفقاز الاشتراكية السوفيتية، التي كانت تتكوّن من جمهوريات ثلاث هي: أذربيجان، جورجيا، وأرمينيا، انضمت، بعد سنة 1936، مباشرة إلى الاتحاد السوفييتي واختفت جمهورية ما وراء القفقاز. وحتى سنة 1936، كانت هناك في آسيا الوسطى ثلاث جمهوريات سوفيتية  فيدرالية هي: أوزبكستان، تركمنستان، طاجكستان، ثم أضيفت إليها سنة 1936 جمهوريتا قرغزيستان، وكازاخستان. وانتهج ستالين إزاء هذه الجمهوريات سياسة "الروسنة"، بحيث تراجع استقلالها الثقافي مع مرور الزمن.


كان يمكن للخطة الخمسية الثالثة (1938-1942)، التي أُقرت في المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي في نيسان 1939، أن تسمح باستراحة في خضم عملية البناء الاقتصادي المتسارع هذه لولا اقتراب الحرب العالمية. وعشية اندلاع  تلك الحرب، كان الاتحاد السوفييتي قد تحرر تماماً من تبعيته إزاء الغرب.

 


اللجوء إلى حملات التطهير 


كان ستالين، الذي أحاط نفسه بظاهرة عبادة الشخصية وقضى على خصومه ومنافسيه الواحد تلو الآخر، يتبنّى فكرة أن الصراع الطبقي يزداد حدة كلما تقدم الاتحاد السوفييتي على طريق البناء الاششتراكي، ويعتقد أن الصعوبات التي تواجهها البلاد ناشئة، في الأساس، عن عمليات "التخريب" التي تنظمها الرأسمالية العالمية، بالتعاون مع المهاجرين من أنصار النظام القديم ومن "المناشفة" و"الاشتراكيين الثوريين"، وبالتواطؤ مع "المعارضة " داخل الحزب الشيوعي.


في كانون الثاني 1933، قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي تنظيم حملة واسعة لتطهير صفوفه من "أعداء الشعب" ومن "الوصوليين الطامحين"، وشكّلت، لهذا الغرض، لجنة خاصة قامت بإقصاء عشرات الآلاف من الشيوعيين عن منظمات الحزب. واستغل ستالين وصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا، في تلك السنة، لتشديد حملات التطهير هذه. ويبدو أن بعض قدامى القيادة الحزبية، مثل بوخارين وكالينين، حاولوا في عامَي 1933 و 1934 توجيه سياسة الحزب في اتجاه أكثر اعتدالاً، من خلال الحد من حملات القمع، وتحسين العلاقات مع الفلاحين والمثقفين، وتحجيم أهداف الخطة الخمسية الثانية، والتحالف مع الدول الرأسمالية في الغرب في مواجهة الفاشية والنازية، واضطر ستالين في تلك الفترة إلى تقديم تنازلات تكتيكية لهم في المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي، الذي انعقد في كانون الثاني-شباط 1934 وعُرف باسم "مؤتمر المنتصرين". فقد خلق ذلك المؤتمر انفراجاً واضحاً في العلاقات بين الشيوعيين، وسمح بعودة قادة شيوعيين منفيين مثل زينوفييف وكامنييف، وظهر وكأنه  مؤتمر لتعزيز وحدة الحزب والتوصل إلى تسويات بين زعمائه.


ومن ناحية أخرى، اتخذ المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي إجراءات عديدة بغية تنشيط الحياة الديمقراطية بين صفوفه، وأدخل تعديلات مهمة على نظامه الداخلي، وعزز سلطات اللجنة المركزية. وبعد المؤتمر، اتخذت عدة إجراءات لتحسين علاقات الحزب بالشعب، وعقد، في آب 1934، المؤتمر الأول للكتاب السوفييت الذي شارك فيه عدد كبير من الكتاب الأجانب، كان من ضمنهم  أندريه مالرو، ولوي آراغون وأندريه جيد.


بيد أن الانفراج الذي خلقه ذلك المؤتمر على مستوى العلاقات بين الشيوعيين لم يدم طويلاً، إذ قام ستالين، في كانون الأول 1934، باستغلال عملية اغتيال سيرغي كيروف، سكرتير منظمة الحزب الشيوعي في مدينة ليننغراد، كي يعود إلى انتهاج سياسة تطهير، أدت إلى اعتقال مئات الشيوعيين في كلٍ من ليينغراد وموسكو وكييف. وفي كانون الثاني 1935، جرت أول محاكمة سرية في موسكو لعدد من زعماء البلاشفة القدامى، ثم انطلقت حملة تطهير جديدة طالت عشرات الألوف من الشيوعيين، وتوجت، في آب 1936، بعقد محاكمة كبرى لعدد من قادة الحزب التاريخيين، من بينهم زينوفييف وكامنييف، بعد اتهامهم بتنظيم "مركز إرهابي تحت قيادة تروتسكي". وبحلول سنة 1937، كانت حملات القمع قد أودت بحياة 98 عضواً من أصل 139 من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ولقي المصير نفسه 1108 مندوبين من أصل 1966 من مندوبي مؤتمر الحزب الشيوعي السابع عشر، بحسب ما ورد في تقرير نيكيتا خروتشوف السري إلى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الذي انعقد سنة 1956. وبيّنت الوثائق التي كُشفت فيما بعد أن كل التهم التي وجهت إلى الشيوعيين في تلك الفترة فُبركت، وأن الاعترافات عن "الجرائم" المرتكبة كانت تنتزع باللجوء إلى التعذيب، كما أقرّ بذلك نص يعود إلى سنة 1938، استشهد به نيكيتا خروتشوف في تقريره أمام المؤتمر العشرين للحزب.


ولم تقتصر حملات القمع والتطهير على الشيوعيين، بل طاولت عدداً كبيراً من ضباط الجيش، ومن القادة الاقتصاديين، ومن المثقفين والمبدعين، كما لم يسلم منها قادة الأممية الشيوعية (الكومنترن) والأحزاب الشيوعية، مثل القائد الشيوعي الهنغاري بيلاكون، وعدد من قادة الحزب الشيوعي البولوني، وبعض قادة الأحزاب الشيوعية في لاتفيا وليتوانيا وأستونيا ويوغوسلافيا وألمانيا ورومانيا. وفي 3 آذار 1938، جرت محاكمة بوخارين وراديك وعدد آخر من قادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وحكم عليهم بالإعدام في 13 آذار. وبلغ عدد المنفيين إلى معسكرات الاعتقال والعمل القسري، التي أقيمت في سيبيريا والشرق الأقصى، مئات الآلاف.


وفي المؤتمر الثامن عشر للحزب، الذي انعقد في آذار-نيسان 1939، اعترف ستالين بوقوع "أخطاء خطيرة" خلال حملات التطهير، لكنه قدّر أن تلك الحملات "كان لا بدّ منها وكانت مفيدة"، وأن نتائجها أدّت، عموماً، إلى "تحرير المجتمع السوفييتي من النزاعات الطبقية" وقضت على "أعداء الشعب". وهكذا، بانتصار ستالين النهائي على كل خصومه ومعارضيه، وتنامي عبادة شخصيته، ترسخت ظاهرة "الستالينية" ودخل الاتحاد السوفييتي مرحلة جديدة من مراحل تطوره

 


ستالين والتخوف من نشوب حرب تستهدف الاتحاد السوفييتي 


كان الاتحاد السوفييتي، بزعامة ستالين، قلقاً من نجاحات النازية، ومتخوفاً من غزو يأتيه من جهة الغرب. فقد سعى هتلر، بعد أن رسّخ سلطته في ألمانيا، إلى عسكرة الاقتصاد الألماني وتعزيز قدرات جيشه الذي أعاد تنظيمه على قواعد حديثة جداً وبنى صناعات عسكرية متطورة، مستفيداً من تردد دول أوروبا الغربية الكبرى إزاءه. ووقّع اليابان، الذي كان يهدد الاتحاد السوفييتي من الشرق، معاهدة تحالف مع ألمانيا في مطللع تشرين الثاني 1935. وفي اسبانيا، بدأ تمرد الجنرال فرانكو في تموز 1936، واشتعلت الحرب الأهلية بين قواته وقوات الجمهوريين؛ وبينما قررت فرنسا، بضغط من بريطانيا، انتهاج سياسة عدم التدخل في الحرب الأهلية الدائرة في اسبانيا، واتخذت الولايات المتحدة موقف الحياد إزاءها، قامت إيطاليا الفاشية، بزعامة موسوليني، وألمانيا النازية بتقديم دعم كبير للجنرال فرانكو من دون أن تواجها معارضة تذكر.


ولم يكن في وسع الاتحاد السوفييتي، في مواجهة تلك الأخطار، الاعتماد على حلفاء أوفياء ثابتين، إذ كانت تحكم جاراته، كبولونيا ورومانيا وهنغاريا وبلغاريا، حكومات معادية للشيوعية؛ فحاول التقرب من الفرنسيين والبريطانيين، وانضم إلى عصبة الأمم، لكن البريطانيين رفضوا أي تحالف معه، وجروا الفرنسيين وراء موقفهم هذا. وقام الطرفان في 30 أيلول 1938 بتوقيع "معاهدة ميونيخ" مع موسوليني وهتلر، ما سمح لألمانيا بحرية التصرف في تشيكوسلوفاكيا. وفي الشرق، قام اليابانيون، الذين كانوا قد استولوا على منشوريا على حدود الاتحاد السوفييتي منذ سنة 1932، بمهاجمة الأراضي الصينية، ووقعت، في آب 1938، اشتباكات واسعة بين القوات اليابانية والقوات السوفيتية في منطقة بحيرة "خاسان" بالقرب من حدود منغوليا.


وفي وضع دولي مضطرب كهذا، وأمام عزلته الدبلوماسية والأخطار التي تتهدده، اضطر الاتحاد السوفيتي إلى تخصيص مبالغ كبيرة لميزانية الدفاع، انتقلت من 4 ، 3 في المئة سنة 1933 لتصل في سنة 1939 إلى 6 ، 25 في المئة  من حجم ميزانيته الكلية (22). كما اضطر في 23 آب 1939، بغية كسب الوقت وإرجاء موعد نشوب الحرب التي ستستهدفه، إلى توقيع معاهدة "عدم اعتداء " مع ألمانيا النازية، أثارت لغطاً واسعاً في صفوف القوى الشيوعية والتقدمية.

 


ولادة مجتمع جديد 


كانت ثورة أكتوبر قد انتصرت في بلد أضعفته الخسائر البشرية الكبيرة الناتجة عن الحرب العالمية الأولى، ومن ثم عن الحرب الأهلية والنضال ضد التدخل الأجنبي، وعن البؤس والمجاعة والأوبئة. ومن جهة ثانية، تسبّب انتصار الثورة في هجرة موجات من السكان، قُدّر عددهم بنحو مليون شخص، كان معظمهم من الكوادر، ومن كبار الملاكين، والنبلاء، والبرجوازية الصناعية والتجارية، ومن المثقفين والفنانين. وكان انخفاض عدد السكان كبيراً في المناطق الغربية للبلاد، وفي المدن، بينما لم يكن كبيراً في الأرياف البعيدة. فموسكو وبتروغراد فقدتا سنة 1920 60 في المئة من عدد سكانهما. بيد أن الأوضاع الديموغرافية بدأت تتحسن منذ سنة 1922 نتيجة تراجع معدل الوفيات وتزايد معدل الولادات. وبينما كان عدد سكان البلاد 130 مليوناً في مطلع العشرينيات، بلغ سنة 1933 166 مليوناً.


فمع  بدء تطبيق الخطة الخمسية الأولى سنة 1928، صار التصنيع يضاعف عدد سكان المدن وعدد العمال الذين تحوّلوا إلى عنصر متزايد الأهمية في البنية الاجتماعية. وعزز تجميع الزراعة وتشريكها هذا التوجّه عندما صارت تتدفق إلى المدن أعداد كبيرة من الفلاحين المستثنيين من المزارع التعاونية "الكولخوزات". وهكذا، ترافقت الخطة الخمسية الأولى مع انطلاق حركة تمدينية، من خلال بناء المصانع، والمساكن وتشكيل الإدارات، احتاجت إلى يد عاملة كبيرة. فما بين 1928 و 1932، زادت قوة العمل في مجال الصناعة 12 مليوناً ونصف المليون، وبلغ عدد العمال الصناعيين 23 مليوناً مقابل 11 مليوناً سنة 1928.


وأدى التطور الصناعي إلى جذب المرأة إلى ميدان الإنتاج على نطاق واسع. وشجعت الخطة الخمسية الأولى انخراط المرأة في العمل، بخاصة في الصناعات الكبرى وفي المهن التي تحتاج إلى تأهيل. من الصحيح أن وتيرة إقامة المؤسسات الاجتماعية، كدور الحضانة على سبيل المثال، لم تتناسب مع وتيرة تشغيل المرأة، إلا أن عدد النساء تزايد كثيراً وبسرعة في المدارس المهنية. ووصل عدد النساء العاملات إلى 6 ملايين في سنة 1932، أي ما نسبته 27-28 في المئة من مجموع العاملين بأجر. وخلال تطبيق الخطة الخمسية الثانية، استمر عدد النساء العاملات في الارتفاع  بحيث بلغ سنة 1937 9 ملايين. ومع أن تنفيذ الخطة الخمسية الثالثة شهد انقطاعاً سنة 1939 نتيجة اندلاع الحرب العالمية الثانية، إلا أن عدد النساء العاملات وصل إلى 41 في المئة من مجموع العاملين بأجر. وكانت هذه الزيادة المستمرة في حجم اليد العاملة النسائية منذ مطلع الثلاثينيات مرتبطة كذلك بالخشية من اندلاع حرب تستهدف الاتحاد السوفييتي.


عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان المجتمع السوفييتي قد تحوّل بصورة جذرية. فبحسب إحصاء سنة 1939 بلغ عدد سكان الاتحاد السوفييتي 170 مليوناً، وانتقلت نسبة العمال والمستخدمين، بمن فيها العاملون في مزارع الدولة "السوفخوزات"، من 6، 17 في المئة من مجموع السكان سنة 1928 إلى 2، 50 في المئة سنة 1939، ونسبة الفلاحين الكولخوزيين والحرفيين في التعاونيات من 9 ، 2 في المئة سنة 1928 إلى 2 ، 47 في المئة سنة 1939، ونسبة الفلاحين والحرفيين غير التعاونيين من 9 ، 74 في المئة سنة 1928 إلى 6 ، 2 في المئة سنة 1939، بينما اختفت سنة 1939 فئة البرجوازيين  بمن فيهم أغنياء الفلاحين "الكولاك".


لقد نتج عن هذا المجتمع الجديد، الذي يمكن أن يُطلق عليه، في النسق الاقتصادي والاجتماعي الجديد، اسم "مجتمع الخدمات العامة"، تحسن تدريجي في مستوى معيشة المواطنين، وتقدم سريع في مجال التعليم. ولم تكن المدرسة هي الوحيدة التي أعدت شباناً وشابات "أوفياء" للنظام، بل كان هناك أيضاً تنظيمات أخرى، كالكشافة والشبيبة الشيوعية "الكومسومول"، التي شكّلت شبكة واسعة من مجموعات حيوية، مارست نشاطات متعددة، ثقافية وترفيهية وأحياناً إنتاجية. وشهد الإنتاج الأدبي ازدهاراً في سنوات الثلاثينيات، وراح يصف عالماً جديداً قيد البناء، تظهر فيه نماذج من "الأبطال الإيجابيين" يحركهم الإيمان الاشتراكي، ويتحلون بالشجاعة، وروح التضحية ، على الرغم من كل المصاعب التي يواجهونها. فأبطال روايات مثل "والفولاذ سقيناه" لأوستروفسكي، و"الأراضي البكر" لشولوخوف، كانوا "أبطالاً إيجابيين"، وجد كثيرون مثلهم في المجتمع، ولولاهم لم تكن قد وضعت، قبل سنة 1940، قواعد البناء الصناعي في الاتحاد السوفييتي.

 


تنامي حضور البيروقراطية 


ومن ناحية أخرى، كان من ثمار هذا التحوّل المجتمعي تنامي حضور فئة بيروقراطية، تشكّلت من الموظفين الكبار ومن الكُتّاب والفنانين البارزين، وتمتعت، بفضل الوظيفة أو الدور الاجتماعي، بسلطات واسعة وبامتيازات مادية.


فخلال العقد الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الثانية، اتخذت الحكومة إجراءات هادفة إلى توسيع الفروق بين الأجور، إذ إن الحاجة إلى تطوير البحث العلمي، وإعداد الكوادر المؤهلة، وتسريع تجهيز البلاد بالآلات الحديثة وإقامة صناعة معادن قوية، فرضت سياسة التشجيع على تحسين مردودية الإنتاج ورفع مستوى الإنتاجية، وهو ما لم يكن ممكناً بالاعتماد فقط على الوعي المهني، وعلى النزعة الوطنية أو الاشتركية. "فالتحفيز الاشتراكي" استند إلى حد ما إلى الفروق الكبيرة التي برزت بين الأجور، والتي ارتبطت بالأولويات الاقتصادية، والكفاءات، وطبيعة المسؤوليات، كما استند إلى امتيازات منحت للكوادر العليا شملت، على سبيل المثال، تسهيلات في السكن، وتسهيلات في التنقل، ووجود مخازن تجارية خاصة.


بيد أن البيروقراطية لم تشكّل "فئة منغلقة على نفسها"، إذ إن إمكانية الاغتناء بقيت محدودة؛ فالفوائد المادية والأجور العالية يمكن أن تمنح عائلة من الموظفين الكبار، أو من الكتاب أو الفنانين، مستوى معيشة أعلى من المتوسط، لكن السقف لن يكون عالياً جداً؛ وإذا كان التوريث يخضع إلى قواعد صارمة، فإن أنظمة التملك، وآلية تمويل المؤسسات، وغياب المضاربات العقارية، كلها عوامل تمنع بروز أشكال من الاغتناء الشائعة في الدول الرأسمالية. ومن ناحية أخرى، كانت إمكانية الارتقاء الاجتماعي متوافرة نتيجة الحاجة المتزايدة إلى الكوادر وشيوع النظام التعليمي، فارتقت في السلم الاجتماعي كوادر تقنية وعلمية ارتبط إعدادها ونشاطها وذهنيتها بالتقدم الصناعي المحقق في سنوات الثلاثينيات، وبرزت هذه "الأنتلجنسيا" الجديدة، التي انبثقت من عائلات عمالية وفلاحية، بصفتها عنصر تقدم في عالم لعب فيه العلم والتقنيات دوراً كبيراً. ومع ذلك، ظهر، من وجهة نظر بناء الاشتراكية، أن البيروقراطية "الستالينية"، خلال فترة تشريك الزراعة وتجميعها، وفترة تنفيذ الخطة الخمسية الأولى ثم خلال فترة التطهيرات المأساوية بعد سنة 1934، قد سعت بكل الوسائل من أجل الحفاظ على امتيازاتها  وعلى وضعيتها الاجتماعية، ولجأت إلى أنماط من العمل الروتيني وتجنبت القيام بمبادرات خلاقة، ومالت إلى المحافظة بسبب تخوفها على مصيرها ومستقبلها.

 


كيف نفسر ظاهرة "الستالينية"؟


بيد أن هذا المجتمع الجديد الذي ولد عانى بصورة عميقة من أثر المحاكمات، والتطهيرات، والاعتقالات، التي طاولت، منذ اغتيال سيرغي كيروف في كانون الأول 1934، مئات الآلاف من أعضاء الحزب ومن المواطنين العاديين، وأشاعت في المجتمع  أجواء من الريبة والشك بين المواطنين، ما ساهم في إضعاف الروح الحزبية، وفي فقدان الحماسة، وخلق ظاهرة الانصياع القسري.


وقد طُرحت أسئلة كثيرة حول الأسباب التي دفعت ستالين إلى انتهاج سياسة الإرهاب تلك: هل كان يرغب في تحطيم معارضة محتملة لسياساته في حالة نشوب حرب تستهدف الاتحاد السوفييتي؟ أو كان يريد الالتفاف على الصعوبات التي واجهها تنفيذ الخطة الخمسية الثانية؟ أم كان راغباً في تجديد الكوادر القيادية في الحزب والدولة ؟


وفي الإجابة عن هذه الأسئلة، قُدمت تحليلات عديدة لجذور "الستالينية" وجوهرها، سأجملها فيما يلي:


-عبّرت ظاهرة "الستالينية" عن نزعة "إرادية" أرادت تجاوز حالة التأخر التي كان يعاني منها الاتحاد السوفييتي في أسرع وقت ممكن، وتجلّت في قيام نظام تسلطي فرض تخطيطاً مركزياً وشاملاً على الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛


-انطوت "الاشتراكية " التي أقامها ستالين على شكل من "اشتراكية دولة" وضعت نفسها في خدمة "طبقة قائدة جديدة" مثلتها البيروقراطية التي تطوّرت كجسم غريب عن البروليتاريا، استحوذ على كل السلطة السياسية وتمتع بامتيازات اقتصادية واجتماعية، وفرض الانضباط القسري باللجوء إلى القمع؛
-لا ينبغي الحكم على "الاشتراكية السوفيتية" بناءً على أشكال ظرفية اكتستها، ولا على الانحرافات التي فرضها عليها استبداد ستالين، وإنما يتوجب الحكم عليها بناء على آلياتها الاقتصادية الأساسية، ونتائجها الاجتماعية والثقافية، وتكيفها العقلاني مع متطلبات زمنها؛


-لقد دفع ستالين "الاشتراكية" في منحى تطور لم يكن محتوماً، والدليل على ذلك هو قوة المعارضات التي وقفت في جه سياساته في الثلاثينيات، وطبيعة التراجعات التكتيكية التي فرضها على نفسه ليبقى "السيد الأوحد"؛


-إن تهديد النازية المباشر للدولة السوفيتية جعل الانتباه   يتركّز على خطر الخارج، وعزز هيبة ستالين، كما أن النزعة الوطنية، والتعلق بالأرض الروسية، والإيمان بالمكتسبات المادية التي تحققت كانت بمثابة الإسمنت لوحدة معنوية، وذلك على الرغم من الطابع التسلطي للنظام، الذي أعاق اشتغال ديمقراطية كان يمكن أن تُمارس من خلال نظام السوفييتات.

 


امتحان الحرب العالمية الثانية 


ومهما يكن، وبغض النظر عن التباين في تفسير جذور الظاهرة "الستالينية" وجوهرها، فإن هناك اتفاقاً عاماً على أن مظاهر "الستالينية" السلبية تركت انعكاسات خطيرة على التطور اللاحق لتجربة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي.

 
ومع ذلك، فإن المفارقة كمنت في أن شعوب الاتحاد السوفييتي التي عانت من المظاهر السلبية لـهذه الظاهرة هي نفسها التي هبت، خلف قيادة ستالين، للتصدي للغزو الألماني في سنة 1941، وقدمت، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، تضحيات أسطورية. فهل كانت في هبتها تلك، كما لاحظ بعض الباحثين، تدافع عن وطن وأرض، أو كانت تخوض نضالاً للدفاع عن اشتراكية وفّرت لها بناء قاعدة اقتصادية متينة وضمنت لها نجاحات كبيرة في ميادين التعليم والقضاء على الأمية وتصفية البطالة، أو أن عاملَي الدفاع عن الوطن وعن الاشتراكية قد ترابطا بشكل وثيق، وذلك بمعزل عن القوى السياسية القائمة وعن السياسة التي انتهجها ستالين في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب؟


ثم كيف يمكن تفسير صمود الاتحاد السوفييتي، من الناحية المادية، في وجه آلة الحرب النازية الجبارة؟ ألم تكن الحرب امتحاناً لمدى قوة الاتحاد السوفييتي وصلابة القاعدة الاقتصادية التي أقامها، ولمدى تماسك تنظيمه الاقتصادي والاجتماعي؟


إنها أسئلة كبيرة، لن يكون من السهل، في ظني، الإجابة عنها بصورة شافية.

 

 

الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية الكبرى


كان من نتائج الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت سنة 1929 صعود التيارات المتطرفة، كالفاشية والنازية، في أوروبا، وتفاقم حدة التوترات الدولية التي انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية. ودفع الخوف من تنامي قوة النازية الألمانية بعض دول أوروبا الغربية إلى الانفتاح على الاتحاد السوفييتي وتوقيع معاهدات عدم اعتداء وتبادل المساعدات معه، كالمعاهدة التي وقعتها فرنسا مع الاتحاد السوفييتي سنة 1935. 

 


مقدمات العدوان الألماني على الاتحاد السوفييتي


في 17 تموز 1936، اندلعت الحرب الأهلية في اسبانبا، وانتهجت كلُ من فرنسا وبريطانيا سياسة "عدم التدخل"، بينما ساند الاتحاد السوفييتي الجمهوريين الاسبان ودعمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية أنصار الجنرال فرانكو. ورفضت الحكومة الفرنسية، بضغط من قيادة الجيش الفرنسي، تطبيق بنود معاهدة سنة 1935 مع الاتحاد السوفييتي. ثم توصلت كلُ من فرنسا وبريطانيا إلى معاهدة مع ألمانيا وإيطاليا في مدينة ميونيخ" في 30 أيلول 1938، سمحت لألمانيا النازية باحتلال إقليم "السوديت" في تشيكوسلوفاكيا، الذي تقطنه أغلبية سكانية من أصل ألماني، في مقابل وعد من هتلر بأن يكون هذا الإقليم آخر منطقة يطالب بها في أوروبا.


وبعد توقيع "معاهدة ميونيخ" أدركت القيادة السوفيتية أنه ما من تحالف ممكن مع "الديمقراطيات الغربية" لمواجهة ألمانيا النازية، وأن الاتحاد السوفييتي سيواجه وحده العدوان الألماني الآتي لا محالة. وعليه، وبغية كسب الوقت والاستعداد للحرب، سعت القيادة السوفيتية إلى هدنة مؤقتة مع ألمانيا النازية، ونجحت في التوصل إلى معاهدة عدم اعتداء معها في 23 آب 1939، وقعها في الكرملين كلً من فاتيشلاف مولوتوف وزير خارجية الاتحاد السوفييتي وفون ريبنتروب وزير خاجية ألمانيا، وأثارت في حينه انتقادات شديدة حتى داخل صفوف بعض الأحزاب الشيوعية. وفي 1 أيلول 1939، قام الجيش الألماني بغزو بولونيا، فأعلنت كلٌ من فرنسا وبريطانيا، في 3 أيلول، الحرب على ألمانيا، من دون أن تتدخلا لمساعدة بولونيا، التي هزمت خلال أيام قليلة أمام الجيش الألماني. وفي 17 أيلول، تقدمت القوات السوفيتية نحو الحدود البولونية واحتلت مواقعها على الحدود الروسية-البولونية القديمة، وهي الأراضي التي تنازلت عنها روسيا لبولونيا سنة 1921 وفقاً لـ "اتفاق ريغا" وكان يقطنها سكان أغلبيتهم من الأوكرانيين ومن الروس.
وفي إطار تحضيراتها العسكرية، عرضت القيادة السوفيتية على السلطات الفنلندية تبادلاً للأراضي يمتد على مسافة 30 كيلومتراً ويضمن إقامة منطقة/حاجز لحماية مدينة لينينغراد من أي هجوم ألماني ، إلا أن اقتراحها هذا رُفض من جانب هذه السلطات، الأمر الذي أشعل، في 29 تشرين الثاني 1939، حرباً بين البلدين، استمرت حتى 12 آذار 1940، وانتهت بالتوقيع على "اتفاقية موسكو"، التي قضت بتراجع القوات الفنلندية مسافة 25 كيلومتراً عن الحدود القديمة. بيد أن الخسائر الكبيرة التي مني بها الجيش الأحمر في هذه الحرب سلطت الضوء على نقاط ضعفه، الناجمة إلى حد ما عن حملات التطهير والتصفية التي نظمها جوزيف ستالين وشملت عدداً كبيراً من ضباطه.


في 9 نيسان 1940، قامت القوات الألمانية بغزو أراضي الدانمارك والنرويج، بعد معارك استمرت أسابيع قليلة، وساهم التدخل السوفييتي الدبلوماسي في منعها من غزو السويد. ثم أدت هزيمة فرنسا أمام القوات الألمانية إلى خلق شعور بالقلق لدى الزعماء السوفييت؛ فالحرب على الجبهة الغربية في أوروبا التي بدأت في 10 أيار 1940، انتهت قبل نهاية شهر حزيران، ونجحت القوات الألمانية خلالها في احتلال بلجيكا، وهولندا، وثلثي الأراضي الفرنسية (وتركت الثلث المتبقي تحت سيطرة المارشال الفرنسي بيتان المتعاون معها). وبينما شاركت إيطاليا في الحرب إلى جانب ألمانيا، كانت اسبانيا قد باتت تحت حكم الجنرال الحليف فرانكو، أي أن هتلر سيطر عملياً على كل أوروبا تقريباً. وخلال ذلك الوقت، احتلت القوات السوفيتية أراضي ليتوانيا، واستونيا، ولاتفيا، وتنازلت رومانيا عن مساحات من أراضيها للاتحاد السوفييتي. وهكذا، نشأت جمهوريات ليتوانيا، واستونيا، ولاتفيا، ومولدافيا، الاشتراكية السوفيتية.

 


الغزو الألماني لأراضي الاتحاد السوفييتي


منذ تموز 1940، بدأ الجنرالات الألمان بإيعاز من هتلر يعدون مخططات غزو الاتحاد السوفييتي. وفي 26 آب تمّ إرسال فرق عسكرية ألمانية كاملة إلى جبهة الشرق. وكانت بريطانيا، على الرغم من الغارات الجوية الألمانية التي استهدفت أراضيها، قد نجحت في الصمود، وبقي الأسطوال البريطاني مسيطراً على البحار. وفي 12 تشرين الأول 1940، تخلى هتلر عن مخططاته الرامية إلى غزو أراضي بريطانيا.


في 27 أيلول 1940، وقعت كلٌ من ألمانيا وإيطاليا واليابان اتفاقاً موجهاً ضد بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما زاد من قلق الزعماء السوفييت. وبهدف خلط الأوراق، وبينما كانت مخططات غزو الاتحاد السوفييتي قد باتت جاهزة، اقترح هتلر على ستالين في 13 تشرين الأول 1940 الانضمام إلى التحالف الثلاثي، لكن هذا الأخير رفض الاقتراح. وفي نيسان 1941، غزت ألمانيا الأراضي اليوغوسلافية، وساعدت إيطاليا على غزو اليونان، وهو ما أخرّ إلى حزيران من ذلك العام بدء الغزو الألماني للأراضي السوفيتية. وبقيت القيادة السوفيتية تتخوف من موقف اليابان ومن احتمال اشتراكه في الحرب ضد بلادها، بيد أن الحكومة اليابانية، المنخرطة في تلك الفترة في نزاع عسكري مع الصين، رفضت الدعوة الألمانية للمشاركة في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، ووقع وزير خارجيتها في موسكو في 13 نيسان 1941 معاهدة تبقي بلاده على الحياد.


بدأ الغزو الألماني للأراضي السوفيتية صبيحة يوم 22 حزيران 1941 في إطار خطة أطلق عليها اسم "خطة بارباروسا"، وذلك في انتهاك فاضح لمعاهدة عدم الاعتداء الموقعة بين الطرفين. وكانت تلك الخطة تفترض أن ينجح الجيش الألماني في كسب الحرب في غضون شهرين إلى ثلاثة أشهر، لا سيما بعد أن هزم الجيش الفرنسي خلال أسابيع قليلة. بيد أن هذه الخطة أحبطت، وتواصلت الحرب على مدى أعوام أربعة وانتهت بدخول القوات السوفيتية مدينة برلين وباستسلام ألمانيا النازية.


كانت القوات الألمانية، عشية الغزو، تتفوق على القوات السوفيتية من النواحي التسليحية، كما كانت ألمانيا تتفوق كثيراً على الاتحاد السوفييتي من النواحي الاقتصادية، وتتوفر في تصرفها الموارد الاقتصادية لجميع بلدان أوروبا الغربية التي قامت باحتلالها. وكانت الخطة الاقتصادية الخمسية الثالثة (1938-1942) التي اعتمدها مجلس مفوضي الشعب في الاتحاد السوفييتي، تواجه، في سنة تنفيذها الرابعة، صعوبات كبيرة، وذلك بعد أن فرضت الأوضاع الدولية واحتمالات نشوب الحرب على القيادة السوفيتية تخصيص مبالغ كبيرة لمهمات الدفاع الوطني وتطوير صناعة الأسلحة الثقيلة. ففي سنة 1941، بلغت ميزانية الدفاع الوطني 4، 43 في المئة من مجمل ميزانية البلاد العامة (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 322).


وفي اليوم الأول للغزو، فقد الطيران السوفيتي حوالي 1200 طائرة تم تدمير القسم الأكبر منها في المطارات قبل أن تفلح في دخول المعركة. وعلى الرغم من بطولة القوات السوفيتية وتفانيها في القتال، فإنها لم تفلح في إيقاف تقدم القوات الألمانية الغازية، التي نجحت خلال ثلاثة أسابيع في احتلال أراضي لاتفيا وليتوانيا السوفيتيتين ومناطق واسعة من جمهوريات أوكرانيا وروسيا البيضاء (بيلاروسيا) ومولدافيا السوفيتية. كما أفلحت القوات الألمانية، في صيف وخريف العام 1941، في فرض الحصار على مدينة لينينغراد ، وفي بلوغ مشارف مدينة موسكو والزحف نحو مدينة روستوف. وعموماً، فقد الاتحاد السوفيتي، في الأشهر الأولى للغزو، المناطق الاقتصادية الهامة التي كان يقطن فيها قبل الحرب ما يربو على 40 بالمائة من سكانه.


في 24 حزيران 1941، أدان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت العدوان الألماني ووعد بتقديم مساعدات مادية للاتحاد السوفييتي. وكان ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، قد دعا، منذ 22 حزيران، إلى التحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد هتلر. وفي 7 تموز كتب تشرشل رسالة إلى ستالين، أوفد بعدها بعثة عسكرية بريطانية إلى موسكو، وصدر في 12 تموز بيان مشترك سوفييتي-بريطاني، وراح يتبلور، يوماً بعد يوم، التحالف الدولي المناهض لألمانيا النازية. وبغية تطوير العلاقات بين الدول الثلاث، عقد في موسكو، في 28 أيلول 1941، اجتماع ثلاثي سوفييتي-بريطاني-أميركي بحضور ستالين. بيد أن الزعماء الغربيين ظلوا يشكون في تلك الفترة، في قدرة الاتحاد السوفييتي على الصمود في وجه آلة الحرب الألمانية.


شكلت القيادة السوفيتية هيئة أركان موسعة للقوات العسكرية برئاسة ستالين، كما صدر قرار عن رئاسة مجلس السوفييت الأعلى في 30 حزيران 1941 يضع السلطات كافة في البلاد في أيدي هيئة جديدة باسم "لجنة الدولة للدفاع" برئاسة ستالين وعضوية أربعة أعضاء في المكتب السياسي للحزب الشيوعي هم فاتيشلاف مولوتوف، ولافرينتي بيريا، وكليمنت فوروشيلوف، وجيورجي مالينكوف. ومنذ 30 حزيران، أطلقت منظمات الحزب الشيوعي والشبيبة الشيوعية نداءً إلى تعبئة المتطوعين، ونجحت خلال أيام قليلة في تجنيد الملايين منهم، وتشكلت فرق عمالية في المدن الكبرى ومجموعات للدفاع المدني، وهبّ المواطنون السوفييت للدفاع عن وطنهم.


وفي 3 تموز 1941، خاطب ستالين مواطنيه، لأول مرة منذ الغزو، فقال: "إن خطراً كبيراً يجثم على وطننا...فالعدو وحشي ويهدف إلى الاستيلاء على أراضينا التي سقيناها بعرقنا، والاستيلاء على قمحنا ونفطنا ثمرة عملنا. وهو يرمي إلى إعادة سلطة كبار الملاكين العقاريين وبعث القيصرية والقضاء على ثقافة واستقلال الروس، والأوكرانيين، والبيلاروسيين، والليتوانيين، واللاتفيين، والأستونيين، والأوزبكيين، والتتار، والمولدافيين، والجيورجيين، والأذربيجانيين، وكل شعوب الاتحاد السوفييتي الحرة الأخرى". وتابع قائلاً: "إن الحرب ضد ألمانيا الفاشية هي الحرب الكبرى لشعب الاتحاد السوفييتي بأسره؛ ونحن لسنا وحدنا في هذه الحرب التحررية التي ستكون حرب جبهة الشعوب المتحدة". ودعا ستالين الشعب إلى "الالتفاف حول حزب لينين وستالين وحول الحكومة السوفيتية"، وشكر في ختام كلمته فرانكلين روزفلت وونستون تشرتشل على دعمهما (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 335-336). 

 


معارك الدفاع عن المدن السوفيتية الكبرى 


كانت توقعات القيادة الألمانية أن جيشها سيتمكن من الاستيلاء على موسكو ولينيننغراد خلال شهر آب 1941، ويصل إلى منطقة القوقاز في تشرين الثاني، بحيث ينهار النظام  ويتفكك الاتحاد السوفييتي (إيلينشتاين، ص 337-338). وأطلق هتلر على خطة اجتياح موسكو اسم "الإعصار"، وتقدمت قواته نحو المدينة منذ 10 تموز 1941، وبدأت تقصفها بشدة من الجو، وتمكنت، في 2 تشرين الأول، من حشد قوات كبيرة حاصرت الفرق السوفيتية المدافعة عن المدينة، وأصبحت موسكو، في 16 تشرين الأول، مهددة بالفعل، وبرز خطر جدي أن ينجح الألمان في إحداث اختراق على جبهتها، لا سيما بعد أن توقفوا في بعض المواقع على بعد 30 كيلومترا منها، وبات في وسع جنرالاتهم رؤية بعض بنايات موسكو من مواقعهم. وفي هذه الظروف الخطيرة، استدعى ستالين الجنرال غيورغي جوكوف من جبهة لينينغراد كي يشرف على عملية الدفاع عن عاصمة البلاد، التي استمرت الحياة طبيعية فيها، رغم كل المخاطر، واتخذ ستالين نفسه قراراً بالبقاء في المدينة، وهو ما ساعد على قهر الخوف وسط السكان ورفع معنوياتهم وتشجيعهم على الصمود.


في 6 تشرين الثاني 1941، التأم اجتماع كبير في محطة مترو ماياكوفسكي في موسكو لإحياء الذكرى الرابعة والعشرين لثورة أكتوبر بمشاركة ستالين، ونُظّم في اليوم التالي العرض العسكري التقليدي في الساحة الحمراء في حماية مضادات الطيران، فكان الجنود يأتون إلى موسكو للمشاركة في إحياء المناسبة ثم يعودون إلى الجبهة. وفي الخطاب الذي ألقاه أمام المحتشدين، عرض ستالين حصيلة الأشهر الأربعة الأولى للحرب، فذكر أن الاتحاد السوفييتي فقد 350000 قتيل و 378000 مفقود و 1020000 جريح. وطالب ستالين الدول الغربية بفتح جبهة حرب ثانية في أوروبا ضد القوات الألمانية. ولعب قرار تنظيم تظاهرة يوم 7 تشرين الثاني دوراً كبيراً في تاريخ الحرب وفي معركة الدفاع عن موسكو، كما ساهم في تعزيز شعبية ستالين على الرغم من كل أخطائه وتجاوزاته (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 344).


لقد استمرت معركة الدفاع عن موسكو حتى نيسان 1942، إذ بدأ الهجوم السوفييتي المضاد في 6 كانون الأول 1941، في ظروف مناخية قاسية جداً، ونجح الجيش الأحمر في استنزاف قوى العدو وتقويض قدراته القتالية، وتمكن من إبعاد القوات الالمانية عن المدينة مسافة تتراوح ما بين 100 إلى 250 كيلومتراً. وفي الفترة ما بين كانون الثاني وآذار 1942، شن الجيش الاحمر هجوما شاملاً، كبد فيه الجيش الألماني أولى هزائمه خلال الحرب العالمية الثانية، وأحبط المدافعون عن المدينة خطة " الحرب الخاطفة " الهتلرية ضد الاتحاد السوفييتي، وانتزعت القوات السوفيتية المبادرة الاستراتيجية من أيدي العدو. واكتسب انتصار الجيش الأحمر على القوات الألمانية في معركة موسكو أهمية سياسية وعسكرية ودولية كبيرة، وأدى الى تغيير طبيعة الحرب وجعلها تتطبع، منذ ذلك الحين، بطابع استنزافي للقوات الألمانية.


في صيف سنة 1942، بدأ هجوم القوات الألمانية على مدينة ستالينغراد، بهدف احتلال منطقة القوقاز وحقول النفط الذي كانت تحتاجه هذه القوات كي تواصل الحرب. وعلى الرغم من المقاومة الشديدة التي أبداها الجيش الأحمر، فإن القوات الألمانية استطاعت التقدم على هذه الجبهة. وبينما بقيت القيادة السوفيتية تنتظر عبثاً، طوال صيف ذلك العام، إقدام الحلفاء الغربيين على فتح الجبهة الثانية في أوروبا، كانت معركة ستالينغراد تشتد وتزداد حدة، إلى درجة أنها صارت واحدة من أبرز معارك الحرب العالمية الثانية على مستوى أهميتها الفعلية وعلى مستوى رمزيتها. فهي استمرت من 17 تموز 1942 إلى 2 شباط 1943، أي نحو ستة أشهر ونصف الشهر، ودارت من منزل إلى منزل داخل المدينة، وانتهت بتدمير القوات الألمانية بعد محاصرتها. وانتشر صدى الانتصار في معركة ستالينغراد على نطاق واسع في الاتحاد السوفييتي وفي كل أرجاء أوروبا التي كان يحتلها الجيش الألماني. فبعد الهزيمة الكبرى التي لحقت به في تلك المعركة، لم يعد الجيش الألماني قادراً على استعادة زمام المبادرة على الجبهة الروسية، وصارت تلحق به هزائم متوالية أفضت، في نهاية المطاف، إلى تحرير كل الأراضي السوفيتية، وإلى تقدم الجيش الأحمر نحو بولونيا ومن ثم نحو برلين.


وفرضت القوات الألمانية، منذ 8 أيلول 1941، حصاراً كاملاً على مدينة لينينغراد، التي اتخذت القيادة السوفيتية قراراً بالدفاع عنها مهما كان الثمن. وكانت خطة هتلر ترمي إلى تجويع المدينة، ورفض استسلام سكانها، ومحوها من الخارطة. والواقع، أن حصار مدينة لينينغراد وملحمة الدفاع عنها شكّلا لحظة متميزة أخرى في تاريخ الحرب العالمية الثانية، إذ بقي فيها نحو 2500000 شخص تعزلهم عن بقية مناطق الاتحاد السوفييتي بحيرة "لادوغا". وبعد فترة من الحصار، بدأت المدينة تعاني مجاعة حقيقية ويموت سكانها جوعاً. ومنذ 22 شباط 1942، بدأت السلطات السوفيتية بترحيل قسم من سكان مدينة لينينغراد على دفعات إلى مناطق أخرى من البلاد، وصل عددهم إلى مليون في تشرين الثاني 1942. ولعب الحزب الشيوعي دوراً كبيراً في الدفاع عن المدينة وفك الحصار عنها، إذ كان 70 في المئة من أعضائه و 90 في المئة من أعضاء الشبيبة الشيوعية يقاتلون على جبهة لينينغراد، كما قام المثقفون بدور كبير في رفع معنويات السكان وتوحيدها خلف قيادة الحزب الشيوعي. ومنذ أيلول 1943، بدأت التحضيرات لكسر طوق الحصار عن المدينة، وهو ما تحقق في 27 كانون الثاني 1944، أي بعد 885 يوماً من المعاناة الشديدة.

 


أوضاع الاتحاد السوفييتي الدولية خلال هذه المعارك الكبرى


كان الاتحاد السوفييتي مرتاحاً من ناحية جبهة اليابان، الذي انخرط في الحرب ضد الولايات المتحدة الأميركية عندما قامت طائراته بمهاجمة الأسطول الأميركي ودمرته في ميناء بيرل هاربر في هاواي في 7 كانون الأول 1941، ولم يكن قادراً بالتالي على خوض حرب أخرى ضد الاتحاد السوفييتي. وآذن دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب بتشكيل ائتلاف دولي واسع ضد ألمانيا الهتلرية وحلفائها.


وبينما دخلت قوات سوفيتية في شهر آب 1941 إلى إيران، بموجب المعاهدة السوفيتية-الإيرانية العائدة إلى سنة 1921، التزمت تركيا موقف الحياد في الحرب. وعلى الرغم من تحسن علاقات الاتحاد السوفييتي مع بريطانيا، فإن ستالين ظل منزعجاً من رفض تشرتشل فتح جبهة عسكرية ثانية ضد القوات الألمانية في أوروبا. وفي أيار 1942 ، سافر مولوتوف إلى لندن ثم إلى واشنطن، ووقّع مع وزير الخارجية البريطاني أنطوني إيدن معاهدة صداقة وتعاون مشترك صالحة لمدة عشرين عاماً. وصدر في واشنطن، في 11 حزيران 1942، بيان مشترك حول "مبادئ التعاون المشترك في الحرب ضد المعتدي". بيد أن العبء الرئيسي للحرب ظل واقعاً على كاهل الاتحاد السوفييتي.

 


 "أموت، لكنني لن أستسلم أبداً! الوداع يا وطني".


هذه العبارة كتبها شخص مجهول الهوية على جدار قلعة بريست-ليتوفسك المحاصرة، وهي عبّرت، أصدق تعبير، عن روح المقاومة البطولية التي أبدتها شعوب الاتحاد السوفييتي في مواجهتها للاحتلال الألماني بجيمع الأشكال وعلى جميع المستويات.

  
منذ 24 حزيران 1941، تشكلت لجنة قيادية مسؤولة عن إجلاء المصانع والمؤسسات من مناطق المعارك في الغرب أو تدميرها في حال بروز احتمال بوقوعها في أيدي القوات الغازية. وتم بالفعل إجلاء حوالي 2000 مؤسسة صناعية كبيرة من غرب البلاد إلى شرقها، وأعيد تشغيلها في مناطق ما وراء الفولغا والأورال وغرب سيبيريا وكازاخستان وآسيا الوسطى. وبذلت، في الوقت نفسه، جهود كبيرة، لتطوير صناعة الأسلحة، وبخاصة في مجالي الطائرات والدبابات، إذ خصصت لها سنة 1942 نحو 55 في المئة من الدخل الوطني . وتسلم الاتحاد السوفييتي مساعدات عسكرية واقتصادية من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ، لكنها لم تمثل سوى نسبة قليلة بالمقارنة مع الإنتاج الوطني.


كان هتلر يزدري شعوب الاتحاد السوفييتي، ويصفهم بـ "السلافيين-المغول"، و"البدو المسيسين" و"البشر الأدنى"، بحيث صارت تصفية هذه الشعوب، التي "لا تستحق الحياة"، أمراً مشروعاً في نظر النازيين. وعليه يعتقد أن نحو 4 ملايين سجين سوفييتي لقوا حتفهم في المعتقلات النازية، إضافة إلى نحو 280000 سوفييتي لقوا المصير نفسه في معسكرات العمل القسري التي نقلوا إليها في ألمانيا (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 378-381). وكانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي قد نشرت في 18 تموز 1941 بياناً "حول تنظيم النضال خلف خطوط العدو". وخلال الأشهر الأولى للغزو، نشأت حركة الأنصار بين صفوف الوحدات العسكرية السوفيتية المنسحبة أو المعزولة، التي صارت تنضم إليها مجموعات كبيرة من الشيوعيين. وإذ منع نقص السلاح والعتاد هذه الحركة من لعب دور كبير ومؤثر خلال عامَي 1941 و1942، على الرغم من مساهمتها في عرقلة حركة القوات الألمانية وفي تعزيز مقاومة السكان، فإن الأشهر الأخيرة من سنة 1942، شهدت نشوء مناطق في شمال أوكرانيا خاضعة كلياً لسيطرة حركة الأنصار، التي فرضت سيطرتها كذلك على 60 في المئة من مساحة روسيا البيضاء. وخلال عامَي 1943 و1944، صارت حركة الأنصار تشكل جيشاً مؤازراً للجيش الأحمر، ونجحت عملياتها في تحييد مئات الآلاف من الجنود الألمان وإخراجهم من ساحات المعارك. وعلى الرغم من حملات القمع النازي، هب السكان لدعم هذه الحركة، التي انضم إليها مئات الآلاف من الفلاحين. ولعب الشيوعيون دوراً كبيراً في هذه المقاومة الشعبية، إذ قُتل منهم 400000 في السنة الأولى للحرب. والتفت شعوب الاتحاد السوفييتي حول قيادة ستالين، وبخاصة بعد أن اتخذ قراره بالبقاء في موسكو على الرغم من الخطر الكبير الذي كان يتهددها، وشارك بشجاعة وقُتل في معارك الدفاع عن الوطن السوفييتي عدد كبير من الذين تعرضوا لحملات القمع التي نظمها ستالين في الثلاثينيات. وكان ستالين قد أضفى على الحرب في مواجهة الغزو الألماني طابعاً وطنياً، وذلك بعد أن لجأ إلى ماضي روسيا البعيد وإلى الروح الثورية في تقاليد البلاشفة، كما تجلى ذلك في صرخته في احتفال 7 تشرين الثاني 1941: "عاش وطننا المجيد، عاشت حريتنا، عاش استقلالنا؛ إلى الأمام نحو النصر خلف علم لينين العظيم". وبغية تعزيز الوحدة الوطنية، سعى ستالين إلى التقرب من الكنيسة الأرثوذكسية، التي أطلقت نداء إلى الشعب في 22 حزيران 1941 للنضال ضد هتلر؛ وتميّز في مقاومة الغزو الدور الذ ي لعبه جنرالات الجيش الأحمر، وبخاصة الجنرال جيفكوف الذي برز بصفته الاستراتيجي الأول الذي نجح في تنظيم هذا الجيش وفي وضع استراتيجية انتصاره في المواجهة (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 391-391).

 


الاتحاد السوفييتي ينتصر في حربه الوطنية 


منذ كانون الثاني 1943، بدأ الجيش الأحمر هجومه المضاد على جميع الجبهات. وفي 16 شباط، نجح في تحرير مدينة خاركوف في أوكرانيا، وأعلن ستالين في 23 شباط أن "عملية طرد العدو خارج أراضي الاتحاد السوفييتي قد انطلفت"، وانتقد، في الوقت نفسه، عدم وفاء الحلفاء بوعدهم بشأن فتح جبهة قتال ثانية في أوروبا، معتبراً أن الجيش السوفييتي ما زال يتحمل العبء الأكبر للحرب. وفي 15 أيار 1943، أوعز بحل الأممية الشيوعية (الكومنترن) بغية فضح الدعاية النازية التي تزعم أن هذه المنظمة يوظفها الاتحاد السوفييتي للتدخل في شؤون الدول الأخرى والسعي إلى بلشفتها. بيد أن العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والحلفاء بقيت متوترة طوال ربيع سنة 1943، وزادها توتراً الخلاف بين الطرفين حول المسألة البولونية. ولم يرضِ الإنزال العسكري الذي قام به الحلفاء في جزيرة صقلية يوم 10 تموز 1943 ستالين الذي كان ينتظر إنزالاً في فرنسا، علماً أن سقوط حكم موسوليني في إيطاليا في 24 تموز 1943 أضعف ألمانيا النازية.


ما بين 28 تشرين الثاني و 1 كانون الأول 1943، عقدت في طهران قمة ثلاثية شارك فيها كلُ من جوزيف ستالين، وفرانكلين روزفلت وونستون تشرتشل. ومنذ اليوم الأول للقمة، طالب ستالين بتحديد موعد دقيق لانطلاق عمليات الجبهة الثانية العسكرية، ودعمه في ذلك الرئيس الأميركي الذي اجتمع به مرتين، وهو ما تحقق في 6 حزيران 1944، عندما نزلت القوات الأميركية والبريطانية على شواطئ منطقة النورماندي الفرنسية، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأميركية تواصل مساعيها الرامية إلى إنتاج القنبلة النووية.


بعد تحرير مدينة لينينغراد بصورة كاملة في كانون الثاني 1944، واصل الجيش الأحمر تقدمه على جبهات القتال، فحرر مدينة مينسك عاصمة روسيا البيضاء في 13 تموز، وساعد في 8 أيلول في تحرير صوفيا عاصمة بلغاريا، ثم تقدم نحو الحدود الفنلندية على جبهة الشمال، وتمّ في 19 نيسان، بعد طرد القوات الألمانية، توقيع هدنة بين الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفنلندا، ووصلت القوات السوفيتية في نهاية أيلول 1944 إلى الحدود اليوغوسلافية، وقدمت دعمها للمقاومة الشعبية بقيادة الماريشال تيتو، وساهمت بذلك في تحرير بلغراد في 20 تشرين الأول. وفي اليوم نفسه، دخلت القوات السوفيتية الأراضي الهنغارية، ونجحت، في خريف ذلك العام، في تحرير أراضي ليتوانيا ولاتفيا واستونيا.


كانت أراضي الاتحاد السوفييتي قد تحررت بكاملها في أواخر سنة 1944، ، وساهم الجيش الأحمر في تحرير أراضي رومانيا وبلغاريا، ودخل أراضي بولونيا وسلوفاكيا وهنغاريا. وفي 17 كانون الثاني 1945، تحررت وارسو ، وباتت القوات السوفيتية، في 29 كانون الثاني، على بعد 70 كيلومتراً من برلين. وفي 4 نيسان حررت القوات السوفيتية مدينة براتيسلافيا عاصمة سلوفاكيا، واحتلت فيينا في 13 نيسان، ثم حررت براغ في 8 أيار. وكان هجومها على برلين قد بدأ في 16 نيسان، ووصلت بعد خمسة أيام إلى ضواحي المدينة، وفي 30 نيسان كان العلم السوفييتي يرفرف فوق مبنى البرلمان. وانتحر هتلر في اليوم نفسه، وتوقفت المعارك في 2 أيار 1945.


وفي 7 أيار 1945 استسلم جنرالات الجيش الألماني، الذي كانت شوكته قد كسرت على الأرض السوفيتية قبل قيام الحلفاء بإنزالهم العسكري في فرنسا في حزيران 1944. ووقعت هيئة أركان الجيش الألماني مع قيادة قوات الحلفاء في مدينة "ريمز" الفرنسية، في ذلك اليوم، اتفاق الاستسلام. بيد أن ستالين أصر على أن يتم توقيع اتفاق الاستسلام في برلين، وهو ما تمّ في 8 أيار، على أن يسري مفعوله اعتباراً من اليوم التالي. ولهذا السبب صار الاتحاد السوفييتي يحيي يوم النصر على النازية في الحرب الوطنية في 9 أيار من كل عام.

 


التوافقات الدولية بعد النصر


كانت قمة يالطا التي عقدت في 2 شباط 1945 بحضور ستالين وروزفلت وتشرتشل، قد كرست تقسيم أوروبا الذي تحقق عبر القوة، وقررت تشكيل هيئة الأمم المتحدة مع مجلس أمن يتكوّن من خمس قوى عظمى تتمتع بحق النقض. وفي 13 نيسان، توفي فرانكلين روزفلت وترك مكانه في البيت الأبيض لنائبه هاري ترومان.


غداة انتهاء الحرب، كان الجيش الأحمر يعد أكثر من 11 مليوناً من الجنود والضباط، وكان قد احتل برلين وفيينا، وحرر واحتل براغ، وبودابست، ووارسو، وبلغراد، وبوخارست، وفي الشرق منشوريا، وكوريا الشمالية، أي أن قوة الاتحاد السوفييتي كانت كبيرة جداً، وشهرته أيضاً، وظهر في نظر الشعوب بصفته المحرر من نير النازية وقاهر هتلر وجيشه، الذي خسر في معاركه على جبهة الاتحاد السوفييتي 80 في المئة من إجمالي خسائره في الحرب العالمية الثانية . بيد أن خسائر الاتحاد السوفييتي البشرية كانت هائلة أيضاً، إذ قُدر عدد المواطنين السوفييت الذي قتلوا في الحرب بنحو 26 مليوناً، كان 11 مليوناً منهم من العسكريين و 15 مليوناً من المدنيين. وفي لينينغراد وحدها، كانت خسائرالاتحاد السوفييتي البشرية أكبر من خسائر الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مجتمعتين طوال الحرب. أما خسائره المادية فلم تكن أقل من خسائره البشرية، إذ جرى تدمير 1700 مدينة و 70000 قرية، و 31850 مصنعاً وعشرات الملايين من رؤوس الماشية (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 418-419 و ص 424- 426).


كان مؤتمر بوتسدام هو الأخير الذي جمع ممثلي الدول الثلاث الكبرى في الأسبوع الأخير من  تموز 1945. وحضره ستالين وترومان وتشرشل. وقد خلف هذا الأخير في بوتسدام كليمنت أتلي الذي فاز حزبه في الانتخابات التشريعية البريطانية. وجرت المفاوضات في أجواء معقدة؛ فقبل التئام المؤتمر بأيام، قامت الولايات المتحدة الأميركية في 16 تموز بتفجير أول قنبلة نووية. وكرست القرارات التي اتخذت في بوتسدام نتائج قمة يالطا. وفي 6 و 9 آب 1945، ألقت طائرات أميركية قنبلتين نوويتين على مدينتَي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، كانتا، في الوقت نفسه، بمثابة تحذير إلى ستالين، الذي دخل الحرب ضد اليابان، ونجح الجيش الأحمر في 14 آب 1945 في هزيمة الجيش الياباني، واستعاد الأراضي التي فقدتها روسيا خلال الحرب الروسية-اليابانية سنة 1904، في شمال كوريا، ومنشوريا، وجزر كوريل وسخالين. وفي 2 أيلول 1945، أعلن اليابان استسلامه، فكان ذلك إيذاناً بنهاية الحرب العالمية الثانية.   


وبينما استغلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب لتطوير اقتصادها ، بحيث تضاعف إنتاجها الصناعي، واجه الاتحاد السوفييتي صعوبات كبيرة في عملية إعادة الإعمار، التي انطلقت بالتوازي مع عمليات تحرير الأراضي المحتلة، وذلك بإشراف لجنة خاصة تشكلت في آب 1943 لإعادة إعمار المناطق المحررة، برئاسة عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي مالينكوف.

 

 

 الاتحاد السوفييتي في سنوات ستالين الأخيرة


خرج الاتحاد السوفييتي من الحرب العالمية الثانية منتصراً ومدمراً في آن معاً. فمن جهة، كان وضعه الجيو-سياسي جيداً إذ كان الجيش الأحمر، الذي قدم المساهمة الرئيسية في انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية ، يحتل ثلث أراضي أوروبا خارج حدود بلاده، وكانت هيبة الاتحاد السوفييتي كبيرة، إذ أظهرت شعوبه أمام العالم، من خلال مقاومتها البطولية، حقدها على النازية ووطنيتها بل وحتى وفاءها للنظام الشيوعي.


وبينما كانت ألمانيا مسحوقة، وإيطاليا مهزومة، وبريطانيا وفرنسا ضعيفتين، واقتصاد أوروبا منهار، كانت الأحزاب الشيوعية، التي أنعشها الانتصار السوفييتي، في ذروة نفوذها. ومن جهة أخرى، كان الاتحاد السوفييتي ينزف بشدة نتيجة خسائره البشرية والمادية الهائلة، وتراجع ناتجه الوطني الإجمالي إلى ثلث ما كان عليه قبل الحرب، وكانت مناطقه الغربية المتطورة، كأوكرانيا وروسيا البيضاء، هي التي أصابها الدمار الأكبر خلال الحرب. أما الدولة التي خرجت من الحرب أكثر قوة، فكانت الولايات المتحدة الأميركية التي ضاعفت إنتاجها الصناعي، وكانت تحوز وحدها 45 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي. وكان حضورها قوياً في أوروبا على الصعد العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتحتكر السلاح النووي، وتشكّل تالياً على المستوى الأوروبي المنافس الوحيد للاتحاد السوفييتي.

 


الأوضاع الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي بعد الحرب


كانت مهمة إعادة بناء ما دمرته الحرب على رأس جدول أعمال قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، التي برز في داخلها اتجاهان بشأن النهج الذي ينبغي انتهاجه لتحقيق هذه المهمة: الأول، دعا إلى اتّباع سياسة اقتصادية تحافظ على التنازلات التي قدمتها الدولة خلال سنوات الحرب، وخصوصاً إلى الفلاحين، والسير على طريق تنمية متوازنة تساعد على تطوّر صناعة المواد الاستهلاكية؛ بينما دعا الثاني إلى اتبّاع الطرائق نفسها التي كانت متبعة قبل اندلاع الحرب، أي سيطرة الدولة الكاملة على الاقتصاد، والتخطيط المركزي ومنح الأولوية للصناعة الثقيلة. وكان يقبع في خلفية الخلاف بين هذين الاتجاهين تقديران متباينان لآفاق تطوّر الوضع الدولي: ففي حين قدّر أنصار الاتجاه الأول أن العالم الغربي، المنقسم على نفسه بين"إمبرياليات" عديدة، ويواجه أزمة اقتصادية وسياسية كبيرة لن يكون قادراً على التوحد في مواجهة الاتحاد السوفييتي وتهديده؛ قدّر أنصار الاتجاه الثاني أنه ستتشكّل، بعد الحرب، جبهة غربية موحدة في مواجهة الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي يفرض على هذا الأخير أن يعمل بسرعة من أجل إعادة بناء قوته العسكرية-الصناعية. ومنذ خريف سنة 1946، بدا أن الغلبة كانت من نصيب الاتجاه الثاني، داخل قيادة الحزب، الذي حظي بدعم ستالين.


 وعليه، أكدت الخطة الخمسية الرابعة ما بين عامَي 1946 و1950 أهمية الصناعة الثقيلة التي استحوذت على 85 في المئة من الاستثمارات، وركزت على إنتاج الكهرباء، والحديد، والفولاذ، والاسمنت، والخشب، والآلات الزراعية، والتصنيع العسكري، وخصوصاً في المجالين النووي والفضائي. وأدى تسريح أكثر من عشرة ملايين فرد من أفراد الجيش الأحمر إلى زيادة حجم اليد العاملة. بيد أن الخطة الخمسية الرابعة، لم تكتفِ بإعادة البناء، بل سعت إلى زيادة حجم الصناعة الثقيلة ومستوى إنتاجيتها؛ ولوحظ ارتفاع في مستوى حياة السكان في المدن، وإعادة توزيع للدخل لصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة. وساعد على تنفيذ تلك الخطة التعويضات التي حصل عليها الاتحاد السوفييتي من ألمانيا وحلفائها في الحرب، التي اتخذت أحياناً شكل مصانع كاملة تمّ تفكيكها ثم إعادة تركيبها في الاتحاد السوفييتي.


 وبتعبئة موارده، نجح الاتحاد السوفييتي في إطار الخطة الخمسية الرابعة بتحقيق معدلات نمو مرتفعة نسبياً. كما نجح في الوصول بسرعة إلى توازن مع الولايات المتحدة الأميركية في المجال النووي، فأجرى أول تجربة لقنبلة نووية في سنة 1949 ولقنبلة هيدروجينية في سنة 1954. ولم تختلف الخطة الخمسية الخامسة ما بين 1951 و1955 عن سابقتها، إذ حققت بدورها نجاحات كبيرة في قطاعات معقدة مثل التسلح، والفضاء، والطاقة النووية، وفي مشاريع كبرى مثل قناة فولغا-دون. بيد أن متطلبات إعادة البناء الهائلة فرضت على العمال شروطاً قاسية لزيادة إنتاجية عملهم، وأخضعتهم لنظام انضباط حديدي، وهو ما كان يخلق حركات احتجاج بين صفوفهم وحتى داخل منظمات الحزب الشيوعي.


أما الزراعة فقد بقيت متعثرة وصعبة التسيير، وتعاني من موجات جفاف شديدة كانت تتسبب بمجاعات قاتلة. فبعد أن كانت الحرب قد أدّت إلى تخفيف حدة القواعد الصارمة المتبعة في الكولخوزات (المزارع التعاونية) وسمحت لأعضائها بالعودة إلى الاستثمار الفردي، أو بزيادة مساحة الأراضي الواقعة تحت تصرفهم على حساب الأراضي الجماعية، استعادت السلطات السوفيتية، بعد انتهاء الحرب، الأراضي التي صار الفلاحون يتصرفون بها خلال سنوات الحرب وأعادت فرض قواعد الانضباط الصارم عليهم، وأفقدهم الإصلاح النقدي الذي أقر في سنة 1946 الفوائد الشخصية التي جنوها في تلك الفترة. ففي 1 أيلول 1947، تم نزع نحو 5600000 هيكتار من اسثمارات الفلاحين الفردية، وإعادتها إلى الملكية الجماعية، ثم اتخذ المكتب السياسي للحزب الشيوعي قراراً بتوسيع مساحات الكولخوزات، ونجحت السلطات في تجميع نحو 250000 استثمار كولخوزي في أقل من 100000 استثمار كولخوزي. ثم أطلق نيكيتا خروتشوف، الذي أصبح مسؤولاً عن الزراعة في قيادة الحزب، مشروعاً لجمع الفلاحين في مدن زراعية تنهي التمييز بين المدينة والريف وبين العامل والفلاح، تبين سريعاً أنه مشروع غير واقعي وتمّ انتقاده والتخلي عنه. وعلى الرغم من جميع الجهود الحزبية والحكومية التي بذلت لتطوير الإنتاج الزراعي، فإن نقص هذا الإنتاج بقي نقطة ضعف رئيسية في الاقتصاد السوفييتي، كما اعترف بذلك خروتشوف نفسه بعد وفاة ستالين.

 


الأوضاع الإدارية والسياسية


 عندما غزت قوات ألمانيا النازية أراضيه، فقد الاتحاد السوفييتي خمس جمهوريات اتحادية من جمهورياته هي ليتوانيا، ولاتفيا، وأستونيا، ومولدافيا وجمهورية كاريلو-الفنلندية. ومع استعادة الجيش الأحمر زمام المبادرة وتقدمه نحو الغرب، راحت الحكومة السوفيتية تستعيد السيطرة على هذه الجمهوريات وبات الاتحاد يضم، عند نهاية الحرب، 16 جمهورية اتحادية، قبل أن يتقرر إعادة جمهورية كاريلو-الفنلندية إلى وضعها السابق بصفتها جمهورية حكم ذاتي في إطار جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية. وفي الوقت نفسه، اتخذت الحكومة السوفيتية، بعد الحرب، قراراً بتفكيك خمس جمهوريات من جمهوريات الحكم الذاتي هي: جمهورية ألمان الفولغا ذات الحكم الذاتي، وأربع جمهوريات في منطقة القرم، في شمال القوقاز، وفي المناطق المجاورة، وذلك بحجة أن سكانها تعاطفوا مع المحتلين الألمان أو تعاونوا معهم.


أما على الصعيد السياسي، فقد كان ستالين يقرر كل شيء، إذ لم تجتمع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي سوى مرة واحدة خلال سنوات الحرب، ثم صارت تجتمع بصورة نادرة حتى سنة 1951، بينما لم ينعقد مؤتمر الحزب قبل سنة 1952. وفي آذار 1946، أدخلت تغييرات على تركيبة المكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية. وبرز أندريا جدانوف، الذي كان قائد الحزب في لينينغراد خلال حصارها من قبل القوات الألمانية الغازية، بصفته الساعد الأيمن لستالين منذ سنة 1946 حتى وفاته في آب 1948. وفتح موت جدانوف أبواب الخلافة على مصراعيها، إذ كان ستالين يحيط نفسه بقادة كبار في السن مثل فاتيسلاف مولوتوف، والماريشال كليمنت فوروشيلوف، ولازار كاغانوفيتش، وأنستاس ميكويان، ومن قادة أكثر شباباً مثل لافرينتي بيريا، ونيكيتا خروتشوف، وجورجي مالينكوف، وهذا الأخير كانت تزداد أهميته ويظهر وكأنه الخليفة الأكثر احتمالاً لستالين.


وكان ستالين وقيادة الحزب الشيوعي قد توجها، بعد الانفتاح النسبي خلال سنوات الحرب، نحو العودة إلى النظام السياسي الذي كان سائداً في الثلاثينيات. فتقرر، بعد استعادة السيطرة على دول البلطيق، وأوكرانيا وبولونيا الشرقية ومولدافيا في سنة 1945، ترحيل عدد كبير من سكان هذه المناطق إلى معسكرات العمل بتهمة التعاون مع الألمان، علاوة على أعداد كبيرة من الجنود السوفييت الذين اتهموا بالتخاذل خلال المعارك، ومئات الآلاف من سجناء الحرب الألمان واليابانيين الذين لم يفرج عنهم سوى في منتصف الخمسينيات. كما انطلقت في سنة 1948-1949 موجة واسعة من الاعتقالات. وتجلت ظاهرة عبادة الشخصية بأسطع صورها لدى الاحتفال بالعيد السبعيني لجوزيف ستالين، في 21 كانون الأول 1949. بيد أن حملات التطهير الكبرى التي شهدتها فترة ما قبل الحرب لم تتكرر، وهو ما دل على استقرار حقيقي للنظام. وفي سنة 1946، تحولت مفوضيات الشعب إلى وزارات وجرى تقليص عددها.

 


الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة


تمكن الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه الغربيون، قبل القطيعة التي وقعت بينهم، من تطبيق اتفاقهم بشأن تقاسم ألمانيا وإدارتها، وتقديم الزعماء النازيين الرئيسيين لمحكمة نورمبرغ الدولية في سنة 1946. وفي شباط 1947، وقع المنتصرون معاهدات سلام مع إيطاليا ورومانيا، وهنغاريا، وبلغاريا وفنلندا. وحصل الاتحاد السوفييتي على تعويضات مجزية عن الخسائر الفادحة التي لحقت به خلال سنوات الحرب. بيد أن التعاون بين الاتحاد السوفييتي والقوى الغربية انتهى سريعاً، إذ لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الرقابة الدولية على الطاقة النووية، ونشأت أزمة كبيرة، في سنة 1946، بينه وبين القوى الغربية قبل أن يقرر سحب قواته من إيران.


والواقع، أن القوى الغربية هي المسؤولة الأولى عن اندلاع الحرب الباردة وعن تشكّل الكتلتين في سنة 1947. فمنذ 5 آذار 1946، تحدث ونستون تشرتشل، الذي لم يكن يشغل في ذلك الحين منصباً رسمياً، في خطاب ألقاه في ولاية "ميسوري" الأميركية عن "الستار الحديدي" الذي أقامه الاتحاد السوفييتي في أوروبا، وأدان الخطر الذي يمثله "التوسع الشيوعي" على الديمقراطية، مؤذناً بانطلاق الحرب الإيديولوجية بين الشرق والغرب. واستُخدم تعبير "الحرب الباردة" للمرة الأولى في هيئة الأمم المتحدة في 13 آذار 1947 من جانب برنارد باروخ، مستشار الرئيس الأميركي هاري ترومان، الذي قال: "لا يتوجب أن نخدع أنفسنا، فنحن اليوم في وسط حرب باردة". أما جورج كينان، القائم بالأعمال في السفارة الأميركية في موسكو، فقد ذكر أن الزعماء السوفييت "يخشون دوماً التغلغل الأجنبي والاتصال المباشر مع العالم الغربي"، وأن حاجتهم إلى الأمن "تتطلب التوسع اللامحدود للنفوذ السوفييتي في العالم"، داعياً إلى "كبح" تقدم الشيوعية باللجوء إلى جميع الوسائل إلى أن تضعفها تناقضاتها الداخلية وتفضي إلى تغييرها.


 وبرز التشدد الأميركي إزاء الاتحاد السوفييتي منذ كانون الثاني 1947 عندما عُيّن عسكري شهير في منصب وزير الخارجية هو الجنرال مارشال. وصارت الولايات المتحدة مقتنعة منذ ذلك الحين بضرورة انتهاج سياسة حازمة إزاء الاتحاد السوفييتي بغية كبح التمدد الشيوعي. ولتحقيق ذلك، تسلحت الولايات المتحدة باحتكارها السلاح النووي، وبقوتها المالية والاقتصادية الكبيرة، وبوكالة مخابرات فاعلة تشكلت للتو. وفي 11 آذار 1947، ألقى الرئيس هاري ترومان خطاباً أمام الكونغرس أعلن فيه أن بلاده ستوفر الحماية لكلٍ من اليونان وتركيا، فيما صار يُعرف باسم "عقيدة ترومان"، وفحواها أن العالم بات منقسماً بين نظامين متعارضين بصورة جذرية ويولدان نمطين مختلفين تماماً من الحياة؛ وأن "العالم الحر" بات في الغرب، بينما "النظام التوتاليتاري" يقبع في الشرق، وأن أمن الولايات المتحدة أصبح مهدداً وتستلزم حمايته تدخلاً أميركيا في كل مكان يتعرض لعدوان شيوعي مباشر أو غير مباشر.


 وفي حزيران 1947، تم تبني "مشروع مارشال" الذي هدف إلى إحياء الاقتصادات الأوروبية بغية رفع مستوى حياة السكان والحد من انتشار عدوى الشيوعية، وإطلاق مشروع وحدة أوروبية يعاظم من القدرة على مقاومة الشيوعية في أوروبا، كما هدف إلى السعي إلى القضاء على البطالة وتوفير فرص العمل في الولايات المتحدة الأميركية لإبعاد شبح انفجار أزمة اقتصادية كتلك التي انفجرت سنة 1929. واقترح المشروع تقديم مساعدات اقتصادية لكل الدول التي تحتاجها، قدرت قيمتها بمبلغ 13 ملياراً ونصف المليار دولار تمتد على مدى 4 سنوات. وفي تموز 1947، تشكلت "المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي" التي كانت مهمتها توزيع المساعدات الأميركية على الدول المختلفة. وقد نظرت القيادة السوفيتية إلى "مشروع مارشال" باعتباره مناورة إمبريالية ترمي إلى فرض السيطرة الأميركية على الدول الأوروبية التي تتلقى المساعدات، ويؤذن بالتحضير لحرب ضد الاتحاد السوفييتي. وفي أيلول 1947، بلور أندريا جدانوف "عقيدته" التي قامت على أن العالم بات منقسماً إلى معسكرين لا تصالح بينهما: "معسكر إمبريالي، غير ديمقراطي وعدواني" تقوده الولايات المتحدة، و"معسكر مناهض للإمبريالية، ديمقراطي وسلمي"، يقوده الاتحاد السوفييتي. وتشكّل "الكومنفورم" بصفته مكتباً إعلامياً يؤمن الصلات بين الأحزاب الشيوعية المختلفة، ويضم الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية والحزبين الشيوعيين القويين في فرنسا وإيطاليا اللذين استبعدا من الحكومات الائتلافية التي كانت قائمة في بلديهما.


وبموازاة احتدام الصراع الإيديولوجي على الصعيد الدولي، بعد اندلاع الحرب الباردة، نظمت قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي حملة عقائدية رمت إلى تعزيز التمسك بالعقيدة الشيوعية، والتصدّي لأنصار"النزعات البرجوازية" والمتأثرين بالدعاية الغربية في الداخل، وارتبطت هذه الحملة، التي عرفت في الغرب باسم "الجدانوفية"، بأندريا جدانوف عضو المكتب السياسي للحزب. وفي إطار هذه الحملة، اتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي قرارات تتعلق بالسينما، والمسرح، والأدب، والرسم والموسيقى. ففي 14 آب 1946، أدينت الشاعرة آنا أخمتوفا والكاتب ميخائيل زوشتشينكو بتهمة الابتعاد عن السياسة، وضحالة الأفكار، والنزعة التشاؤمية، وممارسة "الفن للفن" والتذيل للغرب. وأخضع الرسامون والكتاب والفنانون لمنظومة "الواقعية الاشتراكية" المتحجرة. وعلى الصعيد العلمي، طالب تروفيم ليسنكو بإزاحة جميع علماء الوراثة "البرجوازيين" من أنصار أبي علم الوراثة النمساوي غريغور يوهان مندل، داعياً إلى تطوير "علم" وراثة ميكانيكي، إرادوي، قادر على تحويل الطبيعة والإنسان بصورة سريعة. وفي 15 شباط 1947، صادق المكتب السياسي للحزب الشيوعي على مرسوم هيئة رئاسة مجلس السوفييت الأعلى الذي يمنع زواج المواطنين السوفييت بالأجانب، وهو المرسوم الذي ألغي في تشرين الأول 1953. وفي أواخر أيلول 1947، شدّد جدانوف ومالينكوف، في الاجتماع الأول لـ "الكومنفورم" في بولونيا، على ضرورة خوض نضال إيديولوجي ضد الإمبريالية الإنكليزية والأميركية، وعملاء الغرب، الذين يشوهون صورة الاتحاد السوفييتي ويصفونه بأنه "قوة غير ديمقراطية وتوتاليتارية".


وفي الولايات المتحدة الأميركية، برزت في إطار الصراع الإيديولوجي بين المعسكرين ظاهرة "المكارثية" التي ارتبطت باسم جوزيف مكارثي، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري من ولاية ويسكنسن، الذي أشاع في سنة 1950 نظرية "المؤامرة الشيوعية" الداخلية، وترأس في سنة 1952 لجنة خاصة صارت تزرع الشكوك لتوجيه اتهامات بالشيوعية إلى عاملين في الإدارة وإلى فنانين من هوليود، ثم إلى عدد من العسكريين الأميركيين الكبار.

 


تشكّل "الديمقراطيات الشعبية" في أوروبا الشرقية والوسطى


بعد تحرير أراضيها من الاحتلال الألماني، بمساعدة الجيش الأحمر، تشكّلت أنظمة "الديمقراطيات الشعبية" على النمط السوفييتي في بلغاريا في سنة 1947، وفي رومانيا وهنغاريا في سنة 1948، بينما برز في كلٍ من يوغوسلافيا، بزعامة الماريشال جوزيف بروز تيتو، وفي ألبانيا، بزعامة أنور خجا، نظامان شيوعيان غريبان إلى حد ما عن النمط السوفييتي. وما بين عامَي 1947 و 1948، قام نظام "ديمقراطي شعبي" في بولونيا رغماً عن الحلفاء الغربيين الذين بذلوا جهوداً حثيثة لمنع قيامه. وفي تشيكوسلوفاكيا، فاز تحالف شيوعي-اشتراكي في الانتخابات التشريعية التي جرت في شباط 1948، وحصل الشيوعيون فيها على ما يقرب من 38 في المئة من أصوات المقترعين، ودعي قائد الحزب الشيوعي كلمنت غوتوالد لترؤس حكومة إئتلافية. بيد أن الوزراء غير الشيوعيين في هذه الحكومة الائتلافية ما لبثوا أن استقالوا للدفع نحو إجراء انتخابات جديدة، فقام الحزب الشيوعي بتنظيم مظاهرات حاشدة في البلاد، ووافق الرئيس إدوارد بنيس على تشكيل حكومة شيوعية متجانسة خوفاً من انفجار حرب أهلية، ثم استقال من منصبه وانتخب كلمنت غوتوالد رئيساً في حزيران 1948.

 

وأمام أحداث تشيكوسلوفاكيا هذه، التي أطلقوا عليها في الغرب اسم "انقلاب براغ" الأحمر، وقفت القوى الغربية عاجزة ومصدومة. ومع الوقت، تبنت "الديمقراطيات الشعبية" الجديدة في أوروبا، التي رفضت "مشروع مارشال"، سياسات التشريك، والتخطيط المركزي ونظام الحزب الواحد، وباتت جيوشها الوطنية على نمط الجيش الأحمر. وتحقق تكامل الاقتصادات الوطنية لهذه "الديمقراطيات الشعبية" مع الاقتصاد السوفييتي بعد تأسيس "مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل" (الكوميكون) في سنة 1949، ثم تحقق اندماج بناها العسكرية في إطار "منظمة حلف وارسو" في سنة 1955، وذلك بعد أن كانت القوى الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، قد أُعلنت في مدينة بروكسل، في 4 نيسان 1949، ولادة "منظمة حلف شمال الأطلسي" بين الدول الواقعة على ضفتي المحيط الأطلسي الشمالي، وهي المنظمة التي انضمت إليها تركيا واليونان في سنة 1952.


كان الماريشال  تيتو في يوغوسلافيا هو الوحيد الذي وقف في وجه ستالين، ووقعت القطيعة بين يوغوسلافيا والاتحاد السوفييتي في حزيران 1948، عندما طرح الزعيم اليوغوسلافي مشروعاً لإقامة فيدرالية بلقانية تتشكل نواتها من يوغوسلافيا وبلغاريا، وهو ما عارضه ستالين الذي كان يتخوف من بروز قطب شيوعي آخر. بيد أن الخلافات بين البلدين كانت أبعد من مشروع الفيدرالية البلقانية هذا، وطاولت قضايا حزبية وسياسية واقتصادية.

 


المسألة الألمانية وأزمة برلين: 1948-1949


إثر أحداث تشيكوسلوفاكيا ما بين شباط وحزيران 1948، صارت كل أوروبا الوسطى والشرقية تقريباً خاضعة لأنظمة شيوعية، بينما وقفت أوروبا الغربية إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية وسعت إلى الحفاظ على نظامها "الليبرالي الديمقراطي". أما ألمانيا وإلى حد ما النمسا، المحتلتان من قبل الحلفاء، فقد باتتا سريعاً ساحتين لصراع النفوذ بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ولم يكن الاتحاد السوفييتي وحده المسؤول عن تقسيم أوروبا، وخصوصاً ألمانيا، إذ كان "الشرق" و"الغرب" يتقاسمان في الواقع المسؤولية عن هذا التقسيم. وكما يذكر إيلينشتاين، كان ستالين، في الخيار الذي اختاره، يريد إقامة عازل أمني في الغرب يحمي حدود الاتحاد السوفييتي الأوروبية، التي كان يصل منها عبر التاريخ الغزاة الأوروبيون الطامحون إلى احتلال روسيا: البولونيون في سنة 1610؛ الفرنسيون في سنة 1812؛ الألمان في سنة 1914 وفي سنة 1941.


قرر الأميركيون والبريطانيون والفرنسيون تسريع إعادة بناء الاقتصاد في مناطق نفوذهم في غرب ألمانيا، معتبرين ذلك أفضل وسيلة للحد من تمدد الشيوعية، كما قرروا السير على طريق إقامة دولة ألمانية قابلة للحياة اقتصادياً وسياسياً في مناطق سيطرتهم. وبعد وصول المفاوضات بين ممثليهم وممثلي الاتحاد السوفييتي حول مستقبل ألمانيا إلى طريق مسدود، اجتمع ممثلو الدول الغربية الثلاث في لندن ما بين نيسان وحزيران 1948، واتخذوا قرارات ثلاثة هي: توحيد مناطق نفوذ الدول الثلاث؛ انتخاب جمعية تأسيسة في 7 حزيران 1948؛ طرح "المارك الألماني" في 20 حزيران بصفته عملة نقدية جديدة، وذلك من دون التشاور مع الاتحاد السوفييتي.


كانت مدينة برلين محتلة ومنقسمة إلى أربع مناطق نفوذ، أو بالأحرى إلى منطقتَي نفوذ: منطقة شرقية خاضعة للسيطرة السوفيتية، ومنطقة غربية خاضعة لسيطرة أميركية، وبريطانية وفرنسية، يسكنها مليونا نسمة، وتقع داخل المنطقة السوفيتية وتتصل بالمناطق الخاضعة للغربيين بممرات ثلاثة برية وجوية. ورداً على خطوات الحلفاء الغربيين هذه، فرض ستالين، في 24 حزيران 1948، حصاراً على برلين يغلق منافذ الوصول إلى برلين الغربية كافة، وذلك بغية خنق المدينة وطرد الغربيين منها. فرد الرئيس الأميركي هاري ترومان بإقامة جسر جوي تواصل على مدى 11 شهراً وتمّ عبره إيصال مليونين طناً ونصف المليون من المساعدات. وبعد نحو سنة على فرض الحصار، قرر ستالين رفعه. وفي أيلول 1949، أعلن الحلفاء الغربيون رسمياً قيام "جمهورية ألمانيا الاتحادية" وعاصمتها مدينة بون، بينما أعلن الاتحاد السوفييتي في تشرين الأول من العام نفسه قيام "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" بعاصمتها برلين الشرقية.

 

 

انتقال الحرب الباردة إلى آسيا واندلاع الحرب الكورية


من أوروبا انتقلت الحرب الباردة بين المعسكرين "الشرقي" و "الغربي" إلى آسيا. ففي تشرين الأول 1949، انتصر الشيوعيون في الصين بقيادة ماوتسي تونغ الذي أعلن قيام جمهورية الصين الشعبية، بينما أقام حزب "الكومينتانغ" القومي في جزيرة تايوان جمهورية الصين الوطنية بحماية الأسطول السابع الأميركي. ومباشرة بعد انتصار الشيوعيين في الصين، وقع الاتحاد السوفييتي معاهدة صداقة وتحالف وتعاون مع جمهورية الصين الشعبية في شباط 1950، وقام بتقديم مساعدات تقنية ومالية لها، وباتت الصين الشعبية تلعب دوراً سياسياً نشطاً في الشرق الأقصى. واندرجت حرب الهند الصينية ما بين 1946 و 1954 ضمن الحرب الباردة. فمنذ سنة 1950، راحت الولايات المتحدة الأميركية تقدم مساعدات إلى فرنسا، بينما قدم الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية مساعدات إلى المقاومين الفيتناميين المنضوين في إطار جبهة "الفييت-مين" بزعامة هوشي منه. وبعد معركة ديان بيان فو، التي دارت ما بين آذار وأيار 1954 وتكبد فيها الفرنسيون خسائر فادحة، وقّع الجانبان اتفاقيات جنيف في تموز 1954 التي أنهت الحرب، ونصت على استقلال لاوس وكمبوديا وأدت إلى تقسيم الفيتنام إلى دولتين: شيوعية في الشمال، وموالية للغرب في الجنوب.


أما كوريا، فكان قسمها الشمالي يخضع منذ شهر آب 1945 لسيطرة الاتحاد السوفييتي، ويخضع قسمها الجنوبي لسيطرة الولايات المتحدة الأميركية، وذلك وفقاً لاتفاقيات بوتسدام. وفي سنة 1948، قامت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في الشمال، وجمورية كوريا في الجنوب. وانسحبت القوات السوفيتية من الشمال في كانون الأول 1948، بينما انسحبت القوات الأميركية من الجنوب في حزيران 1949.


في 25 حزيران 1950، قررت حكومة كوريا الشمالية غزو أراضي كوريا الجنوبية. وبعد يومين، استغلت الولايات المتحدة الأميركية غياب المندوب السوفييتي عن اجتماع هيئة الأمم المتحدة ونجحت في استصدار قرار يدين غزو كوريا الشمالية، ويقضي بتشكيل قوات تدخل من 16 دولة ترفع علم هيئة الأمم المتحدة بقيادة أميركية، وأرسلت الولايات المتحدة الأميركية مباشرة إلى شبه الجزيرة الكورية قواتها البحرية المتمركزة في اليابان. وفي البدء، عجزت القوات الدولية عن وقف اندفاع الهجوم الكوري الشمالي، لكنها استطاعت في 28 أيلول 1950 استعادة السيطرة على مدينة سيول عاصمة كوريا الجنوبية. ووجد الرئيس الأميركي هاري ترومان، في ذلك الحين، ان الفرصة باتت مناسبة لتوحيد الكوريتين. وهكذا، واصلت القوات الدولية  توغلها في أراضي كوريا الشمالية ونجحت في الاستيلاء على مدينة بيونغ يانغ العاصمة، الأمر الذي دفع القيادة الصينية إلى التدخل المباشر، بصورة غير رسمية، من خلال إرسال وحدات من المتطوعين الصينيين المجربين، الذين أجبروا القوات الدولية على الانسحاب ووصلوا إلى مدينة سيول، وذلك قبل أن يستقر وضع الجبهة. وعندما فكر القائد العسكري الأميركي الجنرال ماكارثور باللجوء إلى عمليات قصف على نطاق واسع، وحتى إلى استخدام القنبلة النووية إن لزم الأمر، قرر الرئيس ترومان، المتخوف من نشوب صراع مفتوح مع الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية، إقالته من منصبه في 11 نيسان 1951. بيد أن كوريا بقيت ساحة للصراع بين المعسكرين، إذ صارت الصين توفر الرجال ويوفر الاتحاد السوفييتي العتاد للكوريين الشماليين، من جهة، بينما توفر الولايات المتحدة الأميركية الرجال والعتاد لقوات الأمم المتحدة وللكوريين الجنوبيين، من جهة ثانية، وذلك إلى أن تقرر في حزيران 1951، بدء مفاوضات، لم تسفر عن اتفاق هدنة سوى في تموز 1953، وهو الاتفاق الذي أبقى كوريا منقسمة إلى دولتين.


وهكذا، وبعد سقوط ملايين القتلى، ووقوع خسائر مادية فادحة، عاد الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب. وقد سرّعت حرب كوريا عملية إعادة بناء اليابان، كي تكون قادرة على الوقوف في وجه الصين والاتحاد السوفييتي. وفي تموز 1951، حددت معاهدة سان فرانسيسكو شروط استقلال اليابان، ثم تمّ، في آب 1953، توقيع معاهدة تعاون عسكري بين الولايات المتحدة الأميركية واليابان.

 


نهاية عهد ستالين


في 5 تشرين الأول 1952، افتتحت أعمال المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي برئاسة ستالين، الذي اكتفى بإلقاء كلمة ختامية قصيرة في حدود سبع دقائق، تاركاً لأقرب معاونيه فرصة تقديم التقارير الرئيسية أمام مندوبي المؤتمر. فقدم مالينكوف تقرير اللجنة المركزية للحزب الذي كشف فيه عن امتلاك الاتحاد السوفييتي القنبلة النووية، وأشاد بالنجاحات الاقتصادية التي حققتها الخطة الخمسية الرابعة، لكنه انتقد التجاوزات التي شهدتها عملية تجميع الكولخوزات ومشروع المدن الزراعية الذي طرحه خورتشوف. وفي تقريره الخاص بالتنظيم والنظام الداخلي للحزب، أدان هذا الأخير أشكال التحلل البيروقراطي واللاديمقراطي، وذلك في نقد مبطن لمالينكوف مسؤول سياسة إعداد الكوادر في اللجنة المركزية. وفي ختام أعماله، أقر المؤتمر عدداً من التغييرات على بنى الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي كان ستالين قد اقترحها، بحيث تختفي من اسمه صفة "البلشفي"، ويستعاض عن المكتب السياسي بمجلس رئاسة موسع ويزداد عدد أعضاء سكرتارية اللجنة المركزية. وخلال الأشهر الأخيرة من عهده، كان ستالين يعقد اجتماعات مصغرة تجمع عموماً مالينكوف وخروتشوف وبيريا وبولغانين، ولم تتح له، قبل وفاته، فرصة دعوة مجلس الرئاسة هذا إلى الانعقاد. وبعد وفاته، تقلص عدد أعضاء هذا المجلس إلى عشرة، بحيث لم يعد يتمايز عن المكتب السياسي سوى بالاسم.

   
في 4 آذار 1953، بينما كان التوتر الدولي على أشده، أُعلن في موسكو أن جوزيف ستالين أصيب، في الأول من الشهر ذاته، بنزيف دماغي. وبعد يومين، أي في 6 آذار، نشرت وكالة تاس خبر وفاته. وقد أثار خبر رحيله هستيريا جماعية داخل الاتحاد السوفييتي، وسجي جثمانه في دار النقابات كي يلقي عليه المواطنون السوفييت النظرة الأخيرة، وذلك قبل أن ينقل الجثمان، في 9 آذار، وسط تدافع جماهيري أدى إلى سقوط مئات القتلى، إلى الضريح الذي يرقد فيه جثمان لينين.

 

 

 الاتحاد السوفييتي في عهد "خروتشوف"


عقب وفاة جوزيف ستالين في 5 آذار 1953، تقرر تشكيل قيادة جماعية يتقاسم أفرادها المهمات، فأصبح جورجي مالينكوف أميناً أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ورئيساً لمجلس الوزراء، لكنه تخلى، بعد فترة قصيرة، عن المنصب الأول لنيكيتا خروتشوف، وتقرر تقليص عدد أعضاء هيئة رئاسة اللجنة المركزية من 25 عضواً أصيلاً إلى 11أعضاء أصيلين، ومن 11عضواً احتياطياً إلى 4 أعضاء احتياطيين.


وشغل لافرينتي بيريا، المسؤول عن البوليس السياسي منذ سنة 1939، منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية. وبغية تعزيز شرعيتهم، قام خلفاء ستالين بتنشيط الدور السياسي لهيئات الحزب القيادية. فمنذ سنة 1953، تحولت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي - كما كانت في العشرينيات- إلى محور الحياة السياسية، بحيث صارت تُطرح عليها جميع قضايا الخلاف بين أعضاء هيئة الرئاسة. وما بين 5 آذار 1953 و10 تشرين الأول 1964، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ثلاث مرات وسطياً في العام، بينما لم يعقد بين شباط 1947 وتشرين الأول 1952 أي اجتماع موسع لها. ومنذ 23 آذار 1953، صار يقل ذكر اسم جوزيف ستالين في صحيفة "البرافدا".

 


الخطوات الأولى على طريق "نزع الستالينية"


بادر بيريا، بصفته وزيراً للداخلية، في 28 آذار 1953 إلى إعلان عفو عام، نجم عنه إطلاق سراح جميع المعتقلين الذين يقضون عقوبة مدتها أقل من خمس سنوات، وجميع المدانين بقضايا اقتصادية أو إدارية وجميع الذين لا يشكلون تهديدا لأمن الدولة. كما قلصت مدة عقوبة الآخرين إلى النصف. وبات نظام معسكرات الاعتقال يخضع لسلطة وزارة العدل وليس لسلطة وزارة الداخلية، وفي آذار 1954 تحول جهاز البوليس السياسي إلى "لجنة أمن الدولة" (ك.ج.ب.)، وأعيد الاعتبار إلى الآلاف من الأشخاص.


بيد أن بيريا الذي اختفى عن الأنظار منذ 17 حزيران 1953، اعتقل في 26 حزيران وأعلنت "البرافدا" رسمياً عن اعتقاله في 10 تموز وإزاحته من منصبه وطُرده من الحزب، ثم حكم عليه بالإعدام وأُعدم في 23 كانون الأول من العام نفسه، بعد أن وجهت له تهمة محاولة قلب نظام الحكم ووضع وزارة الداخلية فوق مجلس الوزراء والحزب الشيوعي. ومن جهة أخرى، أعيد الاعتبار إلى الشعوب التي اتهمت بالتعاون مع المحتلين الألمان وسمح لها بالعودة إلى أراضيها باستثناء تتار القرم. كما أدخلت تعديلات على قانون العمل نجم عنها إلغاء البند الذي يحول دون حركية قوة العمل. كما خُفف القانون الذي يمنع المواطن السوفييتي من الاتصال بالخارج. وفي سنة 1957، تم تنظيم مهرجان للشباب في موسكو سمح للشبيبة السوفيتية بالاحتكاك بعشرات الآلاف من شباب وشابات نحو مئة بلد. وعلى الصعيد الثقافي، حدث انفراج سمح بنشر مؤلفات كان نشرها محظوراً في السابق، وصار المثقفون   يتمتعون بدرجة أكبر من حرية التعبير والنقد.

 


المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي


شهدت قيادة الحزب الشيوعي الجماعية التي تشكّلت عقب وفاة ستالين تنافساً حاداً بين مالينكوف، من جهة، وخروتشوف، من جهة ثانية، حول التغيرات التي ينبغي إحداثها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. فبينما رغب الأول في إعطاء الأولوية لتنمية اقتصادية متوازنة والسعي إلى خفض أسعار المواد الاستهلاكية، شدد خروتشوف على ضرورة تجديد الزراعة وتطوير تقنياتها، معتبراً أن إصلاح الزراعة هو أكثر إلحاحية من أي توجه آخر ويستجيب لتطلعات السكان، شريطة ألا يكون ذلك على حساب مصالح الصناعة الثقيلة والمؤسسة العسكرية. وفي إطار تنفيذ مشروع استصلاح الأراضي البكر في كازاخستان وسيبيريا وشمال القفقاس، ضمن خروتشوف نوعاً من التكامل بين الزراعة والصناعة الثقيلة عن طريق تأمين التراكتورات والآلات اللازمة للزراعة من الصناعة الثقيلة. وفي نهاية الخطة الخمسية الخامسة في سنة 1955، حقق الاقتصاد السوفييتي نجاحات ملموسة، لكن من دون أن تتغير طرائق التسيير، والإدارة والتخطيط الاقتصادي. 


وتحسن وضع الزراعة قليلاً، إذ ازداد إنتاج الذرة والبطاطا والشمندر، لكن إنتاج الخضراوات والفواكه بقي قليلاً. وشهدت صناعة المواد الاستهلاكية تقدماً أكبر، لكنه لم يكن قادراً على تلبية جميع حاجات السكان.


وفي 8 كانون الثاني 1955، كسب خروتشوف الجولة وقدم مالينكوف نقداً ذاتياً أمام مندوبي الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، معترفاً بعدم كفاءته في الأمور الزراعية واستقال من منصبه في رئاسة الحكومة. واختار مجلس السوفييت الأعلى نيكولا بولغانين كي يحل محله على رأس الحكومة، بينما حل الماريشال غيورغي جوكوف محل بولغانين وزيراً للدفاع. وبعد كسبه تلك الجولة، قام نيكيتا خروتشوف باستدعاء بعض الذين عملوا معه عندما كان سكرتيرا للحزب الشيوعي في أوكرانيا ما بين 1938 و1949، وفي مقدمهم ليونيد بريجنيف الذي عُيّن سكرتيرا للحزب الشيوعي في جمهورية كازاخستان. وبدأ خروتشوف ينشط من أجل توفير شروط نجاح مؤتمر الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي القادم.


في اجتماعها المنعقد في تموز 1955، قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي الدعوة إلى انعقاد المؤتمر العشرين، الذي التأم في الكرملين ما بين 14 و25 شباط 1956. وفضلاً عن تقرير لجنة التحقق من العضوية، وانتخاب الهيئات القيادية، كانت على جدول أعمال المؤتمر نقطتان رئيسيتان: تقرير اللجنة المركزية عن نشاطها قدمه خروتشوف، وتقرير عن الخطة الاقتصادية الخمسية السادسة قدمه بولغانين.


أكد المؤتمر العشرون توجه الحزب نحو "نزع الستالينية" ووسّع نطاقه. وعرض خروتشوف رؤية متفائلة للأوضاع الدولية وطور فكرتين أساسيتين بشأن النظرية والممارسة السياسيتين، فأظهر أن التعايش السلمي معطى أساسي للسياسة الشيوعية وليس توجهاً قائماً على الاستفادة من لحظة عابرة، وأن الحروب لم تعد حتمية نظراً لتوازن القوى الجديد الناشئ في العالم وامتلاك وسائل الدمار الشامل. وشدد خروتشوف على تنوع أشكال الانتقال إلى الاشتراكية، وهو انتقال يمكن أن يتم باللجوء إلى المؤسسات البرلمانية وتجنب الحرب الأهلية. وعلى الصعيد الاقتصادي، عرض خروتشوف نتائج تطبيق الخطة الخمسية الخامسة مركزاً على أهمية رفع مستوى  الإنتاجية والنضال ضد البيروقراطية، كما اقترح توسيع حقوق الجمهوريات الاتحادية وخصوصاً في الميدانين الاقتصادي والثقافي، وتوسيع الديمقراطية الاشتراكية ودور السوفييتات، وذكّر بضرورة تعزيز الشرعية الاشتراكية وتطبيقها.


وفي تقريره أمام مندوبي المؤتمر حول الخطة الاقتصادية الخمسية السادسة، توقع بولغانين زيادة بنسبة 70 في المئة في مجال إنتاج وسائل الإنتاج، وبنسبة 60 في المئة في مجال إنتاج المواد الاستهلاكية، ورفع نسبة الإنتاجية بـ 50 في المئة. وبعد أن أكد ضرورة الحفاظ على أولوية الصناعة الثقيلة، توقع، فيما يتعلق بالمجال الزراعي، أن يزيد الإنتاج الزراعي الشامل بنسبة 70 في المئة، وأن يتم توفير 1650000 تراكتور زراعي وأن تتحقق كهربة الخطوط الحديدية بصورة كلية وأن يجري مد 6500 كيلومتر من هذه الخطوط. وأعلن بولغانين عن عدة إجراءات مهمة، مثل زيادة الأجور المتدنية لبعض فئات العمال ورواتب المتقاعدين، وإلغاء رسوم الالتحاق بالمدارس (الذي أعيد العمل به خلال سنوات الحرب)، والانتقال إلى يوم عمل من سبع ساعات، وتخفيض ساعات العمل في يوم السبت ساعتين، وزيادة إجازة الأمومة، وبذل جهد مضاعف في مجال التعليم.


وشارك في أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي 1436 مندوبا، فضلا عن ممثلي 55 حزبا أجنبيا. وكان المكسب الأول الذي تحقق هو عودة "الشرعية" اللينينية، من خلال تأكيد مبدأ القيادة الجماعية ورفض عبادة الشخصية. وفي السياسة الخارجية، تم تأكيد مبدأ التعايش السلمي والحق في التعددية داخل المعسكر الاشتراكي.


وفي ليلة 24- 25 شباط 1956، قدم خروتشوف تقريره السري إلى مندوبي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، الذي استند إلى أعمال لجنة تحقيق شكلتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وبدأت عملها منذ  كانون الأول 1953. وفي ذلك التقرير، عرض خروتشوف دور ستالين ووجه نقداً شديداً لظاهرة "عبادة الشخصية"، وتجميع كل السلطات في أيدي رجل واحد، قام بحرف النظام منذ سنة 1934 نحو "نظام استبدادي".


وأدان خروتشوف التعديات على "الشرعية الاشتراكية"، وبعض حملات التطهير التي خلقت حالة من عدم الاستقرار في البلاد وجعلت المسؤولين أنفسهم  يعيشون حالة رعب، كما انتقد عدم الكفاءة التي أبداها ستالين في بدايات العدوان الألماني على الاتحاد السوفييتي في سنة 1941. واستندت هذه الانتقادات الموجهة إلى ستالين إلى الأحكام القاسية التي أطلقها لينين عليه في "وصيته ". وقد أحدث هذا التقرير صدمة كبيرة حتى بين مندوبي المؤتمر، وتسبب في حدوث اضطرابات في بعض المناطق وخصوصاً في جورجيا حيث اندلعت مظاهرات مؤيدة لستالين. كما كان صدى التقرير كبيراً في دول أوروبا الشرقية والوسطى وداخل أحزاب  الحركة الشيوعية العالمية.


ولعب خروتشوف دورا كبيرا في اتخاذ قرار نشر هذا التقرير منذ آذار 1956 داخل منظمات الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والمنظمات الاجتماعية الرديفة له، ثم توزيعه على المواطنين كي يجري نقاشه على أوسع نطاق، حتى في المدارس. وعقب صدور التقرير، تم الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وجرى، في سنة 1960، حل إدارة معسكرات الاعتقال، من دون أن تختفي هذه المعسكرات بصورة كلية، ثم تقرر في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي، المنعقد في سنة 1961، إزالة جثمان ستالين من الضريح في الكرملين، وسحب اسمه من المصانع والمدن، بما فيها مدينة ستالينغراد التي استعادت اسمها "فولغوغراد"، وهي إجراءات استقبلت باستياء من قسم كبير من المواطنين السوفييت. ومن جهة أخرى، تبنى خروتشوف، عقب المؤتمر العشرين، سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي أحيت بعض عناصر اقتصاد السوق، في إطار النسق المخطط، وعززت استقلالية مدراء المصانع، وهدفت إلى رفع مستوى معيشة المواطنين.

 


انتصار خروتشوف ونهاية عهد القيادة الجماعية.



بدأت مقاومة "نزع الستالينية" تنتظم ما أن انتهت أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي. ففي الاجتماع الموسع الذي عقدته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في 30 حزيران 1956، أقر قرار غير منسجم، من ناحية المضمون، مع قرارات المؤتمر العشرين، إذ وُصِف ستالين بأنه "منظر ومنظّم كبير" نجح في تحييد المعارضات التي كانت تهدد عمل الحزب الثوري وضمن "انتصار الاشتراكية". أما ظاهرة "عبادة الشخصية" فقد نجمت، كما ورد في ذلك القرار، عن تجاوزات ارتكبها ستالين، الذي تبقى فضائله أكبر من مثالبه. وخلال صيف العام نفسه، تم تأكيد هذا الموقف "المحافظ" في مقالات عديدة نشرتها مجلة "كومونيست". وقد استغل أنصار هذا الموقف الأحداث المناهضة للاتحاد السوفييتي التي شهدتها بولونيا وهنغاريا في خريف سنة 1956 كي يضعفوا مواقع خروتشوف وأنصاره من "الإصلاحيين" داخل الحزب.


وبينما كان خروتشوف يقوم بزيارة إلى فنلندا، قرر عدد من رفاقه دعوة هيئة رئاسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي إلى الاجتماع في 18 حزيران 1957. وفي ذلك الاجتماع، دعا سبعة من أصل أحد عشر عضواً أصيلاً في هذه الهيئة، كان من أبرزهم جورجي مالينكوف، وفاتيسلاف مولوتوف، ولازار كاغانوفيتش، وكليمنت فوروشيلوف، ونيكولا بولغانين، خروتشوف إلى الاستقالة من منصب الأمين الأول للجنة المركزية، فطالب هذا الأخير بطرح مسألة استقالته على جدول أعمال اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، التي انبثقت عنها هيئة الرئاسة. وبفضل الدعم الحازم الذي قدمه له الماريشال غيورغي جوكوف وقادة الجيش السوفييتي، الذين نقلوا بالطائرات العسكرية أعضاء اللجنة المركزية، الموزعين على مناطق البلاد المختلفة، إلى موسكو، التأم اجتماع هذه اللجنة في 22 حزيران، وقرر إعادة تثبيت خروتشوف في منصبه، وانتقد "النشاطات التكتلية للمجموعة المناهضة للحزب"، كما قرر فصل مالينكوف، ومولوتوف، وكاغانوفيتش، وسابوروف من هيئة الرئاسة ومن اللجنة المركزية، وتوسيع عضوية هيئة الرئاسة بحيث تضم خمسة عشر عضواً أصيلاً، عوضاً عن أحد عشر عضواً، وهو ما سمح بانتقال جوكوف، وبريجنيف، وشفرنيك، وفورتسيفا، من أعضاء احتياط في هيئة الرئاسة إلى أعضاء أصيلين، وانضم إليهم عضوان من سكرتارية اللجنة المركزية هما أريستوف وبليايف.


لقد أثار الدور الكبير الذي لعبه الماريشال جوكوف في حل هذه الأزمة الحزبية قلق خروتشوف والقيادة المدنية للدولة. فاستغل خروتشوف زيارة قام بها جوكوف إلى خارج الاتحاد السوفييتي كي يطرح على اجتماع هيئة الرئاسة "ظاهرة عبادة شخصية جوكوف ومخاطر ميله نحو نزعة بونابرتية". وفي الاجتماع الموسع الذي عقدته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في تشرين الأول 1957، تقرر عزل جوكوف عن هيئة الرئاسة وعن اللجنة المركزية للحزب. وفي آذار 1958، استغل خروتشوف انتخابات مجلس السوفييت الأعلى كي يعزل بولغانين ويحل محله على رأس الحكومة، بحيث صار يجمع منصب الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ومنصب رئيس مجلس الوزراء. وبذلك انتهى عهد القيادة الجماعية التي تمت الإشادة بها، بناء على التقاليد اللينينية، في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي.

 


محدودية سياسة خروتشوف ونزعتها "الإرادوية" 


لم تفقد الصناعة الثقيلة في عهد خروتشوف المكانة المتميزة التي احتلها في إطار الاقتصاد السوفييتي، إذ تعاظم ما بين 1953 و 1964 بنسب كبيرة إنتاج الفولاذ واستخراج الفحم والنفط. ومع ذلك، سعى خروتشوف إلى تحقيق تنمية أكثر توازناً وأكثر انفتاحاً على الابتكارات التقنية، كما تمت زيادة الاستثمارات الموظفة في الصناعات الكيميائية، وهو ما سمح بتنوع أكبر لقطاع مواد الاستهلاك ، بحيث أصبحت المواد البلاستيكية والمواد المصنوعة من النايلون أقل ندرة.


وشهدت الحياة اليومية للمواطن السوفييتي تحسناً ملحوظاً. فبفضل برنامج طموح لبناء العقارات، ازداد عدد المساكن بنسبة 80 في المئة ما بين 1955 و1964، علماً بأن هذه الزيادة لم تحل أزمة السكن العويصة. وتقرر رفع أسعار المواد التي تبتاعها الدولة من المزارع التعاونية (الكولخوزات)، ما ساعد على زيادة إنتاج الفلاحين التعاونيين ورفع مستوى إنتاجيتهم. كما حصل تحسن على استهلاك الحبوب والخضار والفواكه. 


بيد أن سياسة خروتشوف الاقتصادية انطوت على نزعة إرادوية. ففي خطاب ألقاه أمام اجتماع لمسؤولي الكولخوزات في 22 أيار 1957، أطلق خروتشوف عبارة باتت شهيرة وهي: "سنلحق بالولايات المتحدة الأميركية ونتجاوزها". وعلى الرغم من أن حديثه عن التنافس مع الولايات المتحدة والتفوق عليها كان يدور آنذاك حول إنتاج اللحوم ومنتجات الحليب، فإن خطابه آذن بتبلور سياسة لا تراعي الواقع وحقائقه. فالأهداف غير القابلة للتحقيق التي طرحها كانت تعبيراً عن توجه طموح لديه يرمي إلى تحقيق نسب نمو عالية للإنتاج والاستهلاك على السواء، تمهد الطريق أمام قيام "مجتمع الوفرة"، أي "المجتمع الشيوعي"، وهو ما كان ينطوي على مشكلات كبيرة ليس على صعيد الاقتصاد فحسب، وإنما أيضاً على صعيد العلاقات الاجتماعية.


وكانت حملة استصلاح الأراضي البكر مثالاً على هذه السياسة الإرادوية. فما بين عامَي 1954 و1957، قام عشرات الآلاف من المتطوعين وأعضاء الشبيبة الشيوعية باستصلاح 37 مليون هيكتار من الأراضي البكر. وعلى الرغم من تحقيق بعض النجاح لدى انطلاق هذه الحملة، فإن التركيز على إنتاج محصول واحد، هو محصول القمح، في إطار مزارع دولة (سوفخوزات) ضخمة أدّى إلى حتات سريع للأرض وإلى إنخفاض مردودها. وقد تفاقم هذا الوضع في سنة 1963 عندما ضرب جفاف شديد أراضي الاتحاد السوفييتي. وكان خروتشوف قد راهن في سنة 1955 على الذرة بصفتها منتوجاً قادراً على حل مشكلة الأعلاف في البلاد. وبعد عامين، كان 18 مليون هيكتار من الأراضي مزروعاً بالذرة في مناطق لم تكن صالحة لإنتاج هذا المنتوج. وفي سنة 1959، تعهد الأمين الأول لمنظمة الحزب الشيوعي في منطقة "ريازان" بزيادة إنتاج اللحوم ثلاثة أضعاف خلال سنة، وبغية تحقيق تعهده هذا قام بالقضاء على أعداد كبيرة من رؤوس الماشية.

 

وقد بالغ خروتشوف في تقدير  إمكانيات تحديث القطاع الزراعي واعتقد أن من الممكن الانتقال إلى مرحلة "الشيوعية الريفية" من خلال تجميع الكولخوزات وتطوير السوفخوزات. بيد أن هذا التوجه المركزي تسبب في مطلع الستينيات في انخفاض مستوى الإنتاجية وندرة بعض البضائع في الأسواق وارتفاع أسعار منتجات الحليب واللحوم في مخازن الدولة، كما تسبب في اضطرار الحكومة إلى استيراد كميات كبيرة من الحبوب في سنة 1963 بقيمة مليار دولار، تجنباً لحدوث مجاعة في البلاد.

 


سياسة "التعايش السلمي" إزاء البلدان الرأسمالية


تبنت القيادة السوفيتية بعد رحيل ستالين سياسة خارجية أقل تشدداً إزاء الغرب. ففي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي طرحت نظرية "التعايش السلمي" التي بدأ تطبيقها في الواقع منذ سنة 1953. فالحرب مع القوى الإمبريالية لم تعد حتمية، ويمكن للنظامين الاجتماعيين، الاشتراكي والرأسمالي، أن يتعايشا في ظل السلام. وعلى الرغم من أن الهدف على المدى البعيد يبقى ضمان انتصار الاشتراكية على الصعيد العالمي، فإن التنافس مع المعسكر الخصم ينبغي أن يقتصر على المستويات السياسية، والإيديولوجية والاقتصادية، بحيث تنتصر الاشتراكية من دون اللجوء إلى الحرب. وكان الاتحاد السوفييتي يحتاج إلى مرحلة طويلة من السلام لتحقيق مشروع خروتشوف الرامي إلى تجاوز القوة الاقتصادية ومستوى الحياة الأميركيين في حدود سنوات الثمانينيات، وهو ما يتطلب كبح سباق التسلح.


وكانت القيادة السوفيتية قد تخلت، بعد امتلاكها السلاح النووي، عن عقدة الشعور بأنها في قلعة محاصرة، وصارت تراعي مخاطر اندلاع حرب نووية تدمر الطرفين، وترى في السلاح النووي عنصراً من عناصر استراتيجية ردع. ومما زاد من شعورها بالثقة، تفوق الاتحاد السوفييتي في مجال غزو الفضاء، عقب قيامه بإطلاق أول صاروخ عابر للقارات في تموز 1957، ونجاحه في إطلاق القمر الصناعي الأول "سبوتنيك" في تشرين الأول من العام نفسه، ثم إرساله أول رجل إلى الفضاء، هو يوري غاغارين، في 13 نيسان 1961.


خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية في سنة 1952، انتقد المرشح عن الحزب الجمهوري دوايت أيزنهاور، الذي فاز في تلك الانتخابات، سياسة "الاحتواء" التي مارسها سلفه هاري ترومان في تعامله مع الاتحاد السوفييتي. وكان وزير الخارجية الجديد جون فوستر دالاس من أنصار إبعاد السوفييت عن مناطق نفوذهم، وبتأثير منه تبنت الإدارة الأميركية الجديدة عقيدة تقوم على أساس أن أي هجوم سوفييتي مهما كانت طبيعته سيولد رداً أميركياً فورياُ وعاماً في أي موقع في الكتلة الاشتراكية. بيد أن هذه السياسة الخارجية "الهجومية" كانت موجهة نحو الداخل الأميركي في الأساس، بينما كانت السياسة الفعلية أقرب إلى السياسة البراغماتية.


شهدت السنوات ما بين 1953 و1955 نوعاً من الانفراج في العلاقات الدولية. ففي كانون الثاني 1954 استؤنف حوار القوى الأربع، أي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، حول ألمانيا، كما توصل مؤتمر جنيف في تموز 1954 إلى وقف حرب الهند الصينية، وهو المؤتمر الذي برزت فيه مشاركة وزير خارجية الصين الشعبية. ورداً على إعلان الحلفاء الغربيين عزمهم على إعادة تسليح ألمانيا الاتحادية، وضمها إلى "حلف شمال الأطلسي"، قرر الاتحاد السوفييتي ودول "المنظومة الاشتراكية" الأوروبية، في 14 أيار 1955، تأسيس "حلف وارسو". وفي 15 أيار 1955، أبرم الاتحاد السوفييتي مع النمسا والحلفاء الغربيين معاهدة سلام قائمة على حيادية هذه الدولة، وهو ما سمح بسحب الجيش الأحمر وجيوش الحلفاء الغربيين من النمسا. وما بين 18 و23 تموز 1955، عقد في جنيف اجتماع قمة رباعي، جمع الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، ورئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن، ورئيس الوزراء الفرنسي إدغار فور، ونيكولا بولغانين ونيكيتا خروتشوف، وهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول الرقابة على إنتاج الأسلحة النووية، لكن الاجتماع فشل في التوصل إلى اتفاق باستثناء تبادل بعض الكلمات الجميلة حول تعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية بين الشرق والغرب. وفي كانون الثاني 1956، قام كل من خروتشوف وبولغانين بزيارة رسمية إلى بريطانيا.


ولم تتدخل الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها عندما قامت القوات السوفيتية بالتدخل في أحداث هنغاريا. كما تمّ تفادي المواجهة بين "المعسكرين" خلال أزمة برلين الثانية وخلال "أزمة الصواريخ" في كوبا.


فقد انفجرت أزمة برلين الثانية ما بين عامَي 1958 و1961، عندما دعا خروتشوف في تشرين الثاني 1958 إلى تحويل برلين إلى مدينة حرة محايدة، وهو ما رأى فيه الحلفاء الغربيون خطوة على طريق طردهم من برلين الغربية. وبينما ضاعف السوفييت إقامة نقاط المراقبة على جانبي خط الفصل بين القسمين الشرقي والغربي للمدينة وعرقلوا المرور بينهما، رفض الحلفاء الغربيون تقديم أي تنازل.


وقام خروتشوف بزيارة الولايات المتحدة الأميركية في 25 و 26 أيلول 1959، حيث أجرى مباحثات مع أيزنهاور في منتجع كمب ديفيد، لكن من دون أن يتوصلا إلى أي اتفاق حول مستقبل برلين، وعاد التوتر في ربيع سنة 1960عندما أُسقطت طائرة استطلاع أميركية فوق الأراضي السوفيتية وأسر طيارها. ثم كان الفشل نصيب مؤتمر باريس، في أيار 1960، الذي سعى إلى التوصل إلى حل نهائي للمسألة الألمانية. وقدّر خروتشوف أن الرئيس الأميركي الجديد جون كينيدي، الذي دخل إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 1961، سيكون أقل حزماً من سلفه أيزنهاور، لكن كينيدي زاد عديد القوات الأميركية المرابطة في ألمانيا، فقام السوفييت بإغلاق حدود برلين الشرقية وبدأوا ببناء جدار يمتد على مسافة 46 كيلومتراً، ويتراوح طوله ما بين 3 و 6 أمتار. وفي حزيران 1961، انعقد مؤتمر في مدينة فيينا، وحصل لقاء بين كينيدي وخروتشوف لم يتم التوصل فيه إلى أي اتفاق. وفي 13 آب 1961، أعلن رسمياً عن إقامة "جدار برلين"، الذي جعل المرور من شرق مدينة برلين إلى غربها شبه مستحيل.


وفي هذا السياق المتوتر أصلاً بين "المعسكرين"، اندلعت "أزمة الصواريخ" في كوبا في تشرين الأول 1962.


كان الثوار الكوبيون الذين استلموا السلطة في هافانا في كانون الثاني 1959 قد اختاروا فيديل كاسترو رئيساً للوزراء. وفي شباط 1960، وقّع كاسترو أول اتفاق لتوريد السكر إلى الاتحاد السوفييتي. وبعد أن فرضت الولايات المتحدة الأميركية في شهر آب من العام نفسه حظراً على التجارة مع كوبا، قام كاسترو في تشرين الأول 1960 بتأميم المصالح الأميركية في الجزيرة، فردت الإدارة الأميركية في كانون الثاني 1961 بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، ثم سعت في نيسان من العام نفسه إلى مساعدة متمردين كوبيين مناهضين لحكم كاسترو على مهاجمة كوبا من خلال تنظيم إنزال بحري في "خليج الخنازير"، وهو الإنزال الذي كان نصيبه الفشل. ورداً على هذا التدخل الأميركي السافر في شؤون بلده، أعلن فيديل كاسترو كوبا "جمهورية اشتراكية"، وتوجّه نحو الاتحاد السوفييتي طالباً تزويده بالأسلحة والصواريخ للوقوف في وجه الولايات المتحدة الأميركية.


وفي 14 تشرين الأول 1962، اكتشفت طائرة استطلاع أميركية منصات إطلاق صواريخ في كوبا، ووجود مستشارين عسكريين سوفييت، وطائرات قاذفة من نوع" اليوشن" وصواريخ يصل مداها إلى ما بين 1500 و3000 كيلومتر، كما رصدت الطائرات الأميركية توجه 26 سفينة سوفيتية نحو الشواطئ الكوبية. وفي 22 تشرين الأول 1962، ألقى جون كينيدي خطاباً حازماً وفرض حصاراً بحرياً على كوبا لمنع نقل معدات عسكرية سوفيتية إليها، كما قرر وضع القوات الأميركية في حالة تأهب قصوى، وبدأ التحضير لشن هجوم جوي لتدمير المنشآت العسكرية السوفيتية في الجزيرة. وتابع العالم بقلق بالغ تقدم السفن السوفيتية وهي تقترب من السفن الأميركية. وفي 26 تشرين الأول، أرسل خروتشوف رسالة إلى كينيدي يعرض فيها استعداده للتفاوض، ثم أصدر، في 29 تشرين الأول، أمراً يقضي بعودة السفن السوفيتية إلى بلادها ووعد بسحب الصواريخ والقاذفات من كوبا، في مقابل التزام الولايات المتحدة الأميركية بعدم مهاجمة كوبا. ويعتقد بعض الباحثين أن تعامل خروتشوف مع "أزمة الصواريخ" في كوبا أثار استياء بعض الأوساط القيادية، العسكرية والمدنية، في بلاده، وساهم في إبعاده عن الحكم في سنة 1964. 

 


الاتحاد السوفييتي إزاء أحداث "بولونيا" و"هنغاريا"


عشية انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وغداته، شهدت علاقات الاتحاد السوفييتي مع دول "المنظومة الاشتراكية" تطورات في اتجاهات مختلفة. فبينما تحققت المصالحة بين الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا، اندلعت أحداث خطيرة في كلٍ من بولونيا وهنغاريا هددت مستقبل علاقات الاتحاد السوفييتي من هاتين الدولتين، في حين راحت علاقات الاتحاد السوفييتي المتميزة بالصين الشعبية تسوء أكثر فأكثر منذ أواخر الخمسينيات.


فما بين أيار و حزيران 1955، قام وفد سوفييتي كبير برئاسة نيكيتا خروتشوف بزيارة رسمية إلى بلغراد، حيث أقر الزعيم السوفييتي بالأخطاء التي ارتكبتها بلاده، كما اعترف بأن هناك طرقاً مختلفة، وطنية، لبناء الاشتراكية، ووقّع مع الزعيم اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتيو معاهدة تعاون بين البلدين، تحصل بموجبها يوغوسلافيا على مساعدات اقتصادية كبيرة من الاتحاد السوفييتي. وكان قد أُعلن، في 17 نيسان 1956، عن حل منظمة "الكومنفورم" التي كان تأسيسها سبباً من أسباب الخلاف السوفييتي-اليوغوسلافي.


وفي خريف سنة 1956، واجه الاتحاد السوفييتي مشكلات خطيرة في بولونيا وهنغاريا. ففي بولونيا، توفي الأمين العام لحزب العمال البولوني الموحد بوليسلاف بَيروت في موسكو غداة انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، وحل محله "إدوارد أوشاب" الذي أصدر عفواً عاماً أُطلق بموجبه سراح الشيوعيين المعتقلين، وفي عدادهم فلاديسلاف غومولكا المعتقل منذ سنة 1951، فضلاً عن عدد كبير من السجناء الآخرين. وبعد فترة، بدأت تبرز خلافات داخل الحزب، وتبلور تيار صُنف على أنه "تحريفي"، ثم تشكلت خلف عدد من الصحف حركة تطالب بالإصلاح، انضم إليها عدد كبير من العمال ووقعت أحداث دامية في "بوزنان" في 28 حزيران 1956، حيث احتل المتظاهرون مراكز الشرطة، الأمر الذي تسبب في تدخل الجيش وسقوط عشرات القتلى. وفي 20 تشرين الأول، وبتوصية من المكتب السياسي للحزب، انتخب غومولكا أميناً أول للحزب، فطرح في برنامجه تطوير الديمقراطية الاشتراكية والتخلي عن فكرة وجود نمط واحد لبناء الاشتراكية والحفاظ على العلاقات المتميزة مع الاتحاد السوفييتي. وهكذا، تم التوصل إلى حل سلمي للأزمة في بولونيا.


بيد أن الأوضاع تطورت بصورة مأساوية في هنغاريا. فقيادة الحزب الشيوعي كانت منقسمة على نفسها في سنة 1953؛ وفي سنة 1955، نجح الأمين العام للحزب ماتياس راكوزي في إبعاد رئيس الوزراء إيمري ناجي وفصله من الحزب، رافضاً تحقيق أي إصلاح. بيد أن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ولّد حراكاً سياسياً في البلد. وبعد أحداث "بوزنان" الدامية في بولونيا، اضطر راكوزي إلى الاستقالة، وحل محله مساعده إرنو جيرو، وتشكلت حلقة من الطلاب والمثقفين، دُعيت باسم حلقة "بتوفي"، وتصاعدت الدعوات إلى رحيل القوات السوفيتية عن هنغاريا.


وعلى الرغم من إعادة ناجي إلى صفوف الحزب وتعيين يانوش كادار، الذي سجنه راكوزي خلال خمس سنوات، مساعداً للأمين العام للحزب، استمر التوتر واندلعت، في 23 تشرين الأول 1956، تظاهرات في بودابست وفي مدن عديدة، وأطلقت سريعاً شعارات مناهضة للشيوعية وللاتحاد السوفييتي.


وفي 24 تشرين الأول، انتشرت "الانتفاضة" على نطاق واسع، واستغلت عصابات فاشية ومجموعات من اليمين المتطرف هذا التمرد كي تقوم بتنظيم مذابح واسعة للشيوعيين. وتم استدعاء القوات السوفيتية المرابطة في هنغاريا كي تتدخل، لكنها لم تفعل ذلك في 24 تشرين الأول. وحل كادار محل جيرو على رأس الحزب، فاقترح عقد مفاوضات مع الاتحاد السوفييتي على "قدم المساواة"، وتشكلت حكومة جديدة  ضمت ممثلي الأحزاب القديمة كحزب الفلاحين وصغار الملاك. غير أن الأوضاع لم تتحسن واستمرت المصادمات في بودابست وفي عدد من المحافظات. وفي 30 تشرين الأول، أصدرت الحكومة السوفيتية بياناً أقرت فيه بالأخطاء المرتكبة "التي قلصت مبادئ  المساواة في الحقوق في العلاقات بين البلدان الاشتراكية". وفي هذا النص، أقامت الحكومة السوفيتية تمييزاً بين الاتجاه الذي تمثله حركة العمال "العادلة والتقدمية" وبين "القوى الرجعية والمناهضة للثورة التي استغلت هذا الاتجاه". وبعد أن اقترح البيان سحب القوات السوفيتية من بودابست، أعلنت الحكومة السوفيتية أنها تبحث فكرة قيام "رابطة كبيرة لأمم اشتراكية تقيم بلدانها علاقات فيما بينها على أساس مساواة كاملة في الحقوق واحترام السيادة الإقليمية، والاستقلال السياسي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتقوم بينها علاقات تعاون أخوية وثيقة ومساعدات متبادلة". 


وبغية تجاوز انقسامات الحزب الشيوعي الداخلية وعجزه عن التصدي للأوضاع، قرر كادار ورفاقه في 1 تشرين الثاني 1956 تأسيس حزب جديد باسم: "حزب العمال الاشتراكي الهنغاري"، بينما قرر رئيس الوزراء إيمري ناجي، الذي أعادته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الهنغاري إلى منصبه، انسحاب هنغاريا من عضوية "حلف وارسو" وإعلان حيادها. ورداً على هذا القرار "الخطير"، نزع كادار وزعماء الحزب الجديد ثقتهم بناجي وشكّلوا، في 3 تشرين الثاني "حكومة ثورية عمالية وفلاحية"، طلبت من القوات السوفيتية التدخل، وهو ما فعلته هذه القوات في اليوم التالي بسيطرتها على بودابست، ما اضطر ناجي إلى الالتجاء إلى السفارة اليوغوسلافية. وفي 9 تشرين الثاني 1965، كانت الاشتباكات المسلحة قد توقفت في البلاد. وأسفرت أحداث هنغاريا عن سقوط آلاف الضحايا من المتظاهرين الهنغاريين ومن الجنود السوفييت.

 


انفجار الخلاف الصيني – السوفييتي


عقب استلام الشيوعيين الصينيين السلطة في بكين في تشرين الأول 1949، قام ماوتسي تونغ، في شباط 1950، بزيارة الاتحاد السوفييتي حيث وقّع مع ستالين معاهدة صداقة وتعاون، وتعهد الاتحاد السوفييتي بتقديم مساعدات تقنية ومالية لجمهورية الصين الشعبية.


وفي 29 أيلول 1955، قام نيكيتا خروتشوف بزيارة الصين الشعبية على رأس وفد كبير أجرى مباحثات مثمرة، طوّرت معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين البلدين.


وفي شباط 1956، شارك رئيس وزراء الصين الشعبية، شوين لاي، في أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، ثم زار موسكو في كانون الثاني 1957 وأشاد بالصداقة الصينية-السوفيتية ودور الاتحاد السوفييتي في دعم الشعوب. وتعاظمت المساعدة الاقتصادية التي يقدمها الاتحاد السوفييتي للصين الشعبية في الفترة نفسها، إذ كان السوفييت يقدمون للصينيين مصانع جاهزة وخبراء تقنيين سوفييت بلغ عددهم ما بين عامي 1950 و1960 نحو 10000 تقني، وكان 11000 طالب صيني يدرسون في الجامعات السوفيتية، واستثمر الاتحاد السوفييتي مليار و 720 مليون روبل في مشاريع صينية عديدة.


وكانت الصين تقدم في المقابل مواد أولية إلى الاتحاد السوفييتي، وفي سنة 1959 كانت نسبة 50 في المئة من تجارة الصين الشعبية الخارجية مع الاتحاد السوفييتي.


بيد أن العلاقات بين البلدين بدأت تشهد بروداً منذ سنة 1958، عندما قرر ماوتسي تونغ، في نيسان من ذلك العام، إقامة "الكومونات الشعبية" ثم تبنّى سياسة "القفزة الكبرى إلى الأمام". وفي 31 تموز 1958، توجه خروتشوف إلى بكين للإعراب عن قلق الزعماء السوفييت من السياسة التي ينتهجها ماوتسي تونغ. وفي آب 1958، قامت القوات الصينية بمهاجمة جزيرتين في مضيق فرموزا، فهددت الولايات المتحدة الأميركية باستخدام السلاح النووي ضد الصين الشعبية، فرد خروتشوف عليها، في 8 أيلول 1958، بإعلانه أن أي هجوم على الصين الشعبية سيعتبر هجوماً على بلاده.


عندما أعلن الرئيس دوايت أيزنهاور في 5 آب 1959 عن زيارة سيقوم بها نيكيتا خروتشوف إلى الولايات المتحدة الأميركية، أعرب القادة الصينيون عن استيائهم الشديد من هذه الزيارة في الوقت الذي تستمر فيه الإدارة الأميركية في رفض الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. وفي 25 و26 أيلول 1959، جرت المباحثات بين أيزنهاور وخروتشوف في منتجع كمب ديفيد، وبدا، منذ ذلك الحين، أن القطيعة بين الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية باتت وشيكة. فالزعماء الصينيون رفضوا سياسة "الوفاق" التي ينتهجها الزعماء السوفييت، كما كانوا مستائين من الدعم الذي يقدمه الاتحاد السوفييتي إلى الهند. وراح النزاع بين البلدين يتخذ طابعاً إيدبولوجياً، ففي شباط 1960، اتهمت وثيقة صادرة عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي الزعماء الصينيين بممارسة "سياسة قومة ضيقة"، بينما اتهمت القيادة الصينية الزعماء السوفييت بـ "التحريفية" والابتعاد عن مبادئ اللينينية إزاء قضايا الحرب والسلام والثورة. وتم التقدم خطوة جديدة على طريق تكريس انقسام الحركة الشيوعية العالمية لدى انعقاد مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمي، الذي حضره في موسكو ممثلو 81 حزباً في تشرين الثاني 1960.


فالمؤتمر دعم المواقف السوفيتية من دون أن يدين مباشرة السياسة الصينية. ومنذ ذلك التاريخ، صار الحزب الشيوعي الصيني، بدعم من حزب العمل (الشيوعي) الألباني، يتحوّل إلى مركز منافس حقيقي داخل الحركة الشيوعية العالمية، ويقوم بتشجيع حدوث انقسامات وتشكيل كتل لصالحه داخل العديد من الأحزاب الشيوعية. وفي تشرين الثاني 1962، عندما اندلعت الحرب الصينية-الهندية، اتخذ الاتحاد السوفيتي موقفاً أقرب إلى الموقف الهندي منه إلى الموقف الصيني، وهو ما زاد في توتير العلاقات بين البلدين.

 


دعم الاتحاد السوفييتي الدول المستقلة حديثاً وحركات التحرر الوطني


كان من نتائج تبني سياسة "التعايش السلمي" تركيز الدبلوماسية السوفيتية على تعزيز العلاقات مع الدول المستقلة حديثاً في آسيا وأفريقيا ودعم حركات التحرر الوطني؛ فنزع الاستعمار سيضعف القوى الإمبريالية الغربية، والانتصار على الرأسمالية يمكن أن يتحقق في الضواحي وليس في المركز.


وراح الاتحاد السوفييتي يقدم مساعدات كبيرة اقتصادية وتقنية، وأحياناً عسكرية، للدول المستقلة حديثاً، وصار النفوذ السوفييتي يتعاظم في الهند، وأفغانستان، وبورما، ومصر وسورية وغيرها. ففي خريف سنة 1955، قام نيكيتا خروتشوف ونيكولا بولغانين بزيارة الهند، وأفغانستان وبورما، وقدم قروضاً كبيرة لهذه الدول لتطوير اقتصاداتها. كما لعب الاتحاد السوفييتي دوراً بارزاً في إحباط أهداف "العدوان الثلاثي" على مصر.


فقد شهدت الأيام الأخيرة من تشرين الأول والأيام الأولى من تشرين الثاني 1956 قيام تحالف من القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية بالهجوم على مصر. وكانت العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي قد عرفت تطوراً كبيراً منذ سنة 1955، وخصوصاً بعد صفقة الأسلحة التشيكية إلى مصر، وتعهد الاتحاد السوفييتي بمساعدة مصر على بناء السد العالي. وعقب قيام الزعيم المصري جمال عبد الناصر بإعلان تأميم قناة السويس، في 26 تموز 1956، بدأت كلُ من بريطانيا وفرنسا، بالتوافق مع إسرائيل، تخططان لاتخاذ تدابير عسكرية ضد مصر. وفي 29 تشرين الأول 1956، قامت القوات الإسرائيلية بالتوغل داخل صحراء سيناء، واحتلت قطاع غزة، بينما كانت القوات البريطانية والفرنسية تقوم بقصف المطارات المصرية، ثم احتلت، في 5 تشرين الثاني، بور سعيد وبور فؤاد. ومساء اليوم نفسه، أرسل رئيس الحكومة السوفيتية نيكولا بولغانين إنذاراً شديداً إلى كل من فرنسا وبريطانيا حمل تهديداً مبطناً باللجوء إلى السلاح النووي ما لم توقفا عدوانهما على مصر فوراً، وتسحبا قواتهما من الأراضي المصرية. وفي 6 تشرين الثاني، مارس الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية، بدوره ضغوطاً على قوات الدول الثلاث الغازية كي توقف المعارك وتبدأ بسحب قواتها من مصر. وهذا ما تحقق، وساهم في تعزيز علاقات مصر، ومعها سورية، أكثر فأكثر مع الاتحاد السوفييتي.

 


إزاحة خروتشوف عن السلطة


استمر نيكيتا خروتشوف في تجميع السلطات بين يديه، إذ جمع في سنة 1958 منصب الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ومنصب رئيس مجلس الوزراء. بيد أن سلطاته هذه بقيت خاضعة لإرادة أعضاء هيئة الرئاسة واللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وبعد أن نجح في القضاء على المعارضة "المحافظة" التي جمعت مولوتوف، ومالينكوف وكاغانوفيتش في المقام الأول، أثار استياء ضباط المؤسسة العسكرية عندما استبعد جوكوف من هيئة رئاسة اللجنة المركزية للحزب، وعندما سرّح من الخدمة عشرات الآلاف من الضباط، الذين عبّروا عن عدم رضاهم عن تعامله مع أزمة كوبا. وفي المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي، الذي انعقد في سنة 1961، أُقر تعديل على النظام الداخلي للحزب، بتوصية من خروتشوف، قضى بالتجديد الدوري لكوادر الحزب وهيئاته القيادية الوسيطة، الأمر الذي أثار حفيظة عدد كبير من هؤلاء الكوادر الذين كانوا من مؤيدي خروتشوف. وهكذا، راحت تتبلور جبهة من المستائين وبدأت تتجمع رياح العاصفة التي أطاحت، في نهاية المطاف، بحكم خروتشوف.


ففي اجتماع هيئة رئاسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي في 12 تشرين الأول 1964، الذي عقد بينما كان خروتشوف يقضي إجازته في سوتشي على البحر الأسود، تقرر الدعوة إلى عقد اجتماع موسع للجنة المركزية للحزب، صبيحة اليوم التالي. وقد صادق هذا الاجتماع على استقالة خروتشوف واستبعاده من هيئات الحزب القيادية، وإحلال ليونيد بريجنيف محله في منصب الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، وألكسي كوسيغين في منصب رئيس مجلس الوزراء.


وفي 15 تشرين الأول 1964، صدر في الصحف السوفيتية بيان قصير عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي يعلن أن الاجتماع الموسع للجنة المركزية "وافق على تلبية طلب نيكيتا خروتشوف بأن يتحرر من مسؤولياته كأمين أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي، وعضو هيئة رئاسة اللجنة المركزية ورئيس مجلس الوزراء، وذلك بسبب تقدمه في العمر وتفاقم وضعه الصحي".

 

 ملف مئوية اكتوبر

 

نشر الثلاثاء 14 نوفمبر, 2017 (اخر تحديث) 14 نوفمبر, 2017 الساعة 00:33
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [497]