Untitled Document
المزاج السياسيّ الجديد؟!
 ()
حازم صاغية

 

قبل أيّام قليلة رسمت صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة بروفيلاً موسّعاً للقائد الجديد لحزب العمل: آفي غابّاي. فهذا الأخير لم يتولّ موقعه في حزبه إلاّ قبل أربعة أشهر، وبما أنّه ذو ماض سياسيّ متواضع جدّاً، فهذا ما جعله وجهاً مجهولاً إلى أن تبرّعت الصحيفة المذكورة بالتعريف به للجمهور.
عنوان "هآرتس" كان لافتاً، ومفاده أنّ الرجل يمينيّ أكثر ممّا هو يساريّ، يريد الاقتراب من اليمين بقدر ما ينوي الابتعاد بحزبه "اليساريّ" عن اليسار. لكنّ المعطيات الأخرى عنه تكمّل رسم صورته التي تكاد تكون لا سياسيّة، فيما القليل السياسيّ فيها مليء بالتضارب والتناقض.

فغابّاي، وهو ليس نائباً في الكنيست، يوصف بعبارات "شبابيّة" و"مزاجيّة"، من نوع أنّه يعيش في بيته من دون حراسة. لكنْ ما أن ننتقل من الشكل إلى المضمون حتّى نقع على التالي: هو مع حلّ الدولتين، الإسرائيليّة والفلسطينيّة، لكنّه ضدّ إشراك الأحزاب العربيّة في الحكومات الائتلافيّة لإسرائيل. وهو مع عمل المواصلات العامّة أيّام السبت، ممّا يعارضه المتديّنون وأحزابهم، لكنّه ضدّ إجبار اليهود الأصوليّين على الخدمة في الجيش مثلهم مثل سواهم. وهو مع الزواج المدنيّ ومع تفكيك الامتيازات التي تحظى بها مؤسّسات وتراكيب دينيّة، لكنّه ضدّ فرض إخلاء المستوطنات من مستوطنيها بالقوّة.

هذه المواقف والأفكار تجد خلفيّتها في حياة غابّاي، حيث يطغى البيزنس على السياسة والحياة الحزبيّة اللتين تبدوان في غاية السطحيّة. فهو من مواليد 1967 ومن أصول مغربيّة، ما ينمّ عن تسارع في الاندماج المغربيّ في النسيج الإسرائيليّ، سيّما وقد برز مؤخّراً سياسيّون إسرائيليّون من أصول مغربيّة، كان أحدهم أمير بيريتز الذي سبق أن قاد حزب العمل نفسه خلال 2005 – 2006. في الثمانينات، جُنّد غابّاي في فرع المخابرات في الجيش، وفي التسعينات تخرّج في البيزنس من الجامعة العبريّة في القدس ليعمل موظّفاً في وزارة المال. لكنْ بين 2003 و2013، تولّى إدارة شركة بيزيك، كبرى شركات الاتّصالات في إسرائيل، وفجأة رأيناه، في 2014، يشارك موشي كحلون (وهو الآخر من أصول ليبيّة) تأسيس حزب "كولانو" (كلّنا) الموصوف بالوسطيّة والتسوويّة. وفي 2015، وكممثّل عن هذا الحزب، تولّى وزارة حماية البيئة، إلاّ أنّه في 2016 غادر الحزب واستقال من الوزارة لينضمّ إلى حزب العمل! والأغرب من ذلك أنّه في 2017، وبعد سبعة أشهر فحسب على انضمامه إلى الحزب الأخير، انتُخب قائداً له!

ولا بأس بالتذكير، لتوضيح مدى التباين، بأنّ هذا الحزب الذي بات يقوده غابّاي، هو الذي أسّس دولة إسرائيل وبنى جيشها ومؤسّساتها، وخاض معظم حروبها، كما عرف في قيادته سياسيّين حتّى العظم، بل "حيوانات سياسيّين"، من صنف ديفيد بن غوريون وغولدا مائير واسحق رابين، حتّى لا نذكر إيغال ألون وموشي دايان. غير أنّ المزاج الذي يعكسه صعود شخص نكرة وقليل السياسيّة كغابّاي إنّما ينمّ عن تحوّل أعرض شاهدنا بعض المعبّرين عنه في الرئيس الفرنسيّ الحاليّ إيمانويل ماكرون، وفي رئيس حكومة كندا جوستين ترودو، الذي رغم صدوره عن بيت سياسيّ، لا يزال وجهه الشبابيّ والإعلاميّ – النجوميّ يطغى على سائر أوجهه.

وعلى العموم فإّننا حيال ظاهرة تثير اليوم الكثير من التأمّل، وتستدرج الكثير من التحليل، فضلاً عن التفسير. لكنْ يُخشى أن تتحقّق مخاوف المشكّكين بهذا التطوّر، ممّن يرونه فقّاعة إعلاميّة ونجوميّة عابرة، وشكلاً سطحيّاً في الانتقال من ثنائيّة اليسار – اليمين التقليديّة إلى ما بعدها. فهي مخاوف صلبة إلى حدّ بعيد، وتحقّقها سوف يعني انتكاسة أخرى للسياسة واندفاعاً آخر وراء سياسات اليأس والشعبويّة.

 

نشر الخميس 07 ديسيمبر, 2017 (اخر تحديث) 07 ديسيمبر, 2017 الساعة 12:28
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [127]