Untitled Document
إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل
 ()

 

نُشرت هذه المقابلة في العدد الأول من مجلة «الكرمل»، بيروت، شتاء عام ١٩٨١

 

براغ، ضباب وشوارع تنتشر في الضوء الخافت وفتية يرقصون، وهو إميل حبيبي، هذا القادم كأنه أبطاله جميعاً، يضحك ويسأل ونحن نريده أن يجاوب. لكنه يسأل، يأخذنا في ذاكرته إلى هناك، إلى المعاناة اليومية، ويتعامل معها ببساطة اليومي والمألوف الذي يجب تغييره، وحين يشير إلى هناك يقول “بلادنا“، إنها بلادنا. والضمير يشير إلينا جميعاً، وهو كأنه الضمير، كأنه ضحكات تمطر فوق شوارع المدينة القديمة، نمشي إليها معه، وهو يتكلم ويسأل، ونحن نستمع إلى أجوبته وأسئلته.

هذا هو الفلسطيني العربي، الكاتب، السياسي، المناضل. هذا السيل من الشخصيات الشعبية التي تتلخّص في رجل واحد، هذا الكاتب الذي لا يحترف سوى الحب، يكتب، كما قال، حين تأتيه الكتابة. والكتابة تأتيه على صورة «المتشائل»، حيث يختلط التراث الأدبي العربي بحياتنا اليومية، حيث تصطك اللغة القديمة تحت عذابات الراهن.

كأنه معنا، استعدنا تلك الأيام الجميلة القاسية في حيفا، واستعاد هو معنا بيروت وشوارعها، والبيوت التي التجأ إليها، ومجلة «الطريق»، ورئيف خوري وجميع الرفاق.

وفي الحوار معه، نكتشف أننا نحاور أنفسنا. كأنه صورتنا الأخرى، كأنه السنوات التي ستأتي أو العمر الذي سنذهب إليه.

وفي الوداع، كان ما يشبه الوجع الذي يقتلع الأعضاء. لكنه هناك وهنا ونحن في كل الأمكنة معه ومع كلماته وضحكاته ونكاته وسخريته ومحبته للآخرين.

في براغ، التقيناه، وتحدثنا، سرقنا فراغات الكلام ومشينا في الشوارع، ورأينا الشوارع الضيقة حيث عاش كافكا وطوابع البريد، وتذكرنا المدن الأوروپية التي ابتلعتنا، وتذكرنا پاريس، مدينة العاشق الذي مات، مدينة عز الدين القلق، ثم عدنا إلى حيفا والناصرة وبيروت.

وهذا الحوار هو تلخيص لأيام أربعة قضيناها في النقاش الطويل، حول الأدب والسياسة والكتابة.


نبدأ من البداية... كيف تفسر مفاجأة العالم العربي بنتاجك الأدبي؟

إن مفاجأة العالم العربي بنا ليست قضية شخصية، فالمفاجأة كانت في التعرف علينا جميعاً وعلى أدبنا بأسره، ويمكنني تفسير هذه الظاهرة بكون العالم العربي، كان بعد هزيمة حزيران 1967، بحاجة إلى بارقة أمل. فهذه الضرورة هي التي دفعت الضمير العربي إلى” اكتشافنا“.

لقد استطعنا أن نكون بارقة الأمل هذه لأننا صمدنا هذا الصمود في ظل القمع الإسرائيلي طيلة هذا الوقت ولم نتراجع أو نخضع. كما يشير محمود درويش في أبياته الشهيرة:
"نحن يا أُختاه من عشرين عام
نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل“.

وأحب أن أضع هذه الحقيقة في مكانها الصحيح، حتى لا تكون هناك مبالغة في تقويم إنتاجنا. وهذه المبالغة تسيء إلى الجانبين: إلى موضوع المبالغة، أي نحن، وتقودنا إلى العقم، وإلى مستقبِلي المبالغة، وتقودهم إلى الرضى عن النفس، وحتى إلى قبول المواقف الاستسلامية.



«سداسيّة الأيام الستة»، كانت أول عمل أدبي منشور لك، وقد نشر بعد هزيمة حزيران 67، فماذا كتبت قبل «السداسية»؟

نشرت مع «السداسية»، عدداً من القصص التي كنت قد كتبتها ونشرتها في سنوات سابقة، إحداها هي قصة «بوابة مندلباوم» التي كتبت في الخمسينات. والحقيقة أنني عالجت كتابة القصة منذ أن بدأت مساهمتي، في العمل السياسي. وقد نشرت العديد من القصص في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، ونشرت في «الاتحاد»، و«الغد». كما نشرتُ في الأربعينيات عدداً من القصص في مجلة اسمها «المهماز»، شاركت في ملكيتها، وكنت رئيساً لتحريرها، وقد صدرت عام 1946.

وفي عام 1948 نشرت قصة قصيرة أعتزّ بها في مجلة «الطريق» اللبنانية، انطلاقاً من الأسطورة القروية عن الإنسان الذي يضبعه الضبع، ويقوده وهو فاقد الرشد نحو مغارته ويسير المضبوع نحو المغارة منتصب القامة، فيصطدم رأسه بسقف المغارة، ويُجرح ويسيل دمه فيثوب إلى رشده. وقد أردت في هذه القصة الإشارة إلى ما أصاب الشعب العربي الفلسطيني، وإلى الثقة بقدرة هذا الشعب على التخلص من الضبع والمغارة.

والمؤسف أن العديد من هذه القصص قد ضاع، خصوصاً ما نشر منها في «المهماز». لقد تعاطيت الأدب وأحببته منذ أيام الدراسة. وكنت معروفاً لدى الأوساط الأدبية في فلسطين زمن النكبة.



هل يمكن أن تحدثنا عن المناخ الأدبي في فلسطين آنذاك؟

لقد أصبح معروفاً لدى الباحثين في تاريخ الأدب الفلسطيني، أن الأدب الوارد من مصر في ذاك الحين، أثر تأثيراً سلبياً على نمو الأدب الفلسطيني بشكل طبيعي، من حيث أنه ضيّقَ الخناق على الأدباء الفلسطينيين الذي كان عليهم إما النشر في الصحف والمجلات المصرية أو الاكتفاء بما تيسر من وسائل نشر بدائية، لم تكن قادرةً على منافسة المجلات المصرية. أنا تأثرت بمصطفى صادق الرافعي، على الرغم من كونه كان كاتباً رجعياً، ولم أزل إلى اليوم متأثراً بأسلوبه وطريقته في التلاعب بالألفاظ.

جيلي أنا، هو الجيل الذي كان تالياً لجيل أبي سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. كنت أنا وإحسان عباس، وكان عباس شاعراً، وكان أعز صديق لي. كنا في مدرسة واحدة، وفي صف واحد. ولقد ذكرت هذه العلاقة في قصتي «قدر الدنيا»، حين كتبت عن ثلاثة أصدقاء، أحدهم صار مدرساً في الخرطوم، والثاني أصبح نزيل مستشفى الأمراض العقلية، والثالث هو أنا.

كنا نحاول أن نشن معارك أدبية ضد العقاد. أذكر أننا كنا نخرب ندواته في فلسطين، إذ كان العقاد مؤيداً للحلفاء الغربيين. أما نحن فكنا شلة من التقدميين الذين يعتبرون القضية الفلسطينية قضية كفاح ضد الاستعمار البريطاني، كما كنا ندعو إلى ضرورة التفريق بين اليهود والحركة الصهيونية، وكان موقفنا نقدياً من القيادة الفلسطينية الرجعية والمتجمدة آنذاك، كما كان موقفاً منفتحاً على الاتحاد السوفييتي ويرفض الاتجاهات التي كانت ترى الخير في أي تحالف مع الفاشية.

وأذكر أننا من جانبنا كنا ننظم ندوات وندعو أدباء وشعراء عرباً لإحيائها. دعونا الجواهري ومجموعة من الأدباء والفنانين من لبنان والعراق.



 ما هي الخلفية الثقافية لهذا الجيل؟

لا شك في أننا تأثرنا بالأدب المصري: طه حسين، ومجلة «الرسالة». لقد تأثرنا بأسلوب الأدب المصري، وبثورية الأدب اللبناني متمثلاً بمارون عبود، ورئيف خوري (الذي كان مدرساً في فلسطين)، وعمر فاخوري، وتأثرنا بمضمون مجلة «الطريق».

وكان أدبنا سياسياً، وحتى في عودتنا إلى التراث، فإننا كنا نهتم بأدب الخوارج والقرامطة. كنا نبحث عن التراث المقاوم في التاريخ العربي.



ما هي المصادر الأدبية التي أثّرت في كتاباتك؟

إن الذي قادني إلى الاهتمام بالأسلوب هو مصطفى صادق الرافعي. فمحبتي للغة العربية أخذتها عن الرافعي، في أسلوبه وتكراره، كما أنني تأثرت بالسلاسة والعزف على الموسيقى الهادئة عند طه حسين.

في المدرسة، بدأت بتذوّق اللغة عن طريق معلمين يبدو أنهم اكتشفوا هذه الملكة لديّ. أحدهم فرض علي، لأنه يحبني، دروس الدين، ثم علمني القرآن، فتأثرت به حتى في عملي السياسي. أما الذي فك طلاسم اللغة عندي فهو إلياس حدّاد، والد الدكتور وديع حداد، الذي عرّفني على «كتاب النحو» لجبر ضومط.

ولقد تأثرت بالمقامات، فأنا أحب التلاعب بالألفاظ، ولذلك، ربما، أصبحت الكتابة صعبة بالنسبة إليّ، أعود إلى النصوص وأعيد، وأنا مستاء من نفسي بسبب ذلك. وقد يكون هذا رد فعل على استهانة أدبائنا وشعرائنا باللغة.

كما أنني تأثرت بالأدباء الروس وعلى رأسهم تولستوي، تورجنيف، دستوييڤسكي، وماياكوڤسكي. غير أن الحدة في كتاباتي تعود إلى تأثري بكارل ماركس. وكثير من الناس يدهشون حين أشير إلى هذه الحقيقة، لأنهم لا يعلمون أن هذا المراكشي، كما كان يسميه أقرانه، كان يسمح لنفسه حين يهاجم نظاماً أو قيادات بأن يخترق قدس الأقداس.

أما روح التهكم المبطن، فقد أعانني الأدب الإنجليزي الكلاسيكي على تنميتها، وإلى حد ما إنتاج الأمريكي مارك توين.


كما أنني أحب ڤولتير كثيراً، إلى درجة أنني أشعر بأثره المباشر، أحياناً، على كتاباتي. وإذا أردت أن أشدد على ناحية أو مصدر أدبي فإنني أقول إنني تأثرت كثيراً بالمقامات والأدب الهزلي الكلاسيكي العربي، أدب الكشاكيل، وكتبت مقالات في «الجديد»، وتوقفت لأنني لم أستطع أن أتابع. وأنا عندما أكتب أعمل كثيراً في القواميس القديمة، قاموس الفيروز أبادي، وبعض الكتب كـ «العقد الفريد»، كما أنني أشعر بأن الجاحظ يشجعني على اختراع الكلمات.


كيف تستطيع أن تفسر لنا تحولك في سن الخامسة والأربعين إلى الناشر المحترف، وإلى تقديم نفسك كأديب، بعد أن كنت معروفاً كمناضل وكقائد ثوري وككاتب سياسي؟

أستطيع أن أقول إنني جئت إلى السياسة عن طريق الأدب وليس العكس. وقد بدأت نشاطي السياسي حين كانت الشيوعية ما تزال حزباً سرياً في بلادنا. كنت آنذاك أعمل متمرناً كي أصبح مهندساً ميكانيكياً كما كان أخي الأكبر حليم يريدني أن أكون. كنت أشتغل متمرناً وأدرس عن طريق المراسلة. بدأت العمل الميكانيكي من أدنى درجاته، كنت أعمل «عطشلي» (الذي يرمي الفحم الحجري في وجاق القاطرة)، في شركة تكرير البترول في حيفا أثناء بنائها، حيث كان أخي يعمل مديراً فيها. وكان قائد القاطرة شيوعياً من عكا. ويبدو أنه أراد أن يجد طريقاً إلى ضميري، وكان ذكياً، فأدرك ميولي الأدبية وشجعني على كتابة القصص ووعدني بنشرها. وعن هذا الطريق فتحت أمامي آفاق الشيوعية. الأدب، كما ترى، هو الباب الذي أوصلني إلى السياسة، وأنا حتى عندما كنت في مرحلة الإعداد كي أكون مهندساً ميكانيكياً، كنت أعتبر نفسي بطلاً في قصة، فارساً متخفياً في ثياب العمل.

ثم حين عُرض عليّ الاشتراك في مسابقة لتوظيف مذيعين في محطة «إذاعة القدس» في أوائل الأربعينيات، اشتركت في المسابقة ونجحت، وعندها، استطعت، للمرة الأولى، أن أحقق اهتماماتي الأدبية، وأن أعيش وسط جو الأدباء، وأن أتعرف إلى أبي سلمى في سنوات 1942 - 1943.

وأنا أدعي أنني ضحيت برغباتي الأدبية من أجل المساهمة في العمل الوطني - السياسي المباشر. فلقد قدمت استقالتي من العمل الإذاعي حين طلب الحزب مني ذلك، وكان الوضع داخل الحزب صعباً. فتركت العمل الإذاعي وبالتالي العمل الأدبي عن وعي وقناعة، من أجل تلبية حاجة، كنت أدرك أنها ماسة بالنسبة للعمل الحزبي آنذاك، إذ إننا كنا في مرحلة الظهور العلني، وقد ظهرنا تدريجياً ووضعنا السلطة أمام الأمر الواقع.

مما لا شك فيه أن ملكتي الأدبية ساعدتني على تطوير صفة الخطابة وتطوير كتاباتي السياسية. وحين جابهت مؤخراً، وقبل كتابة «لكع»، قضية الأسلوب، وأخذت أفتش عن الأسلوب الذي يستطيع أن يستوعب تجربتي وأفكاري، اكتشفت أنني لا يمكن أن أجد الأسلوب المناسب إلا من خلال تجربتي الطويلة، عندها أدركت أن تجربتي تتميز بالنجاح في أسلوب الخطابة، فاعتمدته في «لكع».

لقد ضحّيتُ سابقاً بإمكانياتي الأدبية من أجل شعوري بضرورة العمل السياسي. وفيما بعد، أي بعد فترة طويلة نسبياً في العمل السياسي، وخصوصاً بعد عام 1965، بدأ يتكون لديّ الاقتناع بأنني أستطيع، ومن حقي، بعد هذا العمر الطويل، أن أعود إلى حبي الأول. ولم أعد إلا بعد أن تكوّن لديّ الاقتناع بأن حياة جيلي السياسية لم تذهب سدىً، لأننا استطعنا أن ننشئ جيلاً يستطيع أن يستمر في حمل الراية وبشكل أفضل مما حملناها. وأنا لا أكشف سراً حين أقول إن رفاقي في الحزب، وجدوا صعوبة كبيرة في فهم دوافعي. ولكن هذه هي دوافعي الحقيقية التي يعرفها حزبي. ولقد قلت في المجال الأدبي أموراً كثيرة قلتها في المجال السياسي. ولديّ ما أقوله في المستقبل في مجال العمل الأدبي. وأنا أشعر بأنني محظوظ لأنه قيّضَ لي هذا الخيار الذي لا يقيض لجميع القادة السياسيين.


السياسي والفنان يتعايشان حتى لحظة معينة ثم يفترقان؟ كلامك يشير إلى أن خيارك الأدبي هو ما يشبه التقاعد، وكأن الأدب يصبح في لحظة معينة هو «الخلاص».

أنا لا أوافق على أن الأدب هروب، والذي دفعني إلى العودة ومواصلة العمل السياسي هو الخوف من القول بأنني هارب. لذلك عدت عضواً في المكتب السياسي ورئيساً لتحرير «الاتحاد». كل ما أطلبه، ليس التوقف عن النضال السياسي، بل أطلب وقتاً أكبر للعمل الأدبي. أنا لم أستطع التخلي عن العمل السياسي، وربما لأن هذه هي حياتي. هل أستطيع أن أخرج من جلدي!

وأنا أعتقد أن ما يحبه الناس في كتاباتي السياسية هو اللون الأدبي الذي فيها. حتى كتاباتي السياسية، فإنها في أغلب المرات ذاتية، كما أن العمل السياسي لم ينفصل عن الرؤية الأدبية في أدبي.

أنا لا أمر في أزمة سياسية، فأنا مقتنع الآن أنه بعد عام 1965، وبعد أن مر الحزب في أزمته وخرج منها، بأن الراية هي في أيد أمينة، وصرت أشعر أن الأمور تستطيع أن تستمر من دون مساهمتي المباشرة. إنه الشعور نفسه الذي جعلني أترك العمل الأدبي إلى السياسة، هو ذاته دفعني إلى ترك السياسة إلى الأدب.

أنا أعتقد أن جميع الناس يشعرون بهذا الصراع من أجل البقاء. وأنا أيضاً أرغب في أن يبقى ورائي الأثر الأدبي الذي أكتبه. وعندما أكتب نصاً أدبياً أتساءل: كيف ستُقوّمه الأجيال القادمة. أتمنى أن يصبح نصوصاً للقراءة في المدرسة، وأشعر بالغيرة من الكتاب الكلاسيكيين. لذلك، أحترم عملي، فأنا لا أعرف كيف سترى الأجيال القادمة إليه، هكذا كما ترون، العمر يلعب دوراً أساسياً، أنا أريد أن أتجاوز الموت.


كيف تنظر إلى الموت؟

بدأت أعي وجودي الشخصي مع وعيي لقضية الموت. أنا بدأت أشعر بوجودي في اللحظة التي عرفت فيها الموت. أنا أخاف الموت، إذن أنا أموت. لذلك أبحث عن المستوى الذاتي، عن الوصول إلى تفاهم مع الموت، إلى الرضى بهذا الأمر مع إيجاد حل لقضية استمراري. ولقد كان أحد الأسباب الباطنية لوعيي المبكر للموت هو حبي الشديد لأمي. فأنا كنت شديد الخوف من أن تموت أمي، وكنت أتمنى أن أموت قبل أن تموت. فأنا كنت وثيق الارتباط بها نتيجة ضعف بنيتي.



ولكن هناك أشياء تموت في الإنسان، فكيف ترى إلى موت الأشياء فيك؟

أحاول في الكثير من المرات أن أقنع نفسي بأني أصبحت كبيراً في السن، وأن أتصرف على هذا الأساس. ولكني لا أعرف الفرق بين الجيل الجديد وبيني، فأنا ما أزال كالأطفال. ولكني أتألم حين أرى الأجيال الشابة تتهكم على الحب، كما لو أنه صار عيباً. جيلنا كان يحب إلى درجة الحب العذري، وكان الحب عميقاً كما في الروايات الروسية الكلاسيكية. أما مسألة الموت، أقول نعم، ربما ماتت العواطف الجياشة وبعض الصداقات وبعض النساء والمدن، أما كيف عالجت قضية الموت في شبابي، فأنا كنت أكتب مذكرات ساذجة، وأذكر أنني كتبت أقول إنني أبحث عن حب ينسيني ذاتي وينسيني خوفي من الموت، ثم انتقلت إلى البحث عن مبدأ يستوعبني ووجدت الشيوعية، وكان من الممكن أن أقع في الإيمان الديني.

لقد وجدت الحب في المرأة، غير أن هذا الحب لم يستطع أن يستوعبني، لقد حاولت أن أعطيها كل حياتي، لكن المشكلة لم تحل، مشكلة الاندماج الكلي والاستعداد للتضحية بالذات من أجل قضيته.


ولكن طالما تحدثت عن إمكانيات الإيمان الديني، كيف ترى الآن علاقتك بالله؟

لا، كلامي لم يكن دقيقاً حول هذه النقطة. بعض أخوتي وقع في الإيمان الديني، أما أنا فلا. والآن أيضاً، لا يلعب الدين أي دور في حياتي، وهذا واضح بالنسبة لي، لكني أتألم كثيًرا حين أرى أن هذا لا يزال عاملاً علينا مجابهته، بعد كل هذا العمر، في أواخر القرن العشرين، أتألم لأن الإنسانية في هذا الواقع.

كما أنني أتألم من قضية أخرى. فأنا أشعر بالغيرة من تجارب تنعكس في كتابات العديد من أصدقائي الذين يعرفون حياة القرية، والعائلة العربية بالتفصيل، وهي تقاليد إسلامية. ولذلك، ترى أنني في أعمالي الأدبية أشير إلى هذه التقاليد. ويؤسفني جداً أن أشعر بأنني مقيّد. فلو عشت في بيئة إسلامية لاستطعت أن أقدم أكثر. وهذا حنا مينه أنا أراه شجاعاً لأنه يكتب عن شخصية مسيحية كاملة، أنا لا أسمح لنفسي بهذا. فدين الأبطال في قصصي إما أن يكون مسلماً أو لا تجري الإشارة إليه. لذلك، فإن أغلب شخصياتي إما غير معروفة الطائفة أو الدين أو تتهكم عليه. وأنا لا أشعر أن بنيتي المسيحية هي معوق بالنسبة لي، فطموحي هو أن أكتب عن الأمر المميز لهذا الشعب، عن العام، وأنا أعتبر العام إسلامياً.

لقد نشأت في بيت بروتستانتي، أما مدرستي وأصدقائي فكانوا مسلمين. ربما المسألة أكثر عمقاً من الطائفة والانتماء المذهبي، ربما السبب في هذا كله هو مدنيّتي. الكتاب المدنيون هم أقلية في مجتمعنا الفلسطيني. أنا لا أعرف القرية، ومجتمعنا قروي. أنا لا أعرف بيئة القرية، لا أعرف أسماء الأدوات الزراعية، لذلك فإن أغلب مشاهد رواياتي وقصصي تدور في عكا وحيفا. وأنا لا أُحب أن أكتب عن أشياء لا أعرفها بشكل جيد.



هل هناك مصادر دينية في أدبك؟

لقد قرأت التوراة، وأحاول أن أهرب من تأثيرها، لأن ترجمة اليازجي ليست عربية، وقد لعبت دوراً في تشويهنا.


التوراة والإنجيل لم يلعبا أي دور في حياتي، أهملت الإنجيل وقرأت التوراة، وأنا أقاوم تأثيرها فيّ، وأعتقد أن تعابير التوراة هي تعابير عبرية، تراكيب الجمل هي تراكيب عبرية. أنا أقاوم الاستناد على أُمور هي من خارج تقاليد جماهيرنا، كالميثولوجيا الإغريقية، فثقافتنا تبدأ بالإسلام.


هل يمكن أن تحدثنا عن إميل حبيبي الإنسان، ولنبدأ بالطفولة؟

أنتمي إلى عائلة قروية أصلها من شفاعمرو، قرب حيفا. والدي شكري كان معلم مدرسة في شفاعمرو، ويبدو أنه كان يعمل في مدرسة إرسالية. وكان معلم المدرسة في ذلك الوقت شخصاً محترماً، ويذكر اسمه في بقايا الأغاني في القرية: «يا شكري هات الدفتر». وكانت عائلتي واحدة من العائلات القليلة التي لم تكن تملك أرضاً. وهذا أمر نادر الظهور في ذلك الوقت لدى عرب فلسطين. ويبدو أن جدي لوالدي كان مسرفاً متلافاً، وأن الإنچليز حين دخلوا بلادنا جلبوا معهم جنوداً كانوا يسمون "مغاربة" أتوا مع عائلاتهم، وصادروا أراضي أحلوا بها هؤلاء الجنود مع عائلاتهم، وحدث أن كل ما تبقى لنا من أرض كان في وسط المنطقة التي صودرت.

وفي سنة 1920 هاجر والدي إلى حيفا مع أولاده، حيث أُلقوا في سوق العمال كعمال. وفي سنة 1921 وُلدتُ لعائلة من الممكن اعتبارها قسراً عائلة عاملة. وفتح والدي دكاناً لبعض الوقت وكنا نسرقها فأغلقها، واعتمدنا في معيشتنا على إخوتي (بعضهم عمل في سكة الحديد، واثنان في بناء كاسر الأمواج في ميناء حيفا، ثم في مصانع تكرير البترول في حيفا). نحن تسعة أولاد سبع صبيان وبنتان. هذا الوضع الاقتصادي هو وضع خاص بالنسبة لأية عائلة فلسطينية، وكنت ألاحظ في علاقاتي بأقراني أنه حتى القروي الذي أتى إلى المدينة بقيت له أرض في القرية أو استملك في المدينة. أما نحن فكان وضعنا مختلفاً. لكن من ناحية أخرى كان العمل اليدوي يضعنا في مستوى دخل معقول، أي في مستوى طبقة عاملة متوسطة، كما أن عائلتي كانت تنظر دائماً إلى “فوق”، أي تحاول أن تتبرجز.

وأذكر أن بيتنا كان مكاناً نلتقي فيه بشيوعيين من خلال زيارات أصدقاء أحد إخوتي، وحتى من خلال اجتماعات سرية، كان هذا جعلني منذ طفولتي لا أحمل آراء مسبقة معادية للشيوعية، ولم تجابهني القضية التي جابهت العديد من أبناء جيلي، وهي التغلب على هذه الآراء التي كانت تسيطر على مجتمعنا في الثلاثينيات والأربعينيات، أي قبل الحرب العالمية الثانية. ولقد تقبّلتُ الشيوعية فكرياً ومن موقع عائلتنا الاقتصادي أيضاً.

ولقد تكامل شعوري الوطني أثناء ثورة 1936، التي كانت أكثر الثورات الفلسطينية وضوحاً في توجهها ضد الاستعمار البريطاني، وكان صدامها مباشراً معه. ولذلك أستطيع أن أقول بأن قضية التوجه الإيجابي نحو اليهود في فلسطين كانت بالنسبة لي قضية طبيعية. ولا أعتقد أن جيلي في حيفا تأثر بشكل جدي أو عميق بآراء عنصرية معادية لليهود.

وفي هذا الزمن المبكر، أي عام 1936، كانت نظرتنا المعادية للصهيونية، نابعة، وبحق، من كونها أجيراً للاستعمار البريطاني، ومنفذاً لمخططاته.

كما أن موقفنا تأثر بمجموعة من الأحداث: عمليات طرد الفلاحين من أراضيهم وخاصة قضية وادي الحوارث، التي باعها الملاكون العرب للصهاينة وقام الجيش البريطاني بطرد الفلاحين العرب منها، وحركة القسام. وكنا في المدرسة الابتدائية نقيم تنظيمات سرية لمحاربة الإنچليز، وكان ذلك نتيجة تشجيع بعض أساتذتنا، الذين علينا الآن أن نُشيد بموقف العديد منهم. ولكنها كانت حركات صبيانية دون أي فعل سوى أننا كنا نشارك في الإضرابات والتظاهرات. وتأثرنا في مدرستنا، مدرسة المعارف الابتدائية في حيفا، بإعدام حجازي وشمشوم والزير في صفد، وخاصة وأن أخ الشهيد حجازي، كان معلمنا للغة العربية، الأستاذ عارف حجازي، وكنا نحبه ونحترمه.

أنجزت الصف الثانوي الأول في حيفا، ثم ذهبت إلى عكا حيث درست الصف الثانوي الثاني في المدرسة الحكومية هناك، بعدها لم يعد هناك إمكانية للتعلم الثانوي المجاني، فذهبت إلى مدرسة إرسالية إسكوتلاندية في حيفا (مدرسة مار لوقا)، وكان أحد معلميها البارزين هو إلياس حداد، وفيها أنهيت دراستي الثانوية.

تنقلت بين عدد كبير من الأعمال، وعلى رأسها المحاولة التي جرت بتوجيه من أخي الكبير كي أصبح مهندساً ميكانيكياً، فعملت في بناء مصافي البترول. وبعدها انتقلت إلى الإذاعة في القدس، وقدمت استقالتي من الإذاعة عام 1943، كي أتفرغ للعمل الحزبي. ثم شاركت في تأسيس «عصبة التحرر الوطني» عام 1943. وفي أيار 1944 أصدرنا جريدة «الاتحاد»، ومنذ ذلك الوقت أصبحتْ حياتي السياسية والأدبية مرتبطة بـ «الاتحاد»، ومجلة «الغد»، ومختلف الأدبيات التي كانت تصدر عن «عصبة التحرر الوطني» أو بتأثير منها.

وفي عام 1946، شاركت مع عدد من المثقفين العرب البارزين في ذلك الوقت في إصدار مجلة أسبوعية اسمها «المهماز»، ولاقت هذه المجلة انتشاراً واسعاً في فلسطين والأردن والعراق. وحاولنا أن نجاري بها المجلات الأسبوعية المصرية «آخر ساعة»، و«روز اليوسف»، ولكن مجلتنا لم تعش سوى سنة واحدة. وقد جابهت مجلتنا مقاومة مباشرة من الحكم الملكي الذي كان قائماً في شرقي الأردن، خصوصاً بعد أن نشرنا كاريكاتوراً على عرض الغلاف يصور تاجاً ضخماً كما لو أنه دبابة وتحته جماهير مدعوسة، وكتبنا تحت الصورة: التاج الذي سيهدى في الشهر القادم إلى أمير عربي، وكان الحديث يجري عن تتويج الأمير عبد الله ملكاً.

وفي «المهماز»، نشرت العديد من قصصي القصيرة. وضاعت «المهماز»، وضاعت هذه القصص. بحثنا عن المجلة في الجامعة العبرية ووجدنا بعض أعدادها، كما وجدنا بعضها الآخر في مكتبة لينين. وأنا كنت أملك مجموعة كاملة من المجلة، وكنت في أواخر الانتداب البريطاني أقيم في رام الله، وعندما اضطررت إلى تركها في حرب 1948، حفرنا حفرة في ساحة أمام بيت جدة زوجتي وطمرنا صندوقاً وضعنا فيه هذا الأعداد وكتباً وأوراقاً أخرى، فلما قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية في عدوان حزيران 1967، ذهبت إلى ذلك المكان فوجدت أنه شيد فوقه بيت كبير، ولم يعد العثور على الصندوق ممكناً.

عام 1948، كان من الممكن أن أُقتل كما قُتل الكثيرون، وإذا لم أُقتل فهذا صدفة، وقد كنت في العديد من المرات أعيش أوضاعاً كان من الممكن أن أموت فيها برصاصة.


لذلك، ربما، يولد فيَ حِسّ تلخيص التجربة، وحرقة لأن هذا الأمر لا يجري على مستوى القيادات الفلسطينية. لقد آن أوان تلخيص التجربة. فتجربتنا غنية جداً في مآسيها ونكساتها، والسؤال الذي يشغلني الآن، هو أنّ هذا الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات، لماذا لم يحقق حتى الآن الحد الأدنى من أمانيه. والحجج التي تقدم غير مقنعة: العدو أقوى أو التطويق الرجعي. إذن، لماذا لا نلخص التجربة دون الاستهانة بهذه الأسباب؟


حدثنا عن تجربة النزوح الفلسطيني عام 1948؟


حين نراجع الآن تسلسل أحداث المأساة أو الكارثة الفلسطينية، فإننا نحاسب أنفسنا على أمر واحد فقط. صحيح أننا بذلنا كل الجهد الممكن من أجل كشف أبعاد المؤامرة أمام جماهير شعبنا، باعتبارها تستهدف في الأساس إجلاء الفلسطينيين عن أرضهم، ودعونا جماهير شعبنا إلى البقاء في بيوتهم ومدنهم وقراهم مهما يحدث من أمر. ولكن الحقيقة، أيضاً، هي أننا بيننا وبين أنفسنا لم نكن نصدق أن تنفيذ مؤامرة، بهذا البعد، كان ممكناً. ومنذ عام 1946، حين خرج حزب العمال البريطاني بمشروعه المعروف والداعي علناً إلى ما أسماه تبادل السكان، ومضمونه الفعلي هو إجلاء العرب من فلسطين، ونحن ندرك أبعاد المؤامرة على المستوى السياسي. غير أن حداثة عهدنا بالسياسة جعلتنا لا نصدق أنه من الممكن ارتكاب مثل هذه الجريمة بعد الحرب العالمية الثانية وبعد القضاء على الفاشية والنازية.

ولقد قاوم حزبنا، طوال تاريخه في فلسطين، مختلف الحلول التي طرحت لتقسيم فلسطين. وما موافقتنا على قرارات الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، لإقامة دولتين مستقلتين في فلسطين، دولة عربية ودولة يهودية تجمع بينهما وحدة اقتصادية، سوى محاولة منا، في الأوضاع التي كانت قائمة آنذاك، لتفادي الكارثة.


ومنذ اليوم الأول لاندلاع القتال في فلسطين، جرّبنا أن نقنع الناس بعدم ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم، بواسطة النشر والدعاية ومن خلال العمل الفعلي في لجان أحياء. غير أن المؤامرة كانت أكبر منّا بكثير. وأجد أنه من الضروري تحديد دور المسؤولين عن هذه الكارثة. فالإعلام الصهيوني يدعي أن عرب فلسطين تركوا بلادهم بمحض اختيارهم أو تلبية لنداء القيادة القومية الفلسطينية، وقيادة الدول العربية، وهذا ليس صحيحاً. والإعلام الصهيوني يناقض نفسه بنفسه في هذا المجال، فلقد تباهى رئيس حكومة إسرائيل الحالي (سنتذاك ١٩٨١) مناحيم بيغن، مرات عدة، بأن مجزرة دير ياسين التي ارتكبتها منظمته بقيادته في نيسان عام 1948، وذهب ضحيتها حوالي 40 عربياً فلسطينياً، بأنها كانت عاملاً حاسماً في إكراه العرب على ترك بلادهم. وهناك مجازر مماثلة لمجزرة دير ياسين. ولقد كُشف النقاب في إسرائيل في خضم الصراع الحزبي الداخلي على مجازر ارتكبت في الرملة واللد لترحيل أهالي البلدتين العرب. كذلك نشر قبل فترة وجيزة كتاب يكشف النقاب عن محاول مبرمجة لترحيل سكان مدينة الناصرة العرب. ومؤلف الكتاب، وهو يهودي أسترالي، كان ضابطاً في الجيش الإسرائيلي آنذاك، وقال إنه رفض تنفيذ هذه الأوامر. هذا بالإضافة إلى مجازر ارُتكبت في أغلب القرى التي أُزيلت من الوجود، أو التي لم تزل على قيد الحياة، مثل: عيلوط، وعيلبون، ودير الأسد، وشعب، وكفر ياسيف.


غير أن مسؤولية القيادة القومية الفلسطينية والعربية آنذاك يمكن تحديدها في أمرين:


الأول: أنها أوهمت الجماهير العربية الفلسطينية بأنها معنية حقاً بمنع هذه الكارثة وقادرة على ذلك، فيما أثبتت الأحداث فيما بعد أن الأمر كان عكس ذلك.


الثاني: في أنها لم تقاوم وتتصدّى لموجة الرحيل.


أما الأساس، فهو هذا المخطط الاستعماري الصهيوني. ويجب عدم لوم الجماهير الفلسطينية، فهناك نزوح طبيعي في ساحات المعارك يحدث في كل الحروب، وهذا حدث في أوروبا وغيرها، لكن الأمر الخاص في الحركة الصهيونية هو أنها تقوم على إحلال شعب مكان آخر.


وماذا عن تجربتك الشخصية خلال فترة النزوح هذه؟


في هذه الأثناء كنت مقيماً في رام الله وأعمل في القدس. واستطعت أن أكون شاهد عيان على العديد من الجرائم التي ارتكبها المستعمرون البريطانيّون. وكان الهدف المباشر منها هو تأجيج الصدام الدموي اليهودي -العربي في أحياء عديدة من مدينة القدس، وقد حدثت أمور مماثلة في بقية المدن الفلسطينية. كانوا، مثلاً، يعلنون منع التجول في أحد أحياء القدس المختلطة، ثم يأتون ببعض الشباب العرب المتحمسين بشكل عفوي أو حتى المشبوهين، ويدلونهم على الدكاكين اليهودية المغلقة، فيفتحونها ويقدمون لهم البنزين لإحراقها. ويستمر منع التجول لليوم الثاني، فيجلبون بالسيارات المصفحة نفسها يهوداً يقومون بعمليات مشابهة في الدكاكين العربية. كما كانت المصفحة البريطانية تلتقط من حي عربي شاباً وتأخذه إلى الحي اليهودي حيث يقتل، ثم يلتقطون شاباً أو شيخاً يهودياً وينزلون إلى الحي العربي، وتتكرر المسرحية الدموية.

وفي حيفا، قامت سيارات الجيش البريطاني، بشكل مباشر بنقل الأهالي العرب إلى زوارق بريطانية أخذتهم إلى عكا، ومنها جرى ترحيلهم إلى لبنان. وفي القدس، أسهمت سيارات الجيش «العربي» الأردني مباشرة في ترحيل العرب.


إنني أتذكر أيام نزوح العرب عن القدس، وقد كنت هناك، كان ذلك في شهر نيسان، وكانت تهب زوابع ترابية، وكان الناس يسيرون على أقدامهم أو محملين كالأغنام في السيارات المتجهة نحو الأردن، وكانت قنابل ”الهاون“ تتساقط عليهم وعلى منازلهم التي خلفوها وراءهم، ولا تسمع سوى صوت الانفجارات وولولة النساء وبكاء الأطفال. ولقد علقت هذه المشاهد في ذهني إلى الأبد، مرتبطةً بفيلم كنت قد شاهدته عن انفجار بركان” فيزوف“، واحتراق مدينة بومبيي وتهدمها، وكان مشهد النزوح مشابهاً للمشهد السينمائي بشكل مدهش، لأن ما حدث طبع في أذهان الجماهير كما لو أن بركاناً قد انفجر فجأة.

وهذه هي خيانة القيادة القومية الفلسطينية التي سلمت مقاليد هذا الشعب، في تلك الساعات المصيرية، إلى دول عربية مرتبطة حتى أسنانها بالاستعمار ومخططات الصهيونية، ولا تملك سوى الشعارات الغيبية والبعيدة عن الواقع، حتى أصبح هذا الواقع في أذهان الجماهير التي أضاعت البوصلة بركاناً لم تحسب أي حساب لانفجاره.

من المعروف أن المأساة الفلسطينية كشفت عن عفونة الأنظمة الرجعية العربية آنذاك، ومنذ ذاك الوقت تفجرت الانقلابات في مختلف أنحاء العالم العربي. ومع ذلك لم يقاس أي شعب عربي في خيانة الأنظمة كما قاسى شعبنا العربي الفلسطيني. لأنه ليس صحيحاً أن ما حدث كان بركاناً وكارثة طبيعية لا يمكن تفاديها. إن ما حدث كان مؤامرة مدبرة من قبل الاستعمار والصهيونية. ولقد نجحت هذه المؤامرة اعتماداً على انعدام كل شعور وطني لدى الأنظمة العربية التي كانت سائدة.

وحري بالتسجيل هنا، العمل الاستبدادي الأخير الذي قامت به سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو إغلاق جريدتنا «الاتحاد» باعتبارها مخلة بالأمن، لا لسبب سوى لأنها كشفت حقيقة المؤامرة، ودعت الشعب الفلسطيني إلى البقاء في وطنه. ولقد ظهرت في تلك الأثناء حالة مأساوية هي تعاون بعض القيادات القومية الفلسطينية مع قوات الانتداب البريطاني. أضف إلى ذلك أن هذه القيادة كانت أول من ترك البلاد والتجأ إلى البلدان العربية وخصوصاً إلى لبنان والأردن والسعودية، مما دفعها إلى تشديد التحريض على كل من دعا إلى البقاء في البلاد والتحريض علينا بشكل خاص. وقبل أن تقوم سلطات الانتداب بإغلاق «الاتحاد»، قامت عناصر أرسلتها هذه القيادة بمهاجمة مكاتبنا في القدس ومصادرة أعداد الجريدة، غير أن هذا الإجراء لم يقبل شعبياً، فاضطرت إلى التراجع عن هذه الخطوة، فجاء الإجراء البريطاني المباشر بإغلاق الجريدة.

ولقد تبين لي أن إقامتي في رام الله، في هذا الجو، لم تعد مأمونة، كما أننا أردنا أن نجد طريقاً للاستمرار في إصدار «الاتحاد». فقمت بالاتفاق مع إخواني، بالعودة إلى حيفا، مدينتي، عبر الأردن ولبنان ثم الجليل قبل الخامس عشر من أيار 1948، وأقمت في لبنان عدة أسابيع، وحتى في تلك الأيام لم يكن واضحاً لنا مدى الكارثة.


عدت إلى حيفا حيث تقيم عائلتي واخوتي فلم أجد أحداً منهم، وفهمت أنهم رحلوا إلى لبنان ما عدا أبي وأمي اللذين انتقلا إلى الإقامة في قريتنا الأصلية شفاعمرو حيث كان أبي قد توفي. أما والدتي فعدت بها إلى بيتنا في حيفا.

لقد حاولت أن أستعيد في قصة «المتشائل»، تجربة العودة من لبنان إلى حيفا من حيث الطريق لا من حيث العائد. وأن أستعيد كذلك لقائي المأساوي بحيفا بعد النكبة، والتجأت إلى أُسلوب السخرية في هذا الوصف، لأن المأساة كانت أقوى من أن تتحملها الذاكرة.



يوحي إنتاجك الأدبي، أنك تكتب ثلاثة أنواع أدبية هي القصة والرواية والمسرحية، ونحن نعتقد أنك تكتب نوعاً أدبياً واحداً هو مزيج من المقال والحكاية الشعبية، فأنت كما نعتقد لست متأثراً بالرواية العالمية، بل إن مصادر تأثرك الفعلية هي حكايا «ألف ليلة وليلة»، والجاحظ والمقامة.


يواجه الضرير عاهته بأن يفتش عن تعويض لهذه العاهة. ولذلك ادعيت أنه في مقدوري، اعتماداً على إلمامي بالتراث وعلى تذوقي للأدب العالمي (هناك فرق بين أن تكتب الموسيقى وأن تتذوقها)، أن أفتش عن أسلوب جديد في الأدب يتفق وإمكانية الاستيعاب الجماهيري العربي الخاص.


والحقيقة أنني حين كنت أخوض في أسلوب جديد كنت أفعل ذلك عن تعمد وإصرار، مجيزاً لنفسي حرية التجربة. وفيما بعد، حين لاحظت هذا الأمر لدى العديد من شعرائنا، أدركت أن محاولتي هذه ليست عرضية، وإنما هي تعبير عن الحاجة الموضوعية. وأحب هنا أن أحدد بعض الأمور.
إن معرفتي بالنقد الأدبي حديثة جداً، ولكنني أحاول في هذا الزمن المتأخر أن أتخلص من هذا النقص في معلوماتي، غير أنني من جهة أخرى لا أستطيع أن أدعي أن إلمامي بالأدب العالمي واسع نسبياً، فأنا منذ طفولتي متعشق لقراءة الأدب، وقراءاتي واسعة جداً، وهي في الأساس قراءات في الأدب الكلاسيكي العالمي. وقد حالت انهماكاتي السياسية فيما بعد بيني وبين متابعة تطور الأدب في العصر الحديث، ما عدا الأدب العربي. وأنا لو لم أكن سياسياً لكنت أديباً، ولو لم أكن ثائراً لكنت شاعراً.

 
أما لجوئي للأدب الساخر فإنه يعود إلى أمرين:
 - أرى في السخرية سلاحاً يحمي الذات من ضعفها.
-  كما أرى فيها تعبيراً عن مأساة هي أكبر من أن يتحملها ضميري الإنساني.

ولقد وجدت في التراث العربي معيناً لا ينضب في هذا المجال، وكم من أعمال عربية كلاسيكية لم يفهمها جيلنا باعتبارها أدباً ساخراً، وعلى رأس هذه الأعمال تأتي «رسالة الغفران»، للمعرّي، و«ألف ليلة وليلة»، فمن المعروف عن «ألف ليلة وليلة»، أنها بدأت بقصة الأمير الذي وجد زوجته تخونه مع أحد عبيده، فهام على وجهه بعد أن قتلهما، وفيما كان يمر على شاطئ البحر إذا بموج البحر يصخب وينشق البحر عن مارد مخيف يحمل على كتفه صندوقاً كبيراً، فالتجأ الأمير إلى شجرة اختفى بين أغصانها، وأما المارد فجلس على الشاطئ وفتح الصندوق ثم صندوقاً آخر في داخله حتى الصناديق السبعة وأخرج منها حورية لم يمسها إنسان، فنام على ركبتها دون أن يمسها هو نفسه، ولحظت الحورية الأمير الشاب فوق الشجرة، فأشارت إليه بأن ينزل أو توقظ المارد، ففعل، فطلبت إليه أن يضاجعها أو توقظ المارد، ففعل، ثم طلبت إليه أن يعطيها خاتمه الذهبي أو توقظ المارد، ففعل، فأخرجت صرة لتضع الخاتم فيها فإذا بها مليئة بالخواتم، وأخبرته أن هذا المارد سرقها من أهلها وأخفاها في سبعة صناديق في بطن سبعة بحور حتى لا يكون هناك أي مجال لها كي تخونه، ولا هو يمسها، وفي كل شهر يخرجها مرة إلى شاطئ البحر ويكتفي بالنوم على ركبتها، ولديها حتى الآن سبعون خاتماً لسبعين شاباً استطاعت أن تخون المارد معهم.


فهل هناك ألطف من هذه السخرية على أولئك الأزواج الذين يتوهّمون غير ذلك !؟ وتولستوي أخذ من «ألف ليلة وليلة»، في إحدى قصصه القصيرة، قصة الفلاح الذي وجده هذا الأمير يفلح أرضه وقد حمل فوق ظهره صندوقاً كبيراً، فسأله لماذا يحمل الصندوق، قال وضعتُ زوجتي فيه حتى لا تخونني حين أذهب إلى الحقل، فلم يصدق الأمير وأنزل الفلاح صندوق وفتحه، ويبدو أنه كان يفعل ذلك للمرة الأولى، وإذا بزوجته مع شاب يتضاجعان في الصندوق فوق ظهر الزوج. كما أن «العقد الفريد»، يشبه الـ «ديكاميرون»، حيث نجد هزلاً في نهاية كل فصل، و«رسالة الغفران»، أيضاً.

إن كل أديب في كل مكان في العالم، لا يمكن أن ينشأ في بوتقة منعزلة عن منجزات الآداب العالمية. وبالطبع، فإن أدبنا لا يختلف في هذا المجال عن بقية آداب الشعوب. ولولا اعتمادي على التراث العالمي، لما كان في مقدوري أن أكتب سطراً واحداً. ولكنني لاحظت أنه كثيراً ما يتم نقل ميكانيكي لمكتسبات الآداب العالمية بما لا يتلاءم، لا مع أذواقنا الجماعية الخاصة، ولا مع الحاجة إلى الاستمرار في رفع مستوى هذه الأذواق. وبهذا يختلف الأدب عن بقية فروع المعرفة، من حيث أن علم الحساب هو علم الحساب في كل مكان، أما الأدب وبقية الفنون، فتظل في الأساس تعبيراً عن خصوصية الإسهام الذي يقدمه شعب من الشعوب للتراث العالمي.

من هنا، اهتمامي الخاص بلغتنا وأسلوبنا. وأعتقد أن التحديات التي تجابهنا في بلادنا، وهي تحديات البقاء القومي، دفعتنا إلى الاهتمام الخاص بهذه القضايا.

وأكثر من أثارني هو محاضرة لوزير إسرائيلي أراد فيها أن يثبت اعتباطاً عدم وجود شعب فلسطيني متميز، فادعى في سبيل ذلك أنه لم يظهر كتاب وأدباء ومؤرخون من هذه المنطقة التي تسمى فلسطين، وهذا الكلام غير صحيح، ولقد قمنا في بلادنا بأبحاث تاريخية أثبتنا فيها عدم صحة هذا الكلام، غير أن هذه المسألة تؤرّق وعينا.

أنا أعتبر أن على الأدب الجيد أن يتحلى بصفتين: الصدق في المضمون، والأسلوب الجيد. وأنا اكتفيت وأكتفي في محاولاتي الأدبية بالالتزام بالصدق، ولا أفهم من كلمة الالتزام سوى هذا الأمر. ولقد اكتشفت، من خلال تجربتي، أن ما من شيء أكثر صعوبة على الكاتب من الالتزام بالصدق. وقد ازداد إعجابي بشارلي شابلن حين قرأت عنه أنه لم يكن يجيز عملاً سينمائياً له إلا بعد أن يعرض على الأطفال. وأنا متأكد من أن التزام الصدق سوف يقود الكاتب إلى رؤية الحقيقة الأساسية في الحياة، والتي يمكن التعبير عنها أدبياً بأن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.

ويستطيع الكاتب أن يقدم للناس عملاً صادقاً إذا استطاع أن يقدم إليهم ذاته القديمة النقية التي ولد بها. فالأدب المبدع بالنسبة لي هو أن يستطيع الفنان إطلاق لا وعيه، فيصبح أدبه صادقاً ويكون مستحقاً للحياة. وهذا هو أكثر الأمور صعوبة بالنسبة لشخص مثلي، وهذه مأساتي، كيف أطلق اللا وعي. وأنا حين أشعر بأنني غير قادر على تقديم الصدق كله، أحاول أن أخفي هذا العجز عبر استخدام أُسلوب يمكن تأويله، ويمكن اعتباره غامضاً، ولكنني أرفض أن أكذب.


لقد جوبهت بقضية ما يسمى بأدب الشعارات، ولاحظت أن المتهم الوحيد بهذا العيب هو الأدب التقدمي، حتى أصبح هذا الالتحام يخيفنا وكأن العيب هو أسلوب الشعارات نفسه. ثم وجدت، من قراءاتي للأدب الرجعي، بما فيه الأدب الأمريكي الحديث، أن أحداً لا يعيب عليهم لجوءهم إلى الشعارات، حتى ولو كانت مبتذلة، وساقطة، ما دامت شعارات معادية للتقدم.

وأنا متأكد الآن من أن القضية ليست في أسلوب الشعارات، كما يسمونه، إنما هي قضية صدق العمل الأدبي أو عدم صدقه. ولقد تمكنت، أثناء وجودي في الخارج، من أن أتعرف على الأدب الفلسطيني الحديث، وباستثناء كتاب يعدون على أصابع اليد الواحدة، فقد لاحظت أن العيب في أعمالهم، ليس الشعارات، بل هو بعدهم عن الحقيقة، إذ إنهم لا يكتفون فقط بعدم احترام لغتهم، بل إنهم لا يحترمون جغرافية بلادهم أيضاً، وكثيراً ما نقرأ قصصاً عن مدن وقرى فلسطينية، يظهر لنا فيها أن هؤلاء الكتاب لا يعرفون جغرافية هذه المدن والقرى.

من الواضح بالنسبة لي أن الأسلوب الأدبي هو الذي يميز الأدب عن غيره من الأعمال الكتابية، وأنا لا أسمح لنفسي بارتكاب أي خطأ في اللغة حين أكتب الأدب. وأسلوبنا معرض ونحن معرضون سياسياً للتلوث، وإننا نعتز في بلادنا بأننا أسهمنا في منع مأساة شبيهة بمأساة شمالي أفريقيا (من حيث قضية إحلال لغة أخرى مكان لغتنا العربية).

لذلك اسمحوا لي أن أعبر عن دهشتي أمام ما أجده في الناتج الفلسطيني الحديث، من استخفاف باللغة، لا يجيزه لنفسه طالب مدرسة ابتدائية.

 

 

في كتابك الأول «سداسية الأيام الستة» نلاحظ أن الأساسي هو الخبر وليس الشخصية. أي أن القصة تُخبر عن أبطالها ولا تقدمهم هم. كأننا أمام نص يشبه المقالة ويحمل حكمة الحكاية وفكرتها داخل قالب قصصي. كيف تفسر هذه الظاهرة؟

لا يمكن أن أنتقل من النتاج السياسي إلى النتاج الأدبي إلا حين يكون هناك إلحاح داخلي يدفعني للتفريج عن كربي في عمل أدبي، وأتوهّم أنني بهذا أشبه الشعراء. إذ يجب أن يثيرني حادث ما وأن أشعر حياله أنني لا أستطيع أن أعبر عن مشاعري بالمقال العادي. أما الشكل الذي أقدم به هذا الفيض من المشاعر، فلا يكون محدداً بطريقة مسبقة. الشيء الوحيد المحدد هو الالتزام بعدم تلويث اللغة والأسلوب. مثلاً: لقد هزني شكل اللقاء الذي تم بعد عشرين عاماً بين أفراد هذا الشعب الواحد، كما هزّني هذا الإهمال الذي لاقيناه والذي وصل حدّ النسيان والعداوة. ورأيت في «السداسية»، أن أعالج هاتين القضيتين المترابطتين: شكل الفراق وشكل اللقاء ومستقبلهما. وأعتقد أنني حققت أعمق التعبير في قصة واحدة في «السداسية» هي: «أم الروبابيكيا».

كل القضية هنا، كيف نظر إليها زوجها الذي هاجر وكيف تصرفت بشكل كان من الممكن التوهم أنه يشير إلى استسلامها، ولكنها كانت تحفظ كنوزها ليوم اللقاء، وحين جاء اللقاء، التجأوا إليها.

كما عبّرت عن لقائنا بتشبيهه بسجين كان طوال الوقت مسجوناً، وفي صبيحة أحد الأيام سمع صراخاً في ساحة السجن فسأل عن الخبر، فقيل له، اعتقلنا إخوانك التسعة، فحزن وابتأس وبكى، ولكنه حين التقى بهم بعد تسعة عشر عاماً في السجن، فرح بلقياهم واستعان بتجربته السابقة التي هي أكثر غنى من تجربتهم، في سبيل إطلاق سراحهم، وهو يعلم أن إطلاق سراحهم يعني فراقهم مرة أُخرى، ولكنه كان عوناً لهم.

كل «السداسية»، هي تعبير عن هذا اللقاء، وهي عتاب أليم جداً وباطني من الموقف الذي اتُخذ منا.

ثمة أُمور لا يستطيع السياسي أن يحتويها. لا أناقض نفسي ولا أتجاوز مواقفي السياسية في عملي الأدبي، ولكن هناك قضايا تتجاوز الأطر السياسية، وربما تكون أرضية للمواقف السياسية.


هل هناك تناقض بين السياسي والفنان فيك؟

أعتقد أنني أجبت على هذا السؤال حين أشرت إلى اكتفائي بالتزام الصدق. خذ مثلاً رواية «الجذور» لألكس هيلي. أنا قرأت الرواية وأعجبت بها، ولقد حاول كاتبها أن يكون صادقاً إلى مرحلة معينة، إلى مرحلة انتصار البرجوازية في أمريكا، وبعدها لم يعد صادقاً، حتى المصالحة التي تظاهر بها بين السود والبيض البرجوازيين غير صادقة.

أُعطي مثالاً آخر: لقد عالج نقاد يهود في إسرائيل «السداسية» و«المتشائل» بموضوعية لا بأس بها، وأظهروا إعجابهم بصدقها، ولكن النقد الذي أجمعوا عليه، (وهم صهاينة)، هو أنني غمطت قضية التفاهم اليهودي - العربي والنضال المشترك اليهودي - العربي حقه.

ومع اعتقادي بضرورة هذا النضال، فإن التزامي بالصدق لم يسمح لي بأن أضع قضية هذا العمل المشترك في الموضع البارز الذي نضعه فيه في الأدبيات السياسية. ففي «السداسية»، مثلاً، لم أستطع أن أكتشف التعاطف إلا عن طريق شرطية يهودية. وفي «المتشائل»، إذا كان هناك ثمة تعاطف، فهو تعاطف معلم سعيد ومضطهده يعقوب. ولقد أوصلني الصدق إلى أمر آخر في «المتشائل»، وهو أن مصلحتهما من حيث إنهما يتعرضان للاضطهاد نفسه تدعوهما إلى النضال المشترك، حتى وإن لم يكن هذا النضال قائماً في الوقت الحاضر.

هنا، مرة أخرى، أشعر أنني في التزامي الصدق في العمل الأدبي لم أنقض مواقفي السياسية، ولكن في حين يكون الرجل السياسي محتاجاً إلى الصمت أحياناً وإلى تجاوز الأخطار أحياناً أخرى، وإلى ما يسمى بالتكتيك والتنازل، فإن الالتزام بالصدق يجبر الأديب على عدم التنازل لهذه الضرورات.


هنا يطرح سؤال حول وعي الأدب الفلسطيني لليهود وللمجتمع الإسرائيلي، وكيف ترى انعكاس هذه الوعي في أدبك؟

نحن الذين بقينا في بلادنا وعشنا فيها، ولم يكن أمامنا، منذ اليوم الأول، ذلك الخيار المستحيل الذي عبّر عنه غسان كنفاني في قصته «رجال في الشمس»، حين كتب عن أولئك الذين لم يطرقوا جدران الخزان، خوفاً من انكشافهم ولأنهم كانوا يرغبون في الوصول إلى منطقة الأمان.. حتى هذا الخيار المأساوي لم يكن وارداً بالنسبة لنا، فإما أن ندق منذ اللحظة الأولى على جدران الخزان أو نزول.

ونحن حين نعتز بوعي جماهيرنا العربية في بلادنا، وبوحدة صفها وصمودها في أوضاع بالغة القساوة، فإننا نعرف أن هذا المستوى الرفيع من الوعي لا يعود إلى ميزات خاصة بهذه الجماهير، وإنما يعود في الأساس إلى أنه لا يوجد أمامها خيار حياتي سوى الالتجاء إلى النضال. ولذلك أيضا كان تعاملنا مع الجماهير اليهودية، هذا التعامل الحياتي الواقعي الذي لا بديل له سوى الانضمام إلى جيش النازحين.

التجأت إلى هذه المقدمة لكي أوضح أننا في هذا الإطار لا نتجاهل في أعمالنا الأدبية العلاقات اليهودية -العربية، غير أن أعمالنا هي تسجيل لواقع نحن غير مسؤولين عنه، وهذا الواقع يكمن في وجود انقطاع شبه كلي بين المجتمع اليهودي والمجتمع العربي في إسرائيل. المجتمع اليهودي هو مجتمع عنصري ومغلق لا يقبل بنا. إنهم يريدون دولة -غيتو يهودية.

وأستطيع أن أقول أننا نجهل المجتمع اليهودي على الرغم من أننا نعيش معه وفي وسطه منذ ثلاثين عاماً. لذلك، تلاحظون في أدبائنا أحد أمرين: إما التخوف من معالجة قضايا مجتمع لا يعرفونه عميقاً، أو تأتي معالجتهم سطحية وضيقة وشخصية ولا تعبر عن مميزات هذا المجتمع. وأنا شخصياً أتهرب من هذه المسألة، ليس لأن لديّ تحفظات سياسية، بل لأنني لا أستطيع أن أعالج هذا المجتمع بالمقياس الذي التزمته: مقياس الصدق.

إن الشيء الذي لاحظه النقاد الصهاينة على «المتشائل» هو أنني عالجت المجتمع الإسرائيلي دون مبالغات وبشكل مقنع. وقد كتب شمعون بلاص بما معناه أن هذا الكتاب سيكون تحدياً للدعاية الصهيونية فيما لو نجحت ترجمته إلى اللغات الأوروپية.


كيف ترى العلاقة بين عمليك الأخيرين: «المتشائل» و«لكع بن لكع»؟

عندما كتبت «المتشائل» أحسست أن هناك انفجاراً داخلياً يحصل، ولم أكن قد قررت أن أكتب رواية. يبدو أن لحظة معينة أتت فكتبت دون أن أعرف إلى أين سيكون الاتجاه. إنها تجربة سمحت للعقل الباطن بأن ينطلق. وكان هناك ملاحظة حول رجل الفضاء إذ إنني جعلت لرجل الفضاء وعياً، بينما يجب أن لا يكون كياناً منفصلاً عن نوات الشخصيات التي تحلم. ذلك أنني في بداية التفكير في هذه الشخصية كنت أريد أن أجعل منه شخصية مثالية، بعدما تبين لي أنه سيكون مجرد تعبير عن الوهم وليس انعكاساً له في كائن مستقل. هكذا ترى أن سياق الرواية الانفجاري هو الذي أعاد النظر في شخصياتها وأوصلها إلى حيث كانت.

أما في «لكع»، فأنني كنت في الواقع أكتب مسرحيات قصيرة غير مترابطة، وذلك خلال فترة تمتد إلى سنتين، وكنت لا أنهي هذه المسرحيات لأنني شعرت أنني أخوض في قضايا أنا عاجز عن الاستمرار في معالجتها، وهكذا حتى أتى يوم كتبت فيه القسم الأول من الفصل الثاني وهو بعنوان «تموت الحمير وتحيا الزريبة»، فأعجبتني الفكرة وأعجبني الأسلوب وشعرت أنني اهتديت أخيراً إلى الإطار الذي يصلح للتعبير عن التجربة التي أردت.

ولقد جابهتني قضية التشويق والصنعة، لأن الموضوع جاف وصعب، وأنا أعرف أن العمل المشوق هو ذلك العمل الذي له بداية وأوج والذي يتطور. ولقد توخيت هذا الأمر في «المتشائل» عن سبق عمد وإصرار، وأنا أعتبر هذا جزءاً من الصنعة الأدبية التي تهدف إلى الوصول للجهد والارتفاع به بجمالية. ولقد استعضت في «لكع» عن هذا النوع من الصنعة عبر اللجوء إلى السخرية والنكتة وعبر الالتجاء إلى الأسلوب الإدهاشي. المشوق هنا هو الاعتماد على النكتة المعتمدة بدورها على الرمز، ثم الاعتماد على النكتة حتى ولو ضاع الرمز. ولجأت من أجل التشويق إلى التقاليد الشعبية وإلى بعض الأعمال التي تعتمد السذاجة كالقرد والبوليس الذي يهاجم المسرح، وإلخ..


نلاحظ في «المتشائل» أنك استطعت أن تعطي لشخصية سعيد أبي النحس إيقاعاً شعبياً مدهشاً، غير أن مسار هذه الشخصية يصطدم بالبنية الداخلية للرواية، فالتحول الذي يحصل بعد رفعه العلم الأبيض يبدو منطقياً في الواقع ولكنه يبدو غير منطقي في الرواية. كيف تفسر هذا؟

لقد عشنا نحن تجربة ملموسة في مواجهة الاضطهاد الإسرائيلي، وأعتقد أن عناصر هذه التجربة غير واضحة لكم في الخارج. وأُعطي مثالاً على ذلك، مجزرة كفر قاسم، وكيف انعكست في الخارج. من الواضح بالنسبة لنا أن المجزرة لم تكن نتيجة خطأ في فهم الأوامر، وإنما نظمت بدم بارد، واعتماداً على مخطط خلاصته أن يجري في العام 1956 ما جرى عام 1967، وهو أن يقوم الملك حسين بالتظاهر في دخول الحرب ضد إسرائيل، كما جرى عام 1967. وقد اتهم الملك حسين، بعد أن أقال حكومة النابلسي، هذه الحكومة بأنها هي التي منعته من أن يخف لنجدة عبد الناصر. هكذا كان المخطط. وكان دخول الأردن الحرب سيقود إلى عدم اهتمام العالم بالمجزرة تماماً كما لم يهتم بمجزرة خانيونس التي وقعت أثناء العدوان الثلاثي.

وكان الهدف من مجزرة ترتكب في قرية على حدود الأردن، هو إجبار جميع السكان العرب في المنطقة على الهرب وترك قراهم. وقد عبّر عن هذا الغرض أحد نواب السلطة، آمنون لين، عام 1971، حين كتب مندهشاً أنه حتى مجزرة كفر قاسم لم تقنع العرب بأن عليهم أن يتركوا هذه البلاد.

إذن، فقد وقع اختيار مسبق على قرية عربية، واختاروا كفر قاسم لأنها القرية الوحيدة التي تعاونت اجتماعياً مع السلطة، ورفضت أن تبدي ولو الحد الأدنى من المقاومة السلبية. اختاروا اللقمة السائغة. ونحن ندعي أنهم لو اختاروا قرية مثل أم الفحم أو الطيرة أو الطيبة، لكان من الصعب عليهم تنفيذ المجزرة وبالمدى الفظيع هذا.


كيف وجدنا انعكاس المجزرة في فيلم «كفر قاسم» لبرهان علوية؟

لقد أظهر الفيلم أن اختيار كفر قاسم نابع من المستوى العالي للمقاومة التي أبدتها القرية ضد الحكم الإسرائيلي.


هذا هو الخطأ المأساوي.


العربي في إسرائيل لا خيار له، إما المقاومة أو أن يكون ضحية. وهذا ما وجد تعبيره الواعي في «المتشائل»، اختاروا قتل عملائهم، حتى سعيد أبو النحس لا مكان له في إسرائيل!

 

كيف تنظر إلى عملك الأدبي، كإبداع نضالي، وكيف ينعكس هذا في «لكع»؟

خلال وجودي في الخارج التقيت بالعديد من الفلسطينيين، من معارفي القدامى ومن الطلاب والسياسيين، وأنا أشكرهم لأنهم جاؤوني بقلوب مفتوحة، وهمّ مشترك، وهو أننا نريد أن نجد مخرجاً لمأساة الشعب العربي الفلسطيني. وسألوني عن تجربتنا، ووضعنا سوية أسئلة عديدة بالنسبة للحاضر والمستقبل، وعلى رأسها السؤال حول الأسباب العميقة التي جعلت الشعب العربي الفلسطيني غير قادر على تحقيق ولو جزء من أمانيه العادلة. وقد طلب إليّ العديد من الأصدقاء أن أكتب هذه التجربة، وكانت هذه هي المهمة التي قررتها لنفسي أثناء وجودي في براغ. وبدأت في كتابة رواية في هذا الاتجاه تعتمد على تجاربي الشخصية، ويمكن أن أسميها رواية تاريخية، وأنهيت بعض فصولها، واعتمدت فيها أسلوب الرواية التاريخية الكلاسيكية. ثم أدركت أنني عاجز في هذه المرحلة عن كتابتها، عاجز من حيث الإطار ومن حيث عدم قدرتي على تقويم الماضي تقويماً صادقاً في الوضع المتشابك القائم الآن، حتى انتهيت إلى إطار «لكع بن لكع». فـ«لكع» هي محاولة أدبية ويمكن أن نسميها ذاتية لتقويم التجربة وطرحها على الساحة العربية. إنها مكتوبة بوعي كونها موجهة إلى القارئ العربي من موقعي أنا ودون أن أتجاهل التحديات الأساسية التي تجابهنا. إنها تعبير عن التجربة ومشاعرنا، نحن الذين بقينا في بلادنا. ومن هذا المنطلق جرت معالجة مختلفة الظواهر، فيها العتاب الذي ظهر في «السداسية»، وفيها الحقد المقدس الدفين على الرجعية العربية، وفيها ملاحظاتنا على مواقف النضال الفلسطيني. ولقد هالتني في أثناء كتابة هذه الرواية قضية بسام الشكعة حين تجرأ الحاكم الإسرائيلي على أن يسأله: هل تبرر قتل الأطفال؟ إن مجرد قيام الحاكم العسكري وكل ما يمثله بتوجيه هذا السؤال إلى الشكعة وكل من يمثلهم هو أمر لا يستطيع الإطار السياسي وحده أن يرد عليه.

والآن أجد نفسي، مع ردود الفعل على «لكع»، أنني لم أنجح في الرد عليه رداً كافياً، غير أنني أردت أن أصرخ في وجه المحتل الإسرائيلي: «أنا هو الطفل القتيل». «لكع» هي عمل أدبي -سياسي أردت فيه أن أراجع موقفنا كشيوعيين أيضاً، وهدفي الرئيسي من «لكع» هو مقاومة الخوف المسيطر على نفسي في أن تذهب هذه التجربة المضيئة بما بذل فيها من دماء هباء.


ولكن كيف نفسر عدم تطور درامي في «لكع»؟

أعتقد أن التطور في «لكع» يأتي من تطور التجربة نفسها. وبما أنني قررت أن ألتجئ إلى الرموز، فقد اعتمدت التعبير عن هذا التطور في عناوين الفصول وفي الأسلوب نفسه. فمثلاً الفصل الأول الذي بعنوان «مجنونة بدر»، وهو تعبير عن ذلك التيار الوطني والشعبي الأصيل الذي ركز على الشهادة أسلوباً منفصلاً في النضال حتى درجة الجنون الرمزي. كما حاولت أن أعالج القضية التي تشغلني دائماً، وهي الثمن الباهظ الذي دفع ويدفع. ثم انتقلت إلى قضية الشهادة نفسها، وهنا لم أجد ما أواجه به الشهيد سوى كل الاحترام والمحبة والتقدير دون أي تحفظ، ووضعت الشهيد في مواجهة أولئك الذين يمثلهم. ففي هذا الفصل أيضاً، هناك تطور في الاستيعاب الذاتي للتجربة، والحقيقة أنني حين كتبت هذا الفصل والفصول الثلاثة، كنت أبحث عن أجوبة، ولم يكن لديّ أجوبة مسبقة حتى أتينا إلى الفصل الثالث الذي هو تعبير عن رؤيتي الذاتية لهذه التجربة. وهنا تأصلت قناعتي أن الحقيقة الأساسية بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني هي أنه هو الضحية، والضحية تقاوم. 

ولقد اكتشفت، من خلال التزامي الصدق، أن الحياة معقدة، وأنه لا وجود لأجوبة محددة المعالم ونهائية، ولكنني هنا، وفي الفصل الثالث، توصلت إلى قناعة تقلقني قلقاً شديداً، وهي أن هناك خطراً على التجربة، أو على قسم كبير منها، من الضياع. وأطلقت صرخة من صميم القلب بلسان المهرج محذراً من هذا الخطر. وهنا كنت صريحاً حتى النهاية.

صحيح أنه لا يوجد تطور درامي في الرواية، وهذا من نواحي ضعفها الذي أعترف به، ولكني أعود وأكرر أن التطور ظهر في انعكاسات التجربة على المهرج وعلى بدور.


كيف ترى علاقة الأدب بالثورة، وكيف تُقوّم الأدب الفلسطيني؟

 

أود أن أحترز في البداية، وأقول إنني غير مؤهل لتقديم جواب شامل حول الأدب الفلسطيني الثوري، خاصة وأني تعرفت إليه فقط في السنوات الأخيرة، وبهذا أُخرج، ولأسباب ذاتية، أدبنا الذي يكتب في داخل بلادنا، ومع ذلك أود أن أبدي بعض الملاحظات عن انطباعاتي حول هذا الأدب.

يبدو لي أن العديد من إخواني يكتب على عجل. فإذا كان مشغولاً بمجالات النضال الوطنيّ الأخرى، فهذا واجبه، ولكن العمل الأدبي الناضج لا يمكن أن يكون في غفلة من وقت هذا المناضل، وتظهر العجلة في أمور عديدة أهمها أن الكاتب لا يتحقق من الوقائع الأولية في مسرح قصته أو روايته. حتى مجرد وقائع جغرافية وطبيعية وأسماء أماكن.. كما تظهر هذه العجلة أيضاً في الاستهانة بأدوات العمل الأدبي، وهي اللغة والأسلوب والشكل.

أنا واحد من الكتاب الذين لا يتعالون على ما يسمى بأدب الشعارات، فالخطأ، في نظري، ليس في استخدام الأدب للشعارات، وإنما كثيراً ما يكون الخطأ في الشعارات نفسها، وفي سطحية العمل الأدبي وعدم شجاعة الكاتب في التزام الصدق.

إن تجربة النضال الفلسطيني المسلح، وهي تجربة حديثة العهد، وكثيراً ما نلاحظ أن كاتباً فلسطينياً يتسرع في قطف ثمار هذه التجربة، فيقطفها فجة. وتدلني تجارب شعوب أخرى، بما فيها تجربة الحرب العالمية الثانية، وتجربة مقاومة الاحتلال النازي في أوروپا، أن أدب المقاومة لم يظهر إلا بعد أن اختمرت التجربة. وأستثني هنا الشعر، نتيجة دوره المباشر في مخاطبته الجماهير. ونحن، حين حاولنا، في بلادنا، تفسير ظاهرة ازدهار الشعر الوطني، وعدم ازدهار القصة والرواية، كان هذا هو جوابنا.

إنني أعتقد بأن الأدب الفلسطيني في هذه المرحلة، لا يستطيع أن يخرج من جلده ويظل صادقاً، أي لا يستطيع أن يهرب من القضية الفلسطينية أو من مجال الأدب السياسي، ولذلك، لا ألوم إخواني الأدباء الفلسطينيين فيما لا أستطيع أن ألوم به نفسي.



ما هي مشكلتنا إذن؟


مشكلتنا هي أن قضيتنا أكثر عمقاً من أن تقتصر على كونها مجابهة فلسطينية - صهيونية. إن هذه المجابهة، كما نعلم جميعاً، مرتبطة بقوى وعناصر متعددة ومتشابكة. ويبدو لي أن العديد من الأدباء الفلسطينيين يحاولون الاختباء في خندق هذه المجابهة كي يهربوا من مواجهة القوى والعناصر الأخرى.


هذا هو السبب الذي يجعل العديد من النقاد يجمعون على أن الأدب الفلسطيني الحديث، عموماً، هو أدب تحريضي وسطحي وغير ناضج. بل نلاحظ أن العديد من السياسيين الفلسطينيين هم أكثر شجاعة من العديد من الأدباء. بينما الأمر الطبيعي هو في أن يكون هذا الواقع معاكساً.



ما هو السبب في ذلك؟


لماذا كان علينا نحن وحدنا الإجابة على السؤال الذي يؤرقنا كأنه تأنيب الضمير، لماذا كان على هذا الشعب أن يقدم كل هذه التضحيات وأن يصمد كل هذا الصمود دون أن يجني ثمار نضاله؟ أنا لا أتجاهل الأمر الأساسي وهو أنه لا يمكن لوم الضحية، نحن الضحية. ومع ذلك، فإن مهمة الأدب الطليعي هي في أن يكون أكثر شجاعةً من سواه في الإشارة إلى النواقص، وذلك في سبيل أن تختمر التجربة ولكي لا تذهب هذه التجربة هباءً.


وملاحظتي الأخيرة، وليسمح لي العديد من إخواني المشتغلين بالأدب الفلسطيني أن أقولها، وهي أنه إذا كان انعدام الديموقراطية وحرية الكلمة هو درعهم الذي يتقون به ملاحظاتي هذه، فإنني أرى هذا الدرع مصنوعاً من جلد تمساح.


ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟


لم أضع في حياتي مشروعاً أدبياً مسبقاً إلا عندما كتبت «لكع». وأعتقد أن هذه الحقيقة هي مصدر الضعف الأساسي في هذا العمل الأدبي. لذلك، ليس لديّ الآن أي مشروع أدبي، وأتمنى أن أكتب، ولديّ ما أقوله، وإذا تحقق حلمي فسيكون عفو الخاطر وتعبيراً عن حاجة ذاتية ماسة.

 

نشر الاربعاء 06 ديسيمبر, 2017 (اخر تحديث) 06 ديسيمبر, 2017 الساعة 13:01
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [436]