أخر الاخبار
Untitled Document
الامبراطورية والشرق الأوسط في عهد ترامب (حوار مع جلبير الاشقر)
 ()

 

حوار مع جلبير الأشقر

ترجمه الى العربية‫: وليد ضو  

    

أدى اعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي ونقل السفارة إلى اندلاع موجة من الاحتجاجات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجها. ولكن نفوذ واشنطن وقوتها في المنطقة آخذ في التراجع لبعض الوقت بعد سلسلة من الانتكاسات.

 

جلبير الأشقر اشتراكي نشأ في لبنان وألف العديد من الكتب، من بينها انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية وصدام الهمجيات، تحدث إلى آلان ماس حول آخر التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط ونتائج سنة من حكم ترامب.

 

 

آلان ماس: لقد ركزت الولايات المتحدة بشكل أساسي على هزم داعش، الذي يبدو أن ذلك قد تحقق إلى حد كبير عبر الهجمات لإخراج التنظيم من المدن التي يحتلها في سوريا والعراق. السؤال الأول، ماذا يحدث لداعش اليوم؟

 

 جلبير الأشقر: من الواضح أن داعش يعاني من هزائم شديدة. كانوا يعتقدون أنهم قد بنوا دولة، خلافة تستمر لفترة طويلة على مساحة واسعة جدا من سوريا والعراق، لقد فقدوا كل ذلك اليوم. وقد استمر حكمهم لمدة ثلاث سنوات.

 

يمكنك القول أن داعش استطاع أن يحقق انتصارا عبر سيطرته على مساحة واسعة من الأراضي لفترة طويلة ضد عمليا كل الأطراف. وهي المجموعة الوحيدة التي لقيت اجماعا بوجهها من كل القوى الأخرى المتورطة في المنطقة.

 

لقد عانى داعش من هزيمة كبيرة، ولكن هذا لا يعني أنه سيختفي. تمكن الكثير من مقاتليه من الهروب واللجوء إلى العمل السري خاصة في العراق وسوريا، فضلا عن تواجد فروع كثيرة في عدة بلدان. كما هو الحال مع تنظيم القاعدة، فإن الإرهاب يمكن أن يستمر على المدى الطويل من خلال الشبكات السرية.

 

وأنا متأكد من أننا سنرى الكثير من هذا الإرهاب في الفترة المقبلة- لأنه لا يوجد طريقة حقيقية للتخلص من هذه الآفة من دون تغيير الظروف التي تنتجها.

 

اليوم، هذه الظروف معقدة للغاية. وهي تتضمن، أولا وقبل كل شيء، إرهاب الدولة، بدءا من الاحتلال الإسرائيلي والذي تنشره الهيمنة الامبريالية الغربية في المنطقة. هناك الكثير من الأحداث التي حدثت في العالم منذ عام 1990 لها جذورها في الحروب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق في عامي 1991 و2003، وتلاها احتلال العراق.

 

ولكن هناك أيضا العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة التي تمارس إرهاب الدولة وتثير كراهية مماثلة، الأمر الذي يخلق أرضية خصبة لمجموعات مثل داعش.

 

عموما، نحن نشهد ما سميته في الكتاب الذي كتبته بعد 11 أيلول "صدام الهمجيات". همجية القوي تخلق الظروف لهمجية مضادة من الضعيف.

 

هذا ما كنا نراه- وسنلاحظ المزيد منه، وأخشى أن أقول- من هو الهمجي الأكبر هل هي الهمجية الكبرى الولايات المتحدة، الأكثر دموية من الجميع، أو روسيا، أو الأنظمة الاستبدادية في المنطقة مثل نظام الأسد الاستبدادي، الأكثر همجية بين بقية الأنظمة الأخرى في المنطقة، أو نظام السيسي الديكتاتوري في مصر، على سبيل المثال.

 

 

الجانب الآخر من السؤال يأتي من غزو المناطق التي يسيطر عليها داعش في العراق وسوريا حيث تعيد الامبريالية الأميركية السيطرة. ما هو موقف الولايات المتحدة من القوى الإقليمية في الشرق الأوسط ومن منافسيها الإمبرياليين الدوليين؟

 

من دون شك أن الولايات المتحدة هي أدنى مستوى من نفوذها في المنطقة منذ عام 1990. عندما تدخلت الولايات المتحدة، ونشرت قوات ضخمة في المنطقة كمقدمة لحربها الأولى ضد العراق. وقد وصلت الولايات المتحدة إلى ذروة هيمنتها الإقليمية بعد ذلك.

 

حدث ذلك في الوقت الذي سقط فيه الاتحاد السوفياتي، فاستطاعت واشنطن السيطرة الكاملة على الوضع في الشرق الأوسط. عندما تقيس الوضع الحالي مقارنة مع تلك الذروة، عندما يمكن ملاحظة مدى تراجع نفوذ الولايات المتحدة.

 

كانت انتفاضات العام 2011 المثال الأوضح. في تلك السنة انسحبت الولايات المتحدة من العراق من دون أن تحقق أي من أهداف الاحتلال، وتركت البلد خاضعا لسيطرة إيران، العدو الإقليمي لواشنطن. وتتمتع طهران الآن بتأثير كبير على الحكومة العراقية قياسا مع تأثير واشنطن عليها.

 

عام 2011، كان العام الذي واجه حلفاء واشنطن انتفاضات جماهيرية، مثل حسني مبارك في مصر، بعد الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي. ولحقهم معمر القذافي الذي انتقل إلى صف الأميركيين عام 2003، وتبعتهم انتفاضة البحرين، التي أخافت جميع الدول الخليجية النفطية.

 

وكان التدخل العسكري في ليبيا دعما للانتفاضة ضد القذافي مناسبة لتطبيق سياسة أوباما المتمثلة بـ"القيادة من الخلف" الأمر الذي يظهر أن الولايات المتحدة كانت أقل وضوحا في هذا التدخل من حلفائها الأوروبيين في حلف شمالي الأطلسي، الذين أخذوا زمام المبادرة.

 

لكن هذا التدخل تحول إلى فشل. فقد فشلت السيطرة على الانتفاضة الليبية وتوجيهها نحو نتيجة تحافظ على الدولة الليبية فشلا ذريها، فانهارت الدولة الليبية.

 

هكذا باتت ليبيا الدولة العربية الوحيدة التي نجحت فيها الثورة بالإطاحة بنظام الحكم بشكل كامل، إلا أنه لم يتوفر البديل، دون الحديث عن تقدمي. فنشأت الفوضى بشكل طبيعي.

 

وقد انهار "الحل اليمني"- الحل الوسط بين المجموعة الحاكمة في اليمن والمعارضة بتدخل من ممالك الخليج النفطية وبدعم أميركي، وقد أثنى على ذلك أوباما باعتباره النموذج الذي سيتم اعتماده في سوريا- بشكل مأساوي بعد أقل من ثلاث سنوات.

 

لذلك راكمت الولايات المتحدة سلسلة كاملة من الانتكاسات في المنطقة منذ احتلال العراق. فسيتم تذكر حرب العراق في تاريخ الامبراطورية الأميركية كخطأ كبير- احتلال هزم نفسه قامت به إدارة بوش ضد نصيحة أصدقاء مقربين من عائلة بوش الذين يعرفون نوع المشاكل التي ستواجهها الولايات المتحدة.

 

ونتيجة لذلك، فإن واشنطن في نقطة متراجعة جدا مقارنة مع عقود قليلة مضت. وقد اغتنمت فرصة توسع داعش في العراق عام 2014، لتعود بشكل محدود. وقد نظمت تحالفا لشن هجمات ضد داعش، ونشرت بعضا من جنودها في العراق وفي سوريا.

 

كان التدخل الأميركي الرئيسي على الأرض في سوريا إلى جانب القوات الكوردية. هذا الأمر في حد ذاته مفارقة، لأن هذه القوى تأتي من تقاليد اليسار الراديكالي- لكنها كانت الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في المعركة ضد داعش في سوريا. وقد اعتبر ترامب ذلك "أمرا سخيفا"، وأعلن أنه سيوقف ذلك.

 

ومرة أخرى، يظهر ذلك مدى ضعف واشنطن العام، في وقت تزيد فيه قوة إيران ونفوذها وتدخلها المباشر في المنطقة. وتبدو روسيا كذلك، الفائزة الكبرى في هذا الوضع كله، بدءا من سوريا وصولا إلى ليبيا.

 

بدأ تدخل موسكو المباشر في سوريا بواسطة القوات الجوية عام 2015. في ذلك الوقت، رحبت إدارة أوباما بالتدخل الروسي بحجة أن روسيا ستشارك في الحرب ضد داعش. لكن الجميع يعلم أن الهدف الأساسي لموسكو هو مهاجمة المعارضة السورية لنظام الأسد وليس داعش.

 

بشكل أساسي، أطلقت يد روسيا في مساعدة النظام السوري على سحق معارضته. بعد انتخاب ترامب، ولكن قبل أن يصبح رئيسا، بدأت روسيا في إعداد ذاتها للعب دور صانع الحل في سوريا، وفجأة باتت تتصرف بدور الحكم بين النظام والمعارضة، إلى جانب إيران وتركيا.

 

هناك قضية أخرى ههنا. في خريف عام 2016، تحالفت تركيا، التي أغضبها دعم واشنطن للقوات الكوردية في سوريا، مع روسيا، وبالتالي شكل ذلك ضربة قوية للنفوذ الأميركي في المنطقة.

 

واليوم تبدو روسيا أنها تسيطر أكثر فأكثر على المنطقة بأسرها، في الوقت عينه يتراجع فيه الدور الأميركي. يبدو أن موسكو هي الدعامة الأكثر فعالية للنظام القمعي الإقليمي. فبعد الدور الوحشي الذي لعبته إلى جانب الأسد، سمح السيسي لروسيا باستخدام قواعد عسكرية في مصر لدعم تدخل السيسي في ليبيا مع الإمارات العربية، دعما لخليفة حفتر. كل الممالك النفطية، ومن بينها السعودية، تغازل موسكو، وتشتري الأسلحة الروسية.

 

من المؤكد أن دونالد ترامب لن يتراجع عن هذا التدهور الإقليمي لنفوذ الولايات المتحدة. بل على العكس من ذلك، هو السبب في مزيد من التدهور السريع للنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.

 

 

الآن أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستعترف بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي. ما هو تأثير ذلك؟

 

هذا استفزاز لا مبرر له لا يمكن إلا لشخص غير عقلاني مثل ترامب القيام بما هو غير عقلاني أي من خلال معيار المصالح الأساسية للامبريالية الأميركية.

 

بالتأكيد لا يخدم مصالح الولايات المتحدة عندما يقوم بذلك. ترامب يفعل ذلك دون سبب واضح ولكن يلبي مطالب الجناح الأكثر رجعية من مؤيديه ويعزز نرجسيته الشديدة حيث يفي بوعوده في وقت فشل فيه أسلافه في ذلك.

 

لقد قام بذلك دون أن يقدم أي شيء لإرضاء الفلسطينيين. ولم يحصل على أي شيء من حكومة نتنياهو مقابل اتخاذه هذه الخطوة. وهي خطوة لا معنى لها من وجهة نظر السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

 

هذا الأمر سيكلف واشنطن كثيرا، في وقت باتت فيها صورتها، بسبب ترامب، سلبية بشكل كبير في العالم العربي، والعالم الإسلامي وعالم الجنوب. ومهما كان التحسن محدودا للصورة في عهد أوباما، فقد تم القضاء على ذلك واستبدالها بأبشع الصور على الإطلاق.

 

والنتيجة لا يمكن إلا أن تكون المزيد من الكراهية للولايات المتحدة، وتزايد الإرهاب- سلاح الضعفاء. مرة أخرى، سيتحمل المدنيون الأميركيون ثمن حكمه، كما حصل مع هجمات 11 أيلول، كنتيجة مباشرة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

 

 

اسمح لي أن أسألك عن جزء آخر من الصورة: هل يمكنك الحديث عن التطورات في السعودية بعد مناورات ولي العهد محمد بن سلمان؟

 

ما يحصل في السعودية، هو قبل كل شيء، مسألة داخلية، إنه صراع من أجل السلطة. ما يحدث هو نوع من "ثورة قصر"، ولكن بحركة بطيئة نسبيا بمعنى أنها تتم على مراحل، حتى الاعتقال الدراماتيكي للعديد من الأمراء وغيرهم من أعضاء الأرستقراطية في البلد.

 

نحن نشهد محاولة من محمد بن سلمان لتحويل المملكة إلى شكل تقليدي من أشكال الممالك، حيث ينحصر الحكم بعائلة صغيرة. في المملكة السعودية، على النقيض من ذلك، هناك عائلة حاكمة كبيرة تتكون من أبناء عبد العزيز (ابن سعود)، ملك لديه عدد كبير من الأولاد- 45 ابنا وما يقارب 100 طفل- بسبب تزوجه عددا كبيرا من النساء: أكثر من 20!

 

يحاول محمد بن سلمان إنهاء تقليد حكم عائلة ممتدة وتركيز السلطة في يده، بافتتاح خط سلالي جديد. وهو يقوم بذلك انطلاقا من موقعه كولي للعهد، في حين يؤيد والده الملك، لذلك فهو لديه ورقة بيضاء بما خص ذلك. 

 

محمد شاب طموح جرى تعيينه وزيرا للدفاع في شهر كانون الثاني عام 2015 بعد أن أصبح والده سلمان ملكا، يومها لم يكن قد بلغ عمره بعد الـ 30 سنة.

 

وكان أول عمل قام به كوزير للدفاع هو شن الحرب على اليمن- الحرب التدميرية والقاتلة التي تشنها السعودية وحلفاؤها. وقد فشلت لناحية توقع السعوديين والائتلاف أنها ستحل المسألة بسرعة لكن الواقع أثبت العكس.

 

وكما تلاحظون من الأحداث الأخيرة- خاصة بعد مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح بعد أن غير تحالفاته مرة أخرى، وأعلن تحالفا متجددا مع السعوديين- البعيدين جدا عن تحقيق النصر. وقد نجحوا فقط في التسبب بأسوأ مأساة إنسانية في عصرنا، حيث يواجه ما يقارب من 7 مليون شخص احتمال الموت بسبب المجاعة وما يقارب مليون شخص يواجهون الموت بسبب الكوليرا.

 

ثم انتقل محمد بن سلمان للاهتمام بالمزيد من الشؤون الداخلية، وكان ذلك عندما جرى تنحية ولي العهد السابق، واختير محمد مكانه. وقد كان ذلك اللحظة الأساسية في "ثورة القصر"- أول قطع كبير مع التقاليد.

 

ومنذ ذلك الحين، عزز محمد من سلطته الخاصة من خلال القضاء على منافسيه المحتملين. أي شخص يقف بطريقه يتم قمعه والقبض عليه ومضايقته تحت ذرائع مختلفة، من بينها الفساد.

 

وبطبيعة الحال، لجأ محمد إلى هذه الذريعة لأنها شعبية، ولا يمكن أن هناك الكثير من الفاسدين من بينهم. ولكن من الواضح أنه يستعمل ذلك كذريعة. 

 

محمد بن سلمان بذاته فاسد للغاية- هذا الشاب الذي يمكنه استخدام أي مبلغ من المال بالطريقة التي يريد، في وقت فرض فيه التقشف على أبناء بلده. وأثبت ذلك العام الماضي حين اشترى يختا بقيمة 550 مليون دولار! وهذا مثل واحد يبين لك عمن نتعامل معه.

 

 

ما هو صدى هذا الصراع على السلطة في المنطقة؟ على سبيل المثال، يبدو أن النظام السعودي حاول التدخل في لبنان من خلال استقالة حليفه سعد الحريري. كل هذه التحركات مرتبطة مع منافستها منذ فترة طويلة مع إيران، أليس كذلك؟

 

السعودية كانت قلقة بشكل متزايد من التوسع الإيراني- أولا في العراق، ثم في سوريا، وفي لبنان. ويوجد الآن ممر للهيمنة الإيرانية يمتد من طهران إلى بيروت، ويشمل الوجود العسكري الإيراني المباشر وبالوكالة.

 

السعوديون قلقون بشدة من ذلك لأنهم يرون بإيران شيطانا. منذ الثورة الإسلامية التي أطاحت بالملكية هناك عام 1979- سيناريو لكابوس للسعوديين الذين واجهوا نفس العام انتفاضة متطرفة داخل مكة.

 

عندما أصبح سلمان ملكا عام 2015، نقل المملكة باتجاه توحيد القوى السنية في المنطقة. وتابع هذه السياسة لبضع سنوات، بما في ذلك إصلاح العلاقات إلى حد ما مع الإخوان المسلمين. 

 

واستمر ذلك إلى أن أصبح ترامب رئيسا. والأخير، مستمعا إلى نصيحة ستيفن بانون، دفع باتجاه عكس السياسة السابقة، وبدأ بالتصعيد ضد إيران وضد الإخوان المسلمين.

 

وهذا أدى في وقت سابق من هذا العام إلى انقطاع العلاقات السعودية مع قطر، الراعية الرئيسية للإخوان المسلمين. وحتى تلك اللحظة، كانت قطر متورطة في عملية القصف التي يشنها التحالف على اليمن، ولكن جرى طردها منه بسبب هذه القضية. لقد كانت مناورة سيئة للغاية، وقد ارتدّت على فاعليها.

 

التصعيد ضد إيران أدى إلى الحلقة الأخيرة مع لبنان. حيث يعتمد الحريري بشكل كامل على السعوديين. وقد حققت عائلة الحريري ثرواتها في السعودية، من خلال علاقاتها بأفراد من الأسرة الحاكمة، الشرط الأساسي لجني الأرباح في السعودية.

 

الرسالة التي يبعثها السعوديون هي أننا لا نريد لـ"جماعتنا"- أي الحريري أن يشارك في حكومة في لبنان يسيطر عليها "جماعة" إيران، أي حزب الله.

 

تلك كان الرسالة. ولكنها فشلت بسبب تدخل الحكومات الغربية، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا. لقد لعب ماكرون دورا نشطا في إخراج الحريري من السعودية والعودة إلى لبنان حيث جرى تجديد شكل من أشكال التسوية، وهذا ما يريد السعوديون إنهاءه. غير أن الوضع غير مستقر إلى حد كبير.

 

 

هل يمكنك استخلاص بعض الاستنتاجات العامة حول واقع الثورة والثورة المضادة، بعد سبع سنوات تقريبا على بدء الربيع العربي؟ لقد كتبت من قبل حول فهم ذلك كسيرورة مستمرة- لا تنقسم كحلقات منفصلة، ولكنها مستمرة. هل يمكنك التوسع بخصوص ذلك؟

 

نقطة الانطلاق هي أن نفهم أن ما سمي بالربيع العربي لم يقتصر على قضايا الحرية والديمقراطية، كما تم تصويره في وسائل الإعلام. كان الانفجار الاجتماعي والاقتصادي أعمق بكثير، بسبب تراكم المظالم ذات الطابع الاجتماعي. حيث تسجل أرقام قياسية في معدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب، وانخفاض مستويات المعيشة والفقر، كل ذلك ظهر عام 2011.

 

ولهذا السبب أكدت في ذلك الوقت أن ما أسميته "سيرورة ثورية طويلة الأجل" قد بدأت، وهو أمر من شأنه أن يستمر لعدة سنوات عديدة من الاضطرابات- يمكن للمرء أن يقول بثقة الآن: لمدة عقود.

 

لن يكون هناك من استقرار جديد في هذا الجزء من العالم لفترة طويلة جدا لأن شرط الاستقرار هو تغيير اجتماعي وسياسي جذري، من شأنه أن يضع المنطقة على الطريق الصحيح من أجل نوع مختلف جدا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبدون هذا التغيير الجذري، لن تحل حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

 

المشكلة الحالية في الوقت الحالي هي أن القوى التقدمية التي ظهرت في الربيع العربي قد انحسرت إلى الهامش في كل مكان تقريبا في غضون عدة سنوات من عام 2011. منذ ذلك الحين، تمزقت المنطقة بين قوتين رجعيتين.

 

فمن ناحية، هناك الأنظمة- أو بقاياها في الدول التي أطيح بها أو حيث تقوضت بشكل كبير. من ناحية أخرى، هناك القوى الأصولية الإسلامية- أهمها جماعة الإخوان المسلمين التي ترعاها قطر والسلفية المستوحاة من السعودية- التي نشأت منذ السبعينيات والثمانينيات على جثة موجة سابقة من النشاط اليساري، حيث لعبت الأحزاب القومية والشيوعية دورا رئيسيا.

 

والواقع أن المنطقة كلها قد تحولت منذ عام 2013 من المرحلة الثورية السابقة، التي أطلق عليها اسم الربيع العربي، إلى مرحلة معادية للثورة. وتتميز هذه الأخيرة بالصدام بين القطبين المضادين للثورة- أي الأنظمة وخصومهم الأصوليين الإسلاميين.

 

هذا ما حصل في الحروب التي اندلعت في ليبيا وسوريا واليمن- أساسا، تجد تلك المكونات نفسها في كل مكان. وهي موجودة في الوضع المكثف في مصر: الشكل الذي اتخذه هناك هو عودة النظام القديم بانتقام، وسحق الإخوان المسلمين.

 

نحن في خضم هذه المرحلة المضادة للثورة. ولكن في الوقت عينه، يمكنك أن ترى المؤشرات على أن القضايا الاجتماعية تغلي. ليس فقط كل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى انفجار عام 2011 لا تزال موجودة، لكنها باتت أسوأ بكثير.

 

هذا ما سيؤدي إلى المزيد من الانفجارات والمزيد من الاضطرابات: هذا أمر أكيد. لا يسعنا إلا أن نأمل أن تكون الإمكانيات التقدمية التي ظهرت بقوة عام 2011 قادرة على إعادة بناء نفسها وتنظيم نفسها للحصول على السلطة. هذا ما كان ناقصا من الربيع العربي- أي المنظمات التي تجسد هذه الإمكانية مع استراتيجية واضحة لبناء بديل لكل من الأنظمة القديمة ومنافسيها الأصوليين.

 

--

* نشر النص باللغة الانكليزية بموقع SocialistWorker بتاريخ 11 كانون الأول 2017

 

 

نشر السبت 06 يناير, 2018 (اخر تحديث) 06 يناير, 2018 الساعة 13:05
عدد التعليقات [0] عدد الطباعة [0] عدد الارسال [0] عدد القراءات [415]